Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأحزاب - الآية 36

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) (الأحزاب) mp3
فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : رَوَى قَتَادَة وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ زَيْنَب بِنْت جَحْش , وَكَانَتْ بِنْت عَمَّته , فَظَنَّتْ أَنَّ الْخِطْبَة لِنَفْسِهِ , فَلَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ يُرِيدهَا لِزَيْدٍ , كَرِهَتْ وَأَبَتْ وَامْتَنَعَتْ , فَنَزَلَتْ الْآيَة . فَأَذْعَنَتْ زَيْنَب حِينَئِذٍ وَتَزَوَّجَتْهُ . فِي رِوَايَة : فَامْتَنَعَتْ وَامْتَنَعَ أَخُوهَا عَبْد اللَّه لِنَسَبِهَا مِنْ قُرَيْش , وَأَنَّ زَيْدًا كَانَ بِالْأَمْسِ عَبْدًا , إِلَى أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ لَهُ أَخُوهَا : مُرْنِي بِمَا شِئْت , فَزَوَّجَهَا مِنْ زَيْد . وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُمّ كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط , وَكَانَتْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَزَوَّجَهَا مِنْ زَيْد بْن حَارِثَة , فَكَرِهَتْ ذَلِكَ هِيَ وَأَخُوهَا وَقَالَا : إِنَّمَا أَرَدْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَوَّجَنَا غَيْرَهُ , فَنَزَلَتْ الْآيَة بِسَبَبِ ذَلِكَ , فَأَجَابَا إِلَى تَزْوِيج زَيْد , قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقَالَ الْحَسَن : لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَة إِذَا أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرٍ أَنْ يَعْصِيَاهُ .

الثَّانِيَة : لَفْظَة " مَا كَانَ , وَمَا يَنْبَغِي " وَنَحْوهمَا , مَعْنَاهَا الْحَظْر وَالْمَنْع . فَتَجِيء لِحَظْرِ الشَّيْء وَالْحُكْم بِأَنَّهُ لَا يَكُون , كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة . وَرُبَّمَا كَانَ اِمْتِنَاع ذَلِكَ الشَّيْء عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرهَا " [ النَّمْل : 60 ] وَرُبَّمَا كَانَ الْعِلْم بِامْتِنَاعِهِ شَرْعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة " [ آل عِمْرَان : 79 ] وَقَوْله تَعَالَى : " وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمهُ اللَّه إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاء حِجَاب " [ الشُّورَى : 51 ] . وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْمَنْدُوبَات , كَمَا تَقُول : مَا كَانَ لَك يَا فُلَان أَنْ تَتْرُك النَّوَافِل , وَنَحْو هَذَا .

الثَّالِثَة : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل بَلْ نَصّ فِي أَنَّ الْكَفَاءَة لَا تُعْتَبَر فِي الْأَحْسَاب وَإِنَّمَا تُعْتَبَر فِي الْأَدْيَان , خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيّ وَالْمُغِيرَة وَسَحْنُون . وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوَالِيَ تَزَوَّجَتْ فِي قُرَيْش , تَزَوَّجَ زَيْد زَيْنَب بِنْت جَحْش . وَتَزَوَّجَ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر . وَزَوَّجَ أَبُو حُذَيْفَة سَالِمًا مِنْ فَاطِمَة بِنْت الْوَلِيد بْن عُتْبَة . وَتَزَوَّجَ بِلَال أُخْت عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْر مَوْضِع .

الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " أَنْ يَكُون لَهُمْ الْخِيَرَة مِنْ أَمْرهمْ " قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ : " أَنْ يَكُون " بِالْيَاءِ . وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد , لِأَنَّهُ قَدْ فَرَّقَ بَيْن الْمُؤَنَّث وَبَيْن فِعْله . الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ , لِأَنَّ اللَّفْظ مُؤَنَّث فَتَأْنِيث فِعْله حَسَن . وَالتَّذْكِير عَلَى أَنَّ الْخِيَرَة بِمَعْنَى التَّخْيِير , فَالْخِيَرَة مَصْدَر بِمَعْنَى الِاخْتِيَار . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " الْخِيْرَة " بِإِسْكَانِ الْيَاء . وَهَذِهِ الْآيَة فِي ضِمْن قَوْله تَعَالَى : " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ " [ الْأَحْزَاب : 6 ] . ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُوله فَقَدْ ضَلَّ . وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيل عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ فُقَهَائِنَا , وَفُقَهَاء أَصْحَاب الْإِمَام الشَّافِعِيّ وَبَعْض الْأُصُولِيِّينَ , مِنْ أَنَّ صِيغَة " أَفْعِلْ " لِلْوُجُوبِ فِي أَصْل وَضْعهَا , لِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَفَى خِيَرَة الْمُكَلَّف عِنْد سَمَاع أَمْره وَأَمْر رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ أَطْلَقَ عَلَى مَنْ بَقِيَتْ لَهُ خِيَرَة عِنْد صُدُور الْأَمْر اِسْم الْمَعْصِيَة , ثُمَّ عَلَّقَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِذَلِكَ الضَّلَالَ , فَلَزِمَ حَمْل الْأَمْر عَلَى الْوُجُوب . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الحزن والاكتئاب على ضوء الكتاب والسنة

    الحزن والاكتئاب على ضوء الكتاب والسنة : يحتوي الكتاب على: • مقدمة الدكتور عبد الرزاق بن محمود الحمد • بين يدي الكتاب • ترجمة المؤلف رحمه الله • مقدمة المؤلف • تعريف الحزن والاكتئاب • أنواع الحزن • مرض الاكتئاب : أولاً: أعراضه - ثانيًا: أسبابه. • ما هو العلاج؟ أولاً: العقيدة - ثانيًا: التقوى والعمل الصالح - ثالثًا: الدعاء والتسبيح والصلاة - رابعًا: تقدير أسوأ الاحتمالات - خامسًا: الواقعية في النظرة إلى الحياة - سادسًا: تقديم حسن الظن - سابعًا: كيف التصرف حيال أذى الناس - ثامنًا: الأمل. • العلاج الطبي للاكتئاب.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205802

    التحميل:

  • فنون التعامل في ظل السيرة النبوية

    فنون التعامل في ظل السيرة النبوية: ذكر الشيخ - حفظه الله - في هذا الكتاب فن التعامل مع الناس في ظل سيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث كان نموذجًا فريدًا في تعامله مع جميع طبقات الناس كبارًا أو صغارًا، رجالاً أو نساءًا، أعراب أو غيرهم، وقد وضع الشيخ ست عشرة قاعدة في كيفية التعامل النبوي مع الناس؛ ليتأسَّى بها المُحبُّون لنبيهم - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323179

    التحميل:

  • أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة

    أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة : ما أحرانا - معاشر المسلمين - أن تكون أحاديثنا ومجالسنا عامرة بالجد والحكمة، حافلة بما يعود علينا بالفائدة والمتعة، بعيدة عما ينافي الآداب والمروءة. وإن مما يعين على ذلك أن تلقى الأضواء على مايدور في مجالسنا وأحاديثنا من أخطاء؛ كي تُتلافى ويُسعى في علاجها، وفي مايلي من صفحات ذكرٌ لبعض تلك الأخطاء؛ تنبيهاً عليها، وحفزاً لمن وقع فيها أن يتخلص منها.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172579

    التحميل:

  • اعتقاد الأئمة الأربعة

    اعتقاد الأئمة الأربعة: في هذه الرسالة بيان اعتقاد الأئمة الأربعة - أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد بن حنبل - رحمهم الله -، وأن عقيدتهم هي ما نطق به الكتاب والسُّنَّة وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وليس بين هؤلاء الأئمة ولله الحمد نزاع في أصول الدين بل هم متفقون على الإيمان بصفات الرب وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لا بد فيه من تصديق القلب واللسان، بل كانوا ينكرون على أهل الكلام من جهمية وغيرهم ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية والمذاهب الكلامية.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334065

    التحميل:

  • كتاب النبوات

    كتاب النبوات : يبحث في طرق إثبات النبوة، والمعجزة، والكرامة، والفرق بينها وبين خوارق العادات، وفق معتقد أهل السنة والجماعة. وفيه ردّ على المخالفين في هذا الباب؛ من أشعرية، ومعتزلة، وفلاسفة، مع ذكر مذاهبهم، وبيان أدلتهم. وقد فصّل شيخ الإسلام - رحمه الله - فيه القول، وأطال النفس: فَعَرَضَ أقوال الأشاعرة بالتفصيل، وردّ عليها. واهتمّ حين عَرْضِه لأقوال الأشاعرة، بأقوال الشخصية الثانية في المذهب الأشعري، ألا وهو القاضي أبو بكر الباقلاني، حيث انتقده في كتابه " البيان "، وردّ على أقواله، وناقشها، ومحّصها، وبيَّن مجانبتها للصواب، وكرَّ على ما بُنيت عليه هذه الأقوال من قواعد فنسفها نسفاً، ووضّح لازمها، والنتيجة التي تفضي إليها، محذّراً بذلك منها ومن اعتقادها. وكتاب " النبوات" لم يقتصر على مباحث النبوات، والفروق بين المعجزة والكرامة، وبين ما يظهر على أيدي السحرة والكهان وأمثالهم من خوارق. بل كما هي عادة شيخ الإسلام - رحمه الله -، كان يردّ على الخصوم، ويُبيِّن المضائق والمزالق التي أودت بهم إليها أقوالهم الباطلة، ويوضّح المآزق التي أوقعتهم بها أصولهم الهابطة النازلة.

    المدقق/المراجع: عبد العزيز بن صالح الطويان

    الناشر: موقع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة www.iu.edu.sa - دار أضواء السلف للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272842

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة