Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأحزاب - الآية 57

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57) (الأحزاب) mp3
فِيهِ خَمْس مَسَائِل الْأُولَى : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَذِيَّة اللَّه بِمَاذَا تَكُون ؟ فَقَالَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ بِالْكُفْرِ وَنِسْبَة الصَّاحِبَة وَالْوَلَد وَالشَّرِيك إِلَيْهِ , وَوَصْفه بِمَا لَا يَلِيق بِهِ , كَقَوْلِ الْيَهُود لَعَنَهُمْ اللَّه : وَقَالَتْ الْيَهُود يَد اللَّه مَغْلُولَة . وَالنَّصَارَى : الْمَسِيح اِبْن اللَّه . وَالْمُشْرِكُونَ : الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه وَالْأَصْنَام شُرَكَاؤُهُ . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( كَذَّبَنِي اِبْن آدَم وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ... ) الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة " مَرْيَم " وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ( يُؤْذِينِي اِبْن آدَم يَقُول يَا خَيْبَة الدَّهْر فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدكُمْ يَا خَيْبَة الدَّهْر فَإِنِّي أَنَا الدَّهْر أُقَلِّب لَيْله وَنَهَاره فَإِذَا شِئْت قَبَضْتهمَا ) . هَكَذَا جَاءَ هَذَا الْحَدِيث مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذِهِ الرِّوَايَة . وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا عَنْهُ ( يُؤْذِينِي اِبْن آدَم يَسُبّ الدَّهْر وَأَنَا الدَّهْر أُقَلِّب اللَّيْل وَالنَّهَار ) أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِم . وَقَالَ عِكْرِمَة : مَعْنَاهُ بِالتَّصْوِيرِ وَالتَّعَرُّض لِفِعْلِ مَا لَا يَفْعَلهُ إِلَّا اللَّه بِنَحْتِ الصُّوَر وَغَيْرهَا , وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَعَنَ اللَّه الْمُصَوِّرِينَ ) .

قُلْت : وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي قَوْل مُجَاهِد فِي الْمَنْع مِنْ تَصْوِير الشَّجَر وَغَيْرهَا ; إِذْ كُلّ ذَلِكَ صِفَة اِخْتِرَاع وَتَشَبُّه بِفِعْلِ اللَّه الَّذِي اِنْفَرَدَ بِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي سُورَة " النَّمْل " وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَالَتْ فِرْقَة : ذَلِكَ عَلَى حَذْف مُضَاف , تَقْدِيره : يُؤْذُونَ أَوْلِيَاء اللَّه . وَأَمَّا أَذِيَّة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ كُلّ مَا يُؤْذِيه مِنْ الْأَقْوَال فِي غَيْر مَعْنًى وَاحِد , وَمِنْ الْأَفْعَال أَيْضًا . أَمَّا قَوْلهمْ : " فَسَاحِر . شَاعِر . كَاهِن مَجْنُون . وَأَمَّا فِعْلهمْ : فَكَسْر رَبَاعِيَته وَشَجّ وَجْهه يَوْم أُحُد , وَبِمَكَّة إِلْقَاء السَّلَى عَلَى ظَهْره وَهُوَ سَاجِد " إِلَى غَيْر ذَلِكَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَيْهِ حِين اِتَّخَذَ صَفِيَّة بِنْت أَبِي حُيَيّ . وَأَطْلَقَ إِيذَاء اللَّه وَرَسُوله وَقَيَّدَ إِيذَاء الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات , لِأَنَّ إِيذَاء اللَّه وَرَسُوله لَا يَكُون إِلَّا بِغَيْرِ حَقّ أَبَدًا . وَأَمَّا إِيذَاء الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات فَمِنْهُ , وَمِنْهُ . .

الثَّانِيَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالطَّعْن فِي تَأْمِير أُسَامَة بْن زَيْد أَذِيَّة لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام . رَوَى الصَّحِيح عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَة بْن زَيْد فَطَعَنَ النَّاس فِي إِمْرَته ; فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَته فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَة أَبِيهِ مِنْ قَبْل وَأَيْمُ اللَّه إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاس إِلَيَّ بَعْده ) . وَهَذَا الْبَعْث - وَاَللَّه أَعْلَمُ - هُوَ الَّذِي جَهَّزَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أُسَامَة وَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْزُوَ " أُبْنَى " وَهِيَ الْقَرْيَة الَّتِي عِنْد مُؤْتَة , الْمَوْضِع الَّذِي قُتِلَ فِيهِ زَيْد أَبُوهُ مَعَ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَعَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة . فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذ بِثَأْرِ أَبِيهِ فَطَعَنَ مَنْ فِي قَلْبه رَيْب فِي إِمْرَته ; مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمَوَالِي , وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ صَغِير السِّنّ ; لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ اِبْن ثَمَانِي عَشْرَة سَنَة ; فَمَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَرَزَ هَذَا الْبَعْث عَنْ الْمَدِينَة وَلَمْ يَنْفَصِل بَعْد عَنْهَا ; فَنَفَذَهُ أَبُو بَكْر بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

الثَّالِثَة : فِي هَذَا الْحَدِيث أَوْضَحُ دَلِيل عَلَى جَوَاز إِمَامَة الْمَوْلَى وَالْمَفْضُول عَلَى غَيْرهمَا مَا عَدَا الْإِمَامَة الْكُبْرَى . وَقَدَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة عَلَى الصَّلَاة بِقُبَاء , فَكَانَ يَؤُمّهُمْ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَغَيْرهمْ مِنْ كُبَرَاء قُرَيْش . وَرَوَى الصَّحِيح عَنْ عَامِر بْن وَاثِلَة أَنَّ نَافِع بْن عَبْد الْحَارِث لَقِيَ عُمَر بِعُسْفَان , وَكَانَ عُمَر يَسْتَعْمِلهُ عَلَى مَكَّة فَقَالَ : مَنْ اِسْتَعْمَلْت عَلَى هَذَا الْوَادِي ؟ قَالَ : اِبْن أَبْزَى . قَالَ : وَمَنْ اِبْن أَبْزَى ؟ قَالَ : مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا . قَالَ : فَاسْتَخْلَفْت عَلَيْهِمْ مَوْلًى ! قَالَ : إِنَّهُ لَقَارِئ لِكِتَابِ اللَّه وَإِنَّهُ لَعَالِم بِالْفَرَائِضِ - قَالَ - أَمَا إِنَّ نَبِيّكُمْ قَدْ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه يَرْفَع بِهَذَا الْكِتَاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرِينَ ) .

الرَّابِعَة : كَانَ أُسَامَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْحِبّ اِبْن الْحِبّ وَبِذَلِكَ كَانَ يُدْعَى , وَكَانَ أَسْوَد شَدِيد السَّوَاد , وَكَانَ زَيْد أَبُوهُ أَبْيَض مِنْ الْقُطْن . هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح . وَقَالَ غَيْر أَحْمَد : كَانَ زَيْد أَزْهَرَ اللَّوْن وَكَانَ أُسَامَة شَدِيد الْأُدْمَة . وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَسِّن أُسَامَة وَهُوَ صَغِير وَيَمْسَح مُخَاطه , وَيُنَقِّي أَنْفه وَيَقُول : ( لَوْ كَانَ أُسَامَة جَارِيَة لَزَيَّنَّاهُ وَجَهَّزْنَاهُ وَحَبَّبْنَاهُ إِلَى الْأَزْوَاج ) . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ سَبَب اِرْتِدَاد الْعَرَب بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَجَّة الْوَدَاع بِجَبَلِ عَرَفَة عَشِيَّة عَرَفَة عِنْد النَّفْر , اِحْتَبَسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلًا بِسَبَبِ أُسَامَة إِلَى أَنْ أَتَاهُ ; فَقَالُوا : مَا اِحْتَبَسَ إِلَّا لِأَجْلِ هَذَا ! تَحْقِيرًا لَهُ . فَكَانَ قَوْلهمْ هَذَا سَبَب اِرْتِدَادهمْ . ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ بِمَعْنَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .

الْخَامِسَة : كَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَفْرِض لِأُسَامَة فِي الْعَطَاء خَمْسَة آلَاف , وَلِابْنِهِ عَبْد اللَّه أَلْفَيْنِ ; فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه : فَضَّلْت عَلَيَّ أُسَامَة وَقَدْ شَهِدْت مَا لَمْ يَشْهَد ! فَقَالَ : إِنَّ أُسَامَة كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْك , وَأَبَاهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِيك , فَفَضَّلَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَحْبُوب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَحْبُوبه . وَهَكَذَا يَجِب أَنْ يُحَبّ مَا أَحَبَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُبْغَض مَنْ أَبْغَضَ . وَقَدْ قَابَلَ مَرْوَان هَذَا الْحُبّ بِنَقِيضِهِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِأُسَامَة بْن زَيْد وَهُوَ يُصَلِّي عِنْد بَاب بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ مَرْوَان : إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نَرَى مَكَانَك , فَقَدْ رَأَيْنَا مَكَانك , فَعَلَ اللَّه بِك ! وَقَالَ قَوْلًا قَبِيحًا . فَقَالَ لَهُ أُسَامَة : إِنَّك آذَيْتنِي , وَإِنَّك فَاحِش مُتَفَحِّش , وَقَدْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُبْغِض الْفَاحِش الْمُتَفَحِّش ) . فَانْظُرْ مَا بَيْن الْفِعْلَيْنِ وَقِسْ مَا بَيْن الرَّجُلَيْنِ , فَقَدْ آذَى بَنُو أُمَيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْبَابه , وَنَاقَضُوهُ فِي مَحَابِّهِ .

" لَعَنَهُمْ اللَّه " مَعْنَاهُ أُبْعِدُوا مِنْ كُلّ خَيْر . وَاللَّعْن فِي اللُّغَة : الْإِبْعَاد , وَمِنْهُ اللِّعَان .

" وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا " تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي غَيْر مَوْضِع . وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المنتقى للحديث في رمضان

    المنتقى للحديث في رمضان : مجموعة من الدروس تساعد الأئمة والوعاظ في تحضير دروسهم في شهر رمضان المبارك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172215

    التحميل:

  • صوت ينادي

    صوت ينادي: تحتوي هذه الرسالة على بعض المواعظ الأدبية؛ إنه صوت يحبك في الله.. فأرهف سمعك وأعره قلبك صوت ينادي.. ألا فاسمع حديثه.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229487

    التحميل:

  • استمتع بحياتك

    استمتع بحياتك: كتابٌ في مهارات وفنون التعامل مع الناس في ظل السيرة النبوية، وهو حصيلة بحوث ودورات وذكريات أكثر من عشرين سنة، وهو من الكتب المتميزة في تطوير الذات وتنمية المهارات.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330537

    التحميل:

  • نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع

    نقد القومية العربية : رسالة لطيفة للعلامة ابن باز - رحمه الله - بين فيها بطلان دعوة من يدعو إلى القومية العربية، وذلك من عدة وجوه.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/102357

    التحميل:

  • خطبة عرفة لعام 1427 هجريًّا

    خطبة ألقاها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - حفظه الله - ، في مسجد نمرة يوم 29/ديسمبر/ 2006 م الموافق 9 من ذي الحجة عام 1427 هـ، قام بتفريغ الخطبة الأخ سالم الجزائري - جزاه الله خيرًا -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2386

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة