Muslim Library

تفسير الطبري - سورة سبأ - الآية 19

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) (سبأ) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } اخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { رَبّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنَا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْكُوفَة : { رَبّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنَا } عَلَى وَجْه الدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة بِالْأَلِفِ ; وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل مَكَّة وَالْبَصْرَة : " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ الْعَيْن عَلَى الدُّعَاء أَيْضًا . وَذُكِرَ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : " رَبّنَا بَاعَدَ بَيْن أَسْفَارنَا " عَلَى وَجْه الْخَبَر مِنَ اللَّه أَنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ , وَحُكِيَ عَنْ آخَر أَنَّهُ قَرَأَهُ : " رَبّنَا بَعَّدَ " عَلَى وَجْه الْخَبَر أَيْضًا غَيْر أَنَّ الرَّبّ مُنَادًى . وَالصَّوَاب مِنَ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : { رَبّنَا بَاعِدْ } وَ " بَعِّدْ " لِأَنَّهُمَا الْقِرَاءَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار وَمَا عَدَاهُمَا فَغَيْر مَعْرُوف فِيهِمْ ; عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل أَيْضًا يُحَقِّق قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْه الدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة , وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَزِيد الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى بُعْدًا مِنْ الصَّوَاب . فَإِذَا كَانَ هُوَ الصَّوَاب مِنَ الْقِرَاءَة , فَتَأْوِيل الْكَلَام : فَقَالُوا : يَا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنَا , فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّام فَلَوَات وَمَفَاوِز , لِنَرْكَب فِيهَا الرَّوَاحِل , وَنَتَزَوَّد مَعَنَا فِيهَا الْأَزْوَاد ; وَهَذَا مِنْ الدَّلَالَة عَلَى بَطَر الْقَوْم نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ , وَجَهْلهمْ بِمِقْدَارِ الْعَافِيَة ; وَلَقَدْ عَجَّلَ لَهُمْ رَبّهمْ الْإِجَابَة , كَمَا عَجَّلَ لِلْقَائِلِينَ : { إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة مِنَ السَّمَاء أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم } 8 32 أَعْطَاهُمْ مَا رَغِبُوا إِلَيْهِ فِيهِ وَطَلَبُوا مِنَ الْمَسْأَلَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22018 - حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن يُونُس , قَالَ : ثنا عَبْثَر , قَالَ : ثنا حُصَيْن , عَنْ أَبِي مَالِك فِي هَذِهِ الْآيَة : { فَقَالُوا رَبّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنَا } قَالَ : كَانَتْ لَهُمْ قُرًى مُتَّصِلَة بِالْيَمَنِ , كَانَ بَعْضهَا يَنْظُر إِلَى بَعْض , فَبَطِرُوا ذَلِكَ , وَقَالُوا : رَبّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنَا , قَالَ : فَأَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ سَيْل الْعَرِم , وَجَعَلَ طَعَامهمْ أَثْلًا وَخَمْطًا وَشَيْئًا مِنْ سِدْر قَلِيل . 22019 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَقَالُوا رَبّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } قَالَ : فَإِنَّهُمْ بَطِرُوا عَيْشَهُمْ , وَقَالُوا : لَوْ كَانَ جَنَى جَنَّاتنَا أَبْعَد مِمَّا هِيَ كَانَ أَجْدَر أَنْ نَشْتَهِيَهُ , فَمَزَّقُوا بَيْنَ الشَّام وَسَبَأ , وَبَدَّلُوا بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْط وَأَثْل , وَشَيْء مِنْ سِدْر قَلِيل . 22020 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَقَالُوا رَبّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنَا } بَطِرَ الْقَوْم نِعْمَةَ اللَّه , وَغَمَطُوا كَرَامَةَ اللَّه , قَالَ اللَّه { وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } . 22021 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَقَالُوا رَبّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنَا } حَتَّى نَبِيت فِي الْفَلَوَات وَالصَّحَارِي { فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } . وَقَوْله { فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } وَكَانَ ظُلْمهمْ إِيَّاهَا عَمَلهمْ بِمَا يُسْخِط اللَّهَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَاصِيه , مِمَّا يُوجِب لَهُمْ عِقَابَ اللَّهِ { فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } يَقُول : صَيَّرْنَاهُمْ أَحَادِيثَ لِلنَّاسِ يَضْرِبُونَ بِهِمْ الْمَثَل فِي السَّبْت , فَيُقَال : تَفَرَّقَ الْقَوْم أَيَادِي سَبَا , وَأَيْدِي سَبَا , إِذَا تَفَرَّقُوا وَتَقَطَّعُوا .

وَقَوْله { وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلّ مُمَزَّق } يَقُول : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْبِلَاد كُلّ مُقَطَّع , كَمَا : 22022 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلّ مُمَزَّق } قَالَ قَتَادَة : قَالَ عَامِر الشَّعْبِيّ : أَمَّا غَسَّان فَقَدْ لَحِقُوا بِالشَّامِ , وَأَمَّا الْأَنْصَار فَلَحِقُوا بِيَثْرِب , وَأَمَّا خُزَاعَة فَلَحِقُوا بِتِهَامَة , وَأَمَّا الْأَزْدَ فَلَحِقُوا بِعَمَّان. 22023 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : يَزْعُمُونَ أَنَّ عِمْرَان بْن عَامِر , وَهُوَ عَمّ الْقَوْم كَانَ كَاهِنًا , فَرَأَى فِي كَهَانَته أَنَّ قَوْمه سَيُمَزَّقُونَ وَيَتَبَاعَدُونَ , فَقَالَ لَهُمْ : إِنِّي قَدْ عَلِمْت أَنَّكُمْ سَتُمَزَّقُونَ , فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا هَمّ بَعِيد , وَجَمَل شَدِيد , وَمَزَاد جَدِيد , فَلْيَلْحَقْ بِكَأْسٍ أَوْ كُرُود , قَالَ : فَكَانَتْ وَادِعَة بْن عَمْرو ; وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا هَمّ مُدْنٍ , وَأَمْرَد عَنٍ , فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِ شَنّ , فَكَانَتْ عَوْف بْن عَمْرو , وَهُمُ الَّذِينَ يُقَال لَهُمْ بَارِق ; وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيد عَيْشًا آيِنًا , وَحَرَمًا آمِنًا , فَلْيَلْحَقْ بِالْأَرْزَيْنِ , فَكَانَتْ خُزَاعَة ; وَمَنْ كَانَ يُرِيد الرَّاسِيَات فِي الْوَحْل , الْمُطْعِمَات فِي الْمَحْل , فَلْيَلْحَقْ بِيَثْرِب ذَات النَّخْل , فَكَانَتْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج فَهُمَا هَذَانِ الْحَيَّانِ مِنْ الْأَنْصَار ; وَمَنْ كَانَ يُرِيد خَمْرًا وَخَمِيرًا , وَذَهَبًا وَحَرِيرًا , وَمُلْكًا وَتَأْمِيرًا فَلْيَلْحَقْ بِكُوثَى وَبُصْرَى , فَكَانَتْ غَسَّان بَنُو جَفْنَة مُلُوك الشَّام وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْعِرَاقِ . قَالَ ابْن إِسْحَاق : قَدْ سَمِعْت بَعْض أَهْل الْعِلْم يَقُول : إِنَّمَا قَالَتْ هَذِهِ الْمَقَالَة طَرِيفَة امْرَأَة عِمْرَان بْن عَامِر , وَكَانَتْ كَاهِنَة , فَرَأَتْ فِي كِهَانَتهَا ذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَم أَيّ ذَلِكَ كَانَ ; قَالَ : فَلَمَّا تَفَرَّقُوا , نَزَلُوا عَلَى كِهَانَة عِمْرَان بْن عَامِر .

وَقَوْله : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِي تَمْزِيقَنَاهُمْ كُلّ مُمَزَّق { لَآيَات } يَقُول : لَعِظَة وَعِبْرَة وَدَلَالَة عَلَى وَاجِب حَقّ اللَّه عَلَى عَبْده مِنْ الشُّكْر عَلَى نِعَمه إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ , وَحَقّه مِنْ الصَّبْر عَلَى مِحْنَته إِذَا امْتَحَنَهُ بِبَلَاءٍ لِكُلِّ صَبَّار شَكُور عَلَى نِعَمه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22024 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور } كَانَ مُطَرِّف يَقُول : نِعْمَ الْعَبْد الصَّبَّار الشَّكُور , الَّذِي إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ , وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

    المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : أحد كتب التاريخ المهمة وقد ابتدأ مصنفه من بدء الخلق وأول من سكن الأرض إلى أواخر القرن السادس الهجري.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141376

    التحميل:

  • حكم صيام يوم السبت في غير الفريضة

    حكم صيام يوم السبت في غير الفريضة : في هذه الرسالة تخريج حديث النهي عن صوم يوم السبت، ومن ثم الحكم عليه، ثم ذكر الأحاديث المعارضة له، مع ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة، وبيان القول الراجح.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net - دار التوحيد للنشر بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/167462

    التحميل:

  • العهد والميثاق في القرآن الكريم

    العهد والميثاق في القرآن الكريم: في كتاب الله تعالى كثُرت الآيات التي وردت في قضية العهد والميثاق، وشملت جميع العصور والأزمنة، وقد جاء هذا البحث شاملاً للكلام عن هذه المسألة، وقد قسَّمه الشيخ - حفظه الله - إلى أربعة مباحث وخاتمة.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337115

    التحميل:

  • الهجرة دروس وفوائد

    الهجرة دروس وفوائد: رسالة ضمَّنها المؤلف - حفظه الله - أكثر من عشرين درسًا وفائدةً من دروس الهجرة.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355722

    التحميل:

  • مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف في مقدة كتابه: «فهذه رسالة مختصرة في «مفهوم الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى»، بيَّنتُ فيها مفهوم الحكمة وضوابطها، وأنواعها، وأركانها، ودرجاتها، وطرق اكتسابها، وقد قسمت البحث إلى تمهيد وأربعة مباحث وتحت كل مبحث مطالب، على النحو الآتي: التمهيد: أهمية الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى. المبحث الأول: مفهوم الحكمة: لغةً وشرعًا. المبحث الثاني: أنواع الحكمة. المبحث الثالث: أركان الحكمة. المبحث الرابع: طرق اكتساب الحكمة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337986

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة