Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة السجدة - الآية 4

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) (السجدة) mp3
عَرَّفَهُمْ كَمَال قُدْرَته لِيَسْمَعُوا الْقُرْآن وَيَتَأَمَّلُوهُ . وَمَعْنَى : " خَلَقَ " أَبْدَعَ وَأَوْجَدَ بَعْد الْعَدَم وَبَعْد أَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا .

" فِي سِتَّة أَيَّام " مِنْ يَوْم الْأَحَد إِلَى آخِر يَوْم الْجُمُعَة . قَالَ الْحَسَن : مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الْيَوْم مِنْ الْأَيَّام السِّتَّة الَّتِي خَلَقَ اللَّه فِيهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض مِقْدَاره أَلْف سَنَة مِنْ سِنِي الدُّنْيَا . وَقَالَ الضَّحَّاك : فِي سِتَّة آلَاف سَنَة ; أَيْ فِي مُدَّة سِتَّة أَيَّام مِنْ أَيَّام الْآخِرَة .

هَذِهِ مَسْأَلَة الِاسْتِوَاء ; وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا كَلَام وَإِجْرَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَال الْعُلَمَاء فِيهَا فِي الْكِتَاب ( الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى وَصِفَاته الْعُلَى ) وَذَكَرْنَا فِيهَا هُنَاكَ أَرْبَعَة عَشَرَ قَوْلًا . وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ تَنْزِيه الْبَارِي سُبْحَانه عَنْ الْجِهَة وَالتَّحَيُّز فَمِنْ ضَرُورَة ذَلِكَ وَلَوَاحِقه اللَّازِمَة عَلَيْهِ عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَادَتهمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَنْزِيهُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ الْجِهَة , فَلَيْسَ بِجِهَةٍ فَوْق عِنْدهمْ ; لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ عِنْدهمْ مَتَى اُخْتُصَّ بِجِهَةٍ أَنْ يَكُون فِي مَكَان أَوْ حَيِّز , وَيَلْزَم عَلَى الْمَكَان وَالْحَيِّز الْحَرَكَة وَالسُّكُون لِلْمُتَحَيِّزِ , وَالتَّغَيُّر وَالْحُدُوث . هَذَا قَوْل الْمُتَكَلِّمِينَ . وَقَدْ كَانَ السَّلَف الْأَوَّل رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَة وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ , بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّة بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ كِتَابه وَأَخْبَرَتْ رُسُله . وَلَمْ يُنْكِر أَحَد مِنْ السَّلَف الصَّالِح أَنَّهُ اِسْتَوَى عَلَى عَرْشه حَقِيقَة . وَخُصَّ الْعَرْش بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَخْلُوقَاته , وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّة الِاسْتِوَاء فَإِنَّهُ لَا تُعْلَم حَقِيقَته . قَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه : الِاسْتِوَاء مَعْلُوم - يَعْنِي فِي اللُّغَة - وَالْكَيْف مَجْهُول , وَالسُّؤَال عَنْ هَذَا بِدْعَة . وَكَذَا قَالَتْ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . وَهَذَا الْقَدْر كَافٍ , وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَة عَلَيْهِ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه مِنْ كُتُب الْعُلَمَاء . وَالِاسْتِوَاء فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الْعُلُوّ وَالِاسْتِقْرَار . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَاسْتَوَى مِنْ اِعْوِجَاج , وَاسْتَوَى عَلَى ظَهْر دَابَّته ; أَيْ اِسْتَقَرَّ . وَاسْتَوَى إِلَى السَّمَاء أَيْ قَصَدَ . وَاسْتَوَى أَيْ اِسْتَوْلَى وَظَهَرَ . قَالَ : قَدْ اِسْتَوَى بِشْر عَلَى الْعِرَاق مِنْ غَيْر سَيْف وَدَم مُهْرَاق وَاسْتَوَى الرَّجُل أَيْ اِنْتَهَى شَبَابه وَاسْتَوَى الشَّيْء إِذَا اِعْتَدَلَ . وَحَكَى أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى " الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اِسْتَوَى " [ طَه : 5 ] قَالَ : عَلَا . وَقَالَ الشَّاعِر فَأَوْرَدْتهمْ مَاء بِفَيْفَاء قَفْرَة وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْم الْيَمَانِي فَاسْتَوَى أَيْ عَلَا وَارْتَفَعَ . قُلْت : فَعُلُوّ اللَّه تَعَالَى وَارْتِفَاعه عِبَارَة عَنْ عُلُوّ مَجْده وَصِفَاته وَمَلَكُوته . أَيْ لَيْسَ فَوْقه فِيمَا يَجِب لَهُ مِنْ مَعَانِي الْجَلَال أَحَد , وَلَا مَعَهُ مَنْ يَكُون الْعُلُوّ مُشْتَرَكًا بَيْنه وَبَيْنه ; لَكِنَّهُ الْعَلِيّ بِالْإِطْلَاقِ سُبْحَانه .

" عَلَى الْعَرْش " لَفْظ مُشْتَرَك يُطْلَق عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِد . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره : الْعَرْش سَرِير الْمُلْك . وَفِي التَّنْزِيل " نَكِّرُوا لَهَا عَرْشهَا " [ النَّمْل : 41 ] , " وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش " [ يُوسُف : 100 ] . وَالْعَرْش : سَقْف الْبَيْت . وَعَرْش الْقَدَم : مَا نَتَأَ فِي ظَهْرهَا وَفِيهِ الْأَصَابِع . وَعَرْش السِّمَاك : أَرْبَعَة كَوَاكِب صِغَار أَسْفَلَ مِنْ الْعَوَّاء , يُقَال : إِنَّهَا عُجُز الْأَسَد . وَعَرْش الْبِئْر : طَيّهَا بِالْخَشَبِ , بَعْد أَنْ يُطْوَى أَسْفَلهَا بِالْحِجَارَةِ قَدْر قَامَة ; فَذَلِكَ الْخَشَب هُوَ الْعَرْش , وَالْجَمْع عُرُوش . وَالْعَرْش اِسْم لِمَكَّة . وَالْعَرْش الْمُلْك وَالسُّلْطَان . يُقَال : ثُلَّ عَرْش فُلَان إِذَا ذَهَبَ مُلْكه وَسُلْطَانه وَعِزّه . قَالَ زُهَيْر : تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَقَدْ ثُلَّ عَرْشهَا وَذُبْيَانَ إِذْ زَلَّتْ بِأَقْدَامِهَا النَّعْلُ وَقَدْ يُؤَوَّل الْعَرْش فِي الْآيَة بِمَعْنَى الْمُلْك , أَيْ مَا اِسْتَوَى الْمُلْك إِلَّا لَهُ جَلَّ وَعَزَّ . وَهُوَ قَوْل حَسَن وَفِيهِ نَظَر , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي جُمْلَة الْأَقْوَال فِي كِتَابنَا . وَالْحَمْد لِلَّهِ .

أَيْ مَا لِلْكَافِرِينَ مِنْ وَلِيّ يَمْنَع مِنْ عَذَابهمْ وَلَا شَفِيع . وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الْمَوْضِع .

فِي قُدْرَته وَمَخْلُوقَاته .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الفروسية المحمدية

    فهذا كتاب الفروسية المحمدية للإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية، ألفه بعد ما وقع له امتحان من بعض علماء عصره بسبب ماكان يفتي به من عدم اشتراط المحلل في السباق والنضال، فأظهر الموافقة للجمهور إخماداً ودرءاً للفتنة. فألف هذا الكتاب وأورد فيه مسألة اشتراط المحلل في السباق، واستوفى أدلة الفريقين، ثم أشار إلى من أنكر عليه هذا القول والإفتاء به، وأن سبب ذلك الركون إلى التقليد، ثم ذكر أحكام الرهن في مسائل كثيرة تتعلق بالرمي والسبق كما سيأتي بيانه. وكل هذا إحقاقاً للحق - فيما يعتقده - وبياناً بعدم رجوعه عن القول بذلك، والله أعلم.

    المدقق/المراجع: زائد بن أحمد النشيري

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265614

    التحميل:

  • شروط الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

    شروط الصلاة في ضوء الكتاب والسنة: مفهوم شروط الصلاة، مع شرح الشروط بأدلتها من الكتاب والسنة.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/53245

    التحميل:

  • ظاهرة التكفير في مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية

    ظاهرة التكفير في مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية: فهذا الكتاب يعطي صورة عن منهج التكفير الذي بلغ درجة الهوس عند طائفة الشيعة حتى حكموا بكفر من يفضل الأنبياء على علي بن أبي طالب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346797

    التحميل:

  • إثبات أن «المحسن» من أسماء الله الحسنى

    إثبات أن «المحسن» من أسماء الله الحسنى: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه فوائد متنوعة، ولطائف متفرقة، جمعتُ شتاتَها من أماكن عديدة حول إثبات أن المُحسِن اسمٌ من أسماء الله الحسنى، وذكر الأدلة على ذلك من السنة بنقل الأحاديث الدالة على ذلك، وحكم أهل العلم عليها، وبيان جواز التعبيد لله به كغيره من أسماء الله الحسنى؛ لثبوته اسمًا لله، ونقل أقوال أهل العلم ممن صرَّح بذلك، وذكر عدد ممن سُمِّي بـ (عبد المحسن) إلى نهاية القرن التاسع، مع فوائد أخرى».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348307

    التحميل:

  • النافلة في الأحاديث الموضوعة والباطلة

    النافلة في الأحاديث الموضوعة والباطلة: قال المؤلف: «هو عبارة عن أحاديث مختلفات في معناها ومرامها، كنت أُسأل عنها، فأضطر إلى تحقيق القول فيها، فإن كان صحيحًا أو ضعيفًا احتفظت به في (مضبطة) عندي. ثم راودتني نفسي أن أجمع الضعيف وحده. فصرت كلما حققت حديثًا ألحقته بما سبق لي تحقيقه، وجعلت ألحق ما أجده من زيادات مناسبة، فأضعها في موضعها حتى تجمع لديَّ - وقتها - أكثر من خمسمائة حديث، كنت أتوخى أن لا يكون قد سبقني إليها شيخنا، حافظ الوقت ناصر الدين الألباني في كتابه (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2096

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة