Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأحزاب - الآية 50

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (50) (الأحزاب) mp3
رَوَى السُّدِّيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أُمّ هَانِئ بِنْت أَبِي طَالِب قَالَتْ : خَطَبَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَذَرْت إِلَيْهِ فَعَذَرَنِي , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورهنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينك مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْك وَبَنَات عَمّك وَبَنَات عَمَّاتك وَبَنَات خَالك وَبَنَات خَالَاتك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك " قَالَتْ : فَلَمْ أَكُنْ أَحِلّ لَهُ ; لِأَنِّي لَمْ أُهَاجِر , كُنْت مِنْ الطُّلَقَاء . خَرَّجَهُ أَبُو عِيسَى وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ ضَعِيف جِدًّا وَلَمْ يَأْتِ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق صَحِيح يُحْتَجّ بِهَا .

لَمَّا خَيَّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ فَاخْتَرْنَهُ , حُرِّمَ عَلَيْهِ التَّزَوُّج بِغَيْرِهِنَّ وَالِاسْتِبْدَال بِهِنَّ , مُكَافَأَة لَهُنَّ عَلَى فِعْلهنَّ . وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " لَا يَحِلّ لَك النِّسَاء مِنْ بَعْد " الْآيَة . وَهَلْ كَانَ يَحِلّ لَهُ أَنْ يُطَلِّق وَاحِدَة مِنْهُنَّ بَعْد ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ : لَا يَحِلّ لَهُ ذَلِكَ عَزَاء لَهُنَّ عَلَى اِخْتِيَارهنَّ لَهُ . وَقِيلَ : كَانَ يَحِلّ لَهُ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ النِّسَاء وَلَكِنْ لَا يَتَزَوَّج بَدَلهَا . ثُمَّ نُسِخَ هَذَا التَّحْرِيم فَأَبَاحَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّج بِمَنْ شَاءَ عَلَيْهِنَّ مِنْ النِّسَاء , وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْل تَعَالَى : " إِنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجك " وَالْإِحْلَال يَقْتَضِي تَقَدُّم حَظْر . وَزَوْجَاته اللَّاتِي فِي حَيَاته لَمْ يَكُنَّ مُحَرَّمَات عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا كَانَ حُرِّمَ عَلَيْهِ التَّزْوِيج بِالْأَجْنَبِيَّاتِ فَانْصَرَفَ الْإِحْلَال إِلَيْهِنَّ , وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي سِيَاق الْآيَة " وَبَنَات عَمّك وَبَنَات عَمَّاتك " الْآيَة . وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَحْته أَحَد مِنْ بَنَات عَمّه وَلَا مِنْ بَنَات عَمَّاته وَلَا مِنْ بَنَات خَاله وَلَا مِنْ بَنَات خَالَاته , فَثَبَتَ أَنَّهُ أُحِلَّ لَهُ التَّزْوِيج بِهَذَا اِبْتِدَاء . وَهَذِهِ الْآيَة وَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّمَة فِي التِّلَاوَة فَهِيَ مُتَأَخِّرَة النُّزُول عَلَى الْآيَة الْمَنْسُوخَة بِهَا , كَآيَتَيْ الْوَفَاة فِي " الْبَقَرَة " .

وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " إِنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجك " فَقِيلَ : الْمُرَاد بِهَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَحَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّج كُلّ اِمْرَأَة يُؤْتِيهَا مَهْرهَا , قَالَ اِبْن زَيْد وَالضَّحَّاك . فَعَلَى هَذَا تَكُون الْآيَة مُبِيحَة جَمِيع النِّسَاء حَاشَا ذَوَات الْمَحَارِم . وَقِيلَ : الْمُرَاد أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجك , أَيْ الْكَائِنَات عِنْدك , لِأَنَّهُنَّ قَدْ اِخْتَرْنَك عَلَى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , قَالَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء . وَهُوَ الظَّاهِر , لِأَنَّ قَوْله : " آتَيْت أُجُورهنَّ " مَاضٍ , وَلَا يَكُون الْفِعْل الْمَاضِي بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال إِلَّا بِشُرُوطٍ . وَيَجِيءُ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل ضَيِّقًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيُؤَيِّد هَذَا التَّأْوِيل مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَزَوَّج فِي أَيّ النَّاس شَاءَ , وَكَانَ يَشُقّ ذَلِكَ عَلَى نِسَائِهِ , فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَحُرِّمَ عَلَيْهِ بِهَا النِّسَاء إِلَّا مَنْ سُمِّيَ , سُرَّ نِسَاؤُهُ بِذَلِكَ .

قُلْت : وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيَدُلّ أَيْضًا عَلَى صِحَّته مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَطَاء قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : مَا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحَلَّ اللَّه تَعَالَى لَهُ النِّسَاء . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح .

أَحَلَّ اللَّه تَعَالَى السَّرَارِيّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأُمَّتِهِ مُطْلَقًا , وَأَحَلَّ الْأَزْوَاج لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُطْلَقًا , وَأَحَلَّهُ لِلْخَلْقِ بِعَدَدٍ .

أَيْ رَدَّهُ عَلَيْك مِنْ الْكُفَّار . وَالْغَنِيمَة قَدْ تُسَمَّى فَيْئًا , أَيْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْك مِنْ النِّسَاء بِالْمَأْخُوذِ عَلَى وَجْه الْقَهْر وَالْغَلَبَة .

أَيْ أَحْلَلْنَا لَك ذَلِكَ زَائِدًا مِنْ الْأَزْوَاج اللَّاتِي آتَيْت أُجُورهنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينك , عَلَى قَوْل الْجُمْهُور , لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَحْلَلْنَا لَك كُلّ اِمْرَأَة تَزَوَّجْت وَآتَيْت أَجْرهَا , لَمَا قَالَ بَعْد ذَلِكَ : " وَبَنَات عَمّك وَبَنَات عَمَّاتك " لِأَنَّ ذَلِكَ دَاخِل فِيمَا تَقَدَّمَ .

قُلْت : وَهَذَا لَا يَلْزَم , وَإِنَّمَا خُصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " فِيهِمَا فَاكِهَة وَنَخْل وَرُمَّان " [ الرَّحْمَن : 68 ] . وَاَللَّه أَعْلَمُ .

ذَكَرَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْعَمّ فَرْدًا وَالْعَمَّات جَمْعًا . وَكَذَلِكَ قَالَ : " خَالك " , " وَخَالَاتك " وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْعَمّ وَالْخَال فِي الْإِطْلَاق اِسْم جِنْس كَالشَّاعِرِ وَالرَّاجِز , وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَمَّة وَالْخَالَة . وَهَذَا عُرْف لُغَوِيّ , فَجَاءَ الْكَلَام عَلَيْهِ بِغَايَةِ الْبَيَان لِرَفْعِ الْإِشْكَال , وَهَذَا دَقِيق فَتَأَمَّلُوهُ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ .

فِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّل : لَا يَحِلّ لَك مِنْ قَرَابَتك كَبَنَاتِ عَمّك الْعَبَّاس وَغَيْره مِنْ أَوْلَاد عَبْد الْمُطَّلِب , وَبَنَات أَوْلَاد بَنَات عَبْد الْمُطَّلِب , وَبَنَات الْخَال مِنْ وَلَد بَنَات عَبْد مَنَاف بْن زُهْرَة إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْلِم مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانه وَيَده وَالْمُهَاجِر مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّه تَعَالَى عَنْهُ ) . الثَّانِي : لَا يَحِلّ لَك مِنْهُنَّ إِلَّا مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة , لِقَوْلِهِ تَعَالَى . " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتهمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا " وَمَنْ لَمْ يُهَاجِر لَمْ يَكْمُل , وَمَنْ لَمْ يَكْمُل لَمْ يَصْلُح لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَمُلَ وَشَرُفَ وَعَظُمَ , صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

‎قَوْله تَعَالَى " مَعَك " الْمَعِيَّة هُنَا الِاشْتِرَاك فِي الْهِجْرَة لَا فِي الصُّحْبَة فِيهَا , فَمَنْ هَاجَرَ حَلَّ لَهُ , كَانَ فِي صُحْبَته إِذْ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يَكُنْ . يُقَال : دَخَلَ فُلَان مَعِي وَخَرَجَ مَعِي , أَيْ كَانَ عَمَله كَعَمَلِي وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِن فِيهِ عَمَلكُمَا . وَلَوْ قُلْت : خَرَجْنَا مَعًا لَاقْتَضَى ذَلِكَ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا : الِاشْتِرَاك فِي الْفِعْل , وَالِاقْتِرَان فِيهِ .

عَطْف عَلَى " أَحْلَلْنَا " الْمَعْنَى وَأَحْلَلْنَا كُلّ اِمْرَأَة تَهَب نَفْسهَا مِنْ غَيْر صَدَاق . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْمَعْنَى , فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : لَمْ تَكُنْ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَة إِلَّا بِعَقْدِ نِكَاح أَوْ مِلْك يَمِين . فَأَمَّا الْهِبَة فَلَمْ يَكُنْ عِنْده مِنْهُنَّ أَحَد . وَقَالَ قَوْم : كَانَتْ عِنْده مَوْهُوبَة .

قُلْت : وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ يُقَوِّي هَذَا الْقَوْل وَيَعْضُدهُ , رَوَى مُسْلِم عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : كُنْت أَغَار عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسهنَّ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقُول : أَمَا تَسْتَحِي اِمْرَأَة تَهَب نَفْسهَا لِرَجُلٍ ! حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْك مَنْ تَشَاء " [ الْأَحْزَاب : 51 ] فَقُلْت : وَاَللَّه مَا أَرَى رَبّك إِلَّا يُسَارِع فِي هَوَاك . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَتْ خَوْلَة بِنْت حَكِيم مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسهنَّ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ غَيْر وَاحِدَة . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ . الزَّمَخْشَرِيّ : وَقِيلَ الْمُوهِبَات أَرْبَع : مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث , وَزَيْنَب بِنْت خُزَيْمَة أُمّ الْمَسَاكِين الْأَنْصَارِيَّة , وَأُمّ شَرِيك بِنْت جَابِر , وَخَوْلَة بِنْت حَكِيم .

قُلْت : وَفِي بَعْض هَذَا اِخْتِلَاف . قَالَ قَتَادَة : هِيَ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث . وَقَالَ الشَّعْبِيّ : هِيَ زَيْنَب بِنْت خُزَيْمَة أُمّ الْمَسَاكِين اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار . وَقَالَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل : هِيَ أُمّ شَرِيك بِنْت جَابِر الْأَسَدِيَّة . وَقَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر : أُمّ حَكِيم بِنْت الْأَوْقَص السَّلَمِيَّة .

وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اِسْم الْوَاهِبَة نَفْسهَا , فَقِيلَ هِيَ أُمّ شُرَيْح الْأَنْصَارِيَّة , اِسْمهَا غُزَيَّة . وَقِيلَ غُزَيْلَة . وَقِيلَ لَيْلَى بِنْت حَكِيم . وَقِيلَ : هِيَ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث حِين خَطَبَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَهَا الْخَاطِب وَهِيَ عَلَى بَعِيرهَا فَقَالَتْ : الْبَعِير وَمَا عَلَيْهِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : هِيَ أُمّ شَرِيك الْعَامِرِيَّة , وَكَانَتْ عِنْد أَبِي الْعُكْر الْأَزْدِيّ . وَقِيلَ عِنْد الطُّفَيْل بْن الْحَارِث فَوَلَدَتْ لَهُ شَرِيكًا . وَقِيلَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا , وَلَمْ يَثْبُت ذَلِكَ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ , ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ . وَقَالَ الشَّعْبِيّ وَعُرْوَة : وَهِيَ زَيْنَب بِنْت خُزَيْمَة أُمّ الْمَسَاكِين . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ .

قَرَأَ جُمْهُور النَّاس " إِنْ وَهَبَتْ " بِكَسْرِ الْأَلِف , وَهَذَا يَقْتَضِي اِسْتِئْنَاف الْأَمْر , أَيْ إِنْ وَقَعَ فَهُوَ حَلَال لَهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد أَنَّهُمَا قَالَا : لَمْ يَكُنْ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَة مَوْهُوبَة , وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى خِلَافه . وَرَوَى الْأَئِمَّة مِنْ طَرِيق سَهْل وَغَيْره فِي الصِّحَاح : أَنَّ اِمْرَأَة قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جِئْت أَهَب لَك نَفْسِي , فَسَكَتَ حَتَّى قَامَ رَجُل فَقَالَ : زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَة . فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْهِبَة غَيْر جَائِزَة لَمَا سَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَا يَقِرّ عَلَى الْبَاطِل إِذَا سَمِعَهُ , غَيْر أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سُكُوته مُنْتَظِرًا بَيَانًا , فَنَزَلَتْ الْآيَة بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّخْيِير , فَاخْتَارَ تَرْكهَا وَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْره . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَكَتَ نَاظِرًا فِي ذَلِكَ حَتَّى قَامَ الرَّجُل لَهَا طَالِبًا . وَقَرَأَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَأُبَيّ بْن كَعْب وَالشَّعْبِيّ " أَنْ " بِفَتْحِ الْأَلِف . وَقَرَأَ الْأَعْمَش " وَامْرَأَة مُؤْمِنَة وَهَبَتْ " . قَالَ النَّحَّاس : وَكَسْر " إِنْ " أَجْمَعُ لِلْمَعَانِي , لِأَنَّهُ قِيلَ إِنَّهُنَّ نِسَاء . وَإِذَا فُتِحَ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى وَاحِدَة بِعَيْنِهَا , لِأَنَّ الْفَتْح عَلَى الْبَدَل مِنْ اِمْرَأَة , أَوْ بِمَعْنَى لِأَنَّ .

قَوْله تَعَالَى : " مُؤْمِنَة " يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَة لَا تَحِلّ لَهُ . قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيم الْحُرَّة الْكَافِرَة عَلَيْهِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالصَّحِيح عِنْدِي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِ . وَبِهَذَا يَتَمَيَّز عَلَيْنَا , فَإِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ جَانِب الْفَضَائِل وَالْكَرَامَة فَحَظّه فِيهِ أَكْثَرُ , وَمَا كَانَ جَانِب النَّقَائِص فَجَانِبه عَنْهَا أَطْهَرُ ; فَجُوِّزَ لَنَا نِكَاح الْحَرَائِر الْكِتَابِيَّات , وَقُصِرَ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَلَالَتِهِ عَلَى الْمُؤْمِنَات . وَإِذَا كَانَ لَا يَحِلّ لَهُ مَنْ لَمْ تُهَاجِر لِنُقْصَانِ فَضْل الْهِجْرَة فَأَحْرَى أَلَّا تَحِلّ لَهُ الْكَافِرَة الْكِتَابِيَّة لِنُقْصَانِ الْكُفْر .

" إِنْ وَهَبَتْ نَفْسهَا " دَلِيل عَلَى أَنَّ النِّكَاح عَقْد مُعَاوَضَة عَلَى صِفَات مَخْصُوصَة , قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي " النِّسَاء " وَغَيْرهَا . وَقَالَ الزَّجَّاج : مَعْنَى " إِنْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ " حَلَّتْ . وَقَرَأَ الْحَسَن : " أَنْ وَهَبَتْ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة . و " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب . قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ لِأَنْ . وَقَالَ غَيْره : " أَنْ وَهَبَتْ " بَدَل اِشْتِمَال مِنْ " اِمْرَأَة " .

أَيْ إِذَا وَهَبَتْ الْمَرْأَة نَفْسهَا وَقَبِلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّتْ لَهُ , وَإِنْ لَمْ يَقْبَلهَا لَمْ يَلْزَم ذَلِكَ . كَمَا إِذَا وَهَبْت لِرَجُلٍ شَيْئًا فَلَا يَجِب عَلَيْهِ الْقَبُول , بَيْد أَنَّ مِنْ مَكَارِم أَخْلَاق نَبِيّنَا أَنْ يَقْبَل مِنْ الْوَاهِب هِبَته . وَيَرَى الْأَكَارِم أَنَّ رَدَّهَا هُجْنَة فِي الْعَادَة , وَوَصْمَة عَلَى الْوَاهِب وَأَذِيَّة لِقَلْبِهِ , فَبَيَّنَ اللَّه ذَلِكَ فِي حَقّ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَهُ قُرْآنًا يُتْلَى , لِيَرْفَع عَنْهُ الْحَرَج , وَيُبْطِل بُطْل النَّاس فِي عَادَتهمْ وَقَوْلهمْ .

" أَنْ يَسْتَنْكِحهَا " أَيْ يَنْكِحهَا , يُقَال : نَكَحَ وَاسْتَنْكَحَ , مِثْل عَجِبَ وَاسْتَعْجَبَ , وَعَجِلَ وَاسْتَعْجَلَ . وَيَجُوز أَنْ يَرِد الِاسْتِنْكَاح بِمَعْنَى طَلَب النِّكَاح , أَوْ طَلَب الْوَطْء . و " خَالِصَة " نُصِبَ عَلَى الْحَال , قَالَ الزَّجَّاج . وَقِيلَ : حَال مِنْ ضَمِير مُتَّصِل بِفِعْلٍ مُضْمَر دَلَّ عَلَيْهِ الْمُضْمَر , تَقْدِيره : أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجك , وَأَحْلَلْنَا لَك اِمْرَأَة مُؤْمِنَة أَحْلَلْنَاهَا خَالِصَة , بِلَفْظِ الْهِبَة وَبِغَيْرِ صَدَاق وَبِغَيْرِ وَلِيّ

‎قَوْله تَعَالَى " خَالِصَة لَك " أَيْ هِبَة النِّسَاء أَنْفُسَهُنَّ خَالِصَة وَمَزِيَّة لَا تَجُوز , فَلَا يَجُوز أَنْ تَهَب الْمَرْأَة نَفْسهَا لِرَجُلٍ . وَوَجْه الْخَاصِّيَّة أَنَّهَا لَوْ طَلَبَتْ فَرْض الْمَهْر قَبْل الدُّخُول لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ . فَأَمَّا فِيمَا بَيْننَا فَلِلْمُفَوِّضَةِ طَلَبُ الْمَهْر قَبْل الدُّخُول , وَمَهْر الْمِثْل بَعْد الدُّخُول .

أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هِبَة الْمَرْأَة نَفْسَهَا غَيْر جَائِز , وَأَنَّ هَذَا اللَّفْظ مِنْ الْهِبَة لَا يَتِمّ عَلَيْهِ نِكَاح , إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَصَاحِبَيْهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِذَا وَهَبَتْ فَأَشْهَدَ هُوَ عَلَى نَفْسه بِمَهْرٍ فَذَلِكَ جَائِز . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَلَيْسَ فِي قَوْلهمْ إِلَّا تَجْوِيز الْعِبَارَة وَلَفْظَة الْهِبَة , وَإِلَّا فَالْأَفْعَال الَّتِي اِشْتَرَطُوهَا هِيَ أَفْعَال النِّكَاح بِعَيْنِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي " الْقَصَص " مُسْتَوْفَاة . وَالْحَمْد لِلَّهِ .

‎خَصَّ اللَّه تَعَالَى رَسُوله فِي أَحْكَام الشَّرِيعَة بِمَعَانٍ لَمْ يُشَارِكهُ فِيهَا أَحَد - فِي بَاب الْفَرْض وَالتَّحْرِيم وَالتَّحْلِيل - مَزِيَّة عَلَى الْأُمَّة وُهِبَتْ لَهُ , وَمَرْتَبَة خُصَّ بِهَا , فَفُرِضَتْ عَلَيْهِ أَشْيَاء مَا فُرِضَتْ عَلَى غَيْره , وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أَفْعَال لَمْ تُحَرَّم عَلَيْهِمْ , وَحُلِّلَتْ لَهُ أَشْيَاء لَمْ تُحَلَّل لَهُمْ , مِنْهَا مُتَّفَق عَلَيْهِ وَمُخْتَلَف فِيهِ .

فَأَمَّا مَا فُرِضَ عَلَيْهِ فَتِسْعَة : الْأَوَّل - التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ , يُقَال : إِنَّ قِيَام اللَّيْل كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ إِلَى أَنْ مَاتَ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل قُمْ اللَّيْل " [ الْمُزَّمِّل : 1 - 2 ] الْآيَة . وَالْمَنْصُوص أَنَّهُ كَانَ , وَاجِبًا عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمِنْ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَة لَك " [ الْإِسْرَاء : 79 ] وَسَيَأْتِي . الثَّانِي : الضُّحَى . الثَّالِث : الْأَضْحَى . الرَّابِع : الْوِتْر , وَهُوَ يَدْخُل فِي قِسْم التَّهَجُّد . الْخَامِس : السِّوَاك . السَّادِس : قَضَاء دَيْن مَنْ مَاتَ مُعْسِرًا . السَّابِع : مُشَاوَرَة ذَوِي الْأَحْلَام فِي غَيْر الشَّرَائِع . الثَّامِن : تَخْيِير النِّسَاء . التَّاسِع : إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ . زَادَ غَيْره : وَكَانَ يَجِب عَلَيْهِ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا أَنْكَرَهُ وَأَظْهَرَهُ , لِأَنَّ إِقْرَاره لِغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى جَوَازه , ذَكَرَهُ صَاحِب الْبَيَان .

وَأَمَّا مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ فَجُمْلَته عَشَرَة : الْأَوَّل : تَحْرِيم الزَّكَاة عَلَيْهِ وَعَلَى آله . الثَّانِي : صَدَقَة التَّطَوُّع عَلَيْهِ , وَفِي آلِه تَفْصِيل بِاخْتِلَافٍ . الثَّالِث : خَائِنَة الْأَعْيُن , وَهُوَ أَنْ يُظْهِر خِلَاف مَا يُضْمِر , أَوْ يَنْخَدِع عَمَّا يَجِب . وَقَدْ ذَمَّ بَعْض الْكُفَّار عِنْد إِذْنه ثُمَّ أَلَانَ لَهُ الْقَوْل عِنْد دُخُوله . الرَّابِع : حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَخْلَعهَا عَنْهُ أَوْ يَحْكُم اللَّه بَيْنه وَبَيْن مُحَارِبه . الْخَامِس : الْأَكْل مُتَّكِئًا . السَّادِس : أَكْل الْأَطْعِمَة الْكَرِيهَة الرَّائِحَة . السَّابِع : التَّبَدُّل بِأَزْوَاجِهِ , وَسَيَأْتِي . الثَّامِن : نِكَاح اِمْرَأَة تَكْرَه صُحْبَته . التَّاسِع : نِكَاح الْحُرَّة الْكِتَابِيَّة . الْعَاشِر : نِكَاح الْأَمَة .

وَحَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ أَشْيَاء لَمْ يُحَرِّمهَا عَلَى غَيْره تَنْزِيهًا لَهُ وَتَطْهِيرًا . فَحَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْكِتَابَة وَقَوْل الشِّعْر وَتَعْلِيمه , تَأْكِيدًا لِحُجَّتِهِ وَبَيَانًا لِمُعْجِزَتِهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك " [ الْعَنْكَبُوت : 48 ] . وَذَكَرَ النَّقَّاش أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَاتَ حَتَّى كَتَبَ , وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور . وَحُرِّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُدّ عَيْنَيْهِ إِلَى مَا مُتِّعَ بِهِ النَّاس , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ " [ الْحِجْر : 88 ] الْآيَة .

وَأَمَّا مَا أُحِلَّ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُمْلَته سِتَّة عَشَرَ : الْأَوَّل : صَفِيّ الْمَغْنَم . الثَّانِي : الِاسْتِبْدَاد بِخُمُسِ الْخُمُس أَوْ الْخُمُس . الثَّالِث : الْوِصَال . الرَّابِع : الزِّيَادَة عَلَى أَرْبَع نِسْوَة . الْخَامِس : النِّكَاح بِلَفْظِ الْهِبَة . السَّادِس : النِّكَاح بِغَيْرِ وَلِيّ . السَّابِع : النِّكَاح بِغَيْرِ صَدَاق . الثَّامِن : نِكَاحه فِي حَالَة الْإِحْرَام . التَّاسِع : سُقُوط الْقَسْم بَيْن الْأَزْوَاج عَنْهُ , وَسَيَأْتِي . الْعَاشِر : إِذَا وَقَعَ بَصَره عَلَى اِمْرَأَة وَجَبَ عَلَى زَوْجهَا طَلَاقهَا , وَحَلَّ لَهُ نِكَاحهَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَكَذَا قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ , وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي قِصَّة زَيْد مِنْ هَذَا الْمَعْنَى . الْحَادِيَ عَشَرَ : أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّة وَجَعَلَ عِتْقهَا صَدَاقهَا . الثَّانِي عَشَرَ : دُخُول مَكَّة بِغَيْرِ إِحْرَام , وَفِي حَقّنَا فِيهِ اِخْتِلَاف . الثَّالِث عَشَر : الْقِتَال بِمَكَّة . الرَّابِع عَشَر : أَنَّهُ لَا يُورَث . وَإِنَّمَا ذُكِرَ هَذَا فِي قِسْم التَّحْلِيل لِأَنَّ الرَّجُل إِذَا قَارَبَ الْمَوْت بِالْمَرَضِ زَالَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِلْكه , وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا الثُّلُث خَالِصًا , وَبَقِيَ مِلْك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ بَيَانه فِي آيَة الْمَوَارِيث , وَسُورَة " مَرْيَم " بَيَانه أَيْضًا . الْخَامِسَة عَشَر : بَقَاء زَوْجِيَّته مِنْ بَعْد الْمَوْت . السَّادِس عَشَر : إِذَا طَلَّقَ اِمْرَأَة تَبْقَى حُرْمَته عَلَيْهَا فَلَا تُنْكَح . وَهَذِهِ الْأَقْسَام الثَّلَاثَة تَقَدَّمَ مُعْظَمُهَا مُفَصَّلًا فِي مَوَاضِعهَا . وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَأُبِيحَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَخْذ الطَّعَام وَالشَّرَاب مِنْ الْجَائِع وَالْعَطْشَان , وَإِنْ كَانَ مَنْ هُوَ مَعَهُ يَخَاف عَلَى نَفْسه الْهَلَاك , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ " [ الْأَحْزَاب : 6 ] . وَعَلَى كُلّ أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ . وَأُبِيحَ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ . وَأَكْرَمَهُ اللَّه بِتَحْلِيلِ الْغَنَائِم . وَجُعِلَتْ الْأَرْض لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مَسْجِدًا وَطَهُورًا . وَكَانَ مِنْ الْأَنْبِيَاء مَنْ لَا تَصِحّ صَلَاتهمْ إِلَّا فِي الْمَسَاجِد . وَنُصِرَ بِالرُّعْبِ , فَكَانَ يَخَافهُ الْعَدُوّ مِنْ مَسِيرَة شَهْر . وَبُعِثَ إِلَى كَافَّة الْخَلْق , وَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْله مِنْ الْأَنْبِيَاء يُبْعَث الْوَاحِد إِلَى بَعْض النَّاس دُون بَعْض . وَجُعِلَتْ مُعْجِزَاته . كَمُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاء قَبْله وَزِيَادَة . وَكَانَتْ مُعْجِزَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام الْعَصَا وَانْفِجَار الْمَاء مِنْ الصَّخْرَة . وَقَدْ اِنْشَقَّ الْقَمَر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ مُعْجِزَة عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْيَاء الْمَوْتَى وَإِبْرَاء الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص . وَقَدْ سَبَّحَ الْحَصَى فِي يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَنَّ الْجِذْع إِلَيْهِ , وَهَذَا أَبْلَغُ . وَفَضَّلَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ بِأَنْ جَعَلَ الْقُرْآن مُعْجِزَة لَهُ , وَجَعَلَ مُعْجِزَته فِيهِ بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَلِهَذَا جُعِلَتْ نُبُوَّته مُؤَبَّدَة لَا تُنْسَخ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .

قَوْله تَعَالَى " مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ " فَائِدَته أَنَّ الْكُفَّار وَإِنْ كَانُوا مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة عِنْدنَا فَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ دُخُول لِأَنَّ تَصْرِيف الْأَحْكَام إِنَّمَا يَكُون فِيهِمْ عَلَى تَقْدِير الْإِسْلَام .

فَائِدَته أَنَّ الْكُفَّار وَإِنْ كَانُوا مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة عِنْدنَا فَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ دُخُول , لِأَنَّ تَصْرِيف الْأَحْكَام إِنَّمَا يَكُون فِيهِمْ عَلَى تَقْدِير الْإِسْلَام . أَيْ مَا أَوْجَبْنَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , وَهُوَ أَلَّا يَتَزَوَّجُوا إِلَّا أَرْبَع نِسْوَة بِمَهْرٍ وَبَيِّنَة وَوَلِيّ . قَالَ مَعْنَاهُ أُبَيّ بْن كَعْب وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا .

أَيْ ضِيق فِي أَمْر أَنْتَ فِيهِ مُحْتَاج إِلَى السَّعَة , أَيْ بَيَّنَّا هَذَا الْبَيَان وَشَرَحْنَا هَذَا الشَّرْح " لِكَيْلَا يَكُون عَلَيْك حَرَج " . ف " لِكَيْلَا " مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ : " إِنَّا أَحْلَلْنَا أَزْوَاجك " أَيْ فَلَا يَضِيق قَلْبك حَتَّى يَظْهَر مِنْك أَنَّك قَدْ أَثِمْت عِنْد رَبّك فِي شَيْء .

ثُمَّ آنَسَ تَعَالَى جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ بِغُفْرَانِهِ وَرَحْمَته فَقَالَ تَعَالَى : " وَكَانَ اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا "
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الطب النبوي

    الطب النبوي : في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح من كتاب الطب النبوي، والذي يتضمن فصول نافعة في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الطب الذي تطبب به، ووصفه لغيره حيث يبين الكاتب فيه الحكمة التي تعجز عقول أكبر الأطباء عن الوصول إليها. - وهذا الكتاب هو الجزء الرابع من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141721

    التحميل:

  • القول المفيد على كتاب التوحيد

    القول المفيد على كتاب التوحيد : هذا شرح مبارك على كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -, قام بشرحه الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -, وأصل هذا الشرح دروس أملاها الشيخ في الجامع الكبير بمدينة عنيزة بالسعودية, فقام طلبة الشيخ ومحبيه بتفريغ هذه الأشرطة وكتابتها؛ فلما رأى الشيخ حرص الطلبة عليها قام بأخذ هذا المكتوب وتهذيبه والزيادة عليه ثم خرج بهذا الشكل . وعلى كثرة ما للكتاب من شروح إلا أن هذا الشرح يتميز بعدة ميزات تجعل له المكانة العالية بين شروح الكتاب؛ فالشرح يجمع بين البسط وسهولة الأسلوب وسلاسته, كما أنه أولى مسائل كتاب التوحيد عناية بالشرح والربط والتدليل, وهذا الأمر مما أغفله كثير من شراح الكتاب, كما أن هذا الشرح تميز بكون مؤلفه اعتنى فيه بالتقسيم والتفريع لمسائل الكتاب مما له أكبر الأثر في ضبط مسائله, كما أن مؤلفه لم يهمل المسائل العصرية والكلام عليها وربطه لقضايا العقيدة بواقع الناس الذي يعشيه, ويظهر كذلك اعتناء المؤلف بمسائل اللغة والنحو خاصة عند تفسيره للآيات التي يسوقها المصنف, وغير ذلك من فوائد يجدها القارئ في أثناء هذا الشرح المبارك. - وفي هذه الصفحة نسخة مصورة من هذا الكتاب من إصدار دار العاصمة.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233627

    التحميل:

  • أحكام تمنى الموت

    رسالة مختصرة في أحكام تمني الموت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264153

    التحميل:

  • حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

    حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح : في هذا الكتاب بين المؤلف - رحمه الله - صفات الجنة ونعيمها وصفات أهلها وساكنيها.

    المدقق/المراجع: زائد بن أحمد النشيري

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265613

    التحميل:

  • رسائل في الأديان والفرق والمذاهب

    رسائل في الأديان والفرق والمذاهب : هذا الكتاب يحتوي على دراسة لبعض الأديان، والفرق، والمذاهب؛ حيث اشتمل على أربع عشرة رسالة، وهي كما يلي: الرسالة الأولى: مقدمة في الفلسفة، الرسالة الثانية: أديان الهند وشرق آسيا، الرسالة الثالثة: اليهودية، الرسالة الرابعة: الصهيونية، الرسالة الخامسة: الماسونية، الرسالة السادسة: النصرانية، الرسالة السابعة: الاستشراق، والاحتلال العسكري، والتنصير، الرسالة الثامنة:النصيرية، الرسالة التاسعة: البابية، الرسالة العاشرة: البهائية. الرسالة الحادية عشرة: القاديانية. الرسالة الثانية عشرة: الوجودية. الرسالة الثالثة عشرة: الشيوعية. الرسالة الرابعة عشرة: العلمانية.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172589

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة