Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة السجدة - الآية 13

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) (السجدة) mp3
قَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : لَمَّا قَالُوا : " رَبّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَل صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ " رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : " وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلّ نَفْس هُدَاهَا " يَقُول : لَوْ شِئْت لَهَدَيْت النَّاس جَمِيعًا فَلَمْ يَخْتَلِف مِنْهُمْ أَحَد " وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْل مِنِّي " الْآيَة ; ذَكَرَهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي { رَقَائِقه } فِي حَدِيث طَوِيل . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي { التَّذْكِرَة } . النَّحَّاس : " وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلّ نَفْس هُدَاهَا " فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا . وَالْآخَر : أَنَّ سِيَاق الْكَلَام يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ فِي الْآخِرَة ; أَيْ لَوْ شِئْنَا لَرَدَدْنَاهُمْ إِلَى الدُّنْيَا وَالْمِحْنَة كَمَا سَأَلُوا " وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْل مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " أَيْ حَقَّ الْقَوْل مِنِّي لَأُعَذِّبَنَّ مَنْ عَصَانِي بِنَارِ جَهَنَّم . وَعَلِمَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُمْ لَعَادُوا ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ " [ الْأَنْعَام : 28 ] . وَهَذِهِ الْهِدَايَة مَعْنَاهَا خَلْق الْمَعْرِفَة فِي الْقَلْب . وَتَأْوِيل الْمُعْتَزِلَة : وَلَوْ شِئْنَا لَأَكْرَهْنَاهُمْ عَلَى الْهِدَايَة بِإِظْهَارِ الْآيَات الْهَائِلَة , لَكِنْ لَا يَحْسُن مِنْهُ فِعْله ; لِأَنَّهُ يَنْقُض الْغَرَض الْمُجْرَى بِالتَّكْلِيفِ إِلَيْهِ وَهُوَ الثَّوَاب الَّذِي لَا يُسْتَحَقّ إِلَّا بِمَا يَفْعَلهُ الْمُكَلَّف بِاخْتِيَارِهِ . وَقَالَتْ الْإِمَامِيَّة فِي تَأْوِيلهَا : إِنَّهُ يَجُوز أَنْ يُرِيد هُدَاهَا إِلَى طَرِيق الْجَنَّة فِي الْآخِرَة وَلَمْ يُعَاقِب أَحَدًا , لَكِنْ حَقَّ الْقَوْل مِنْهُ أَنَّهُ يَمْلَأ جَهَنَّم , فَلَا يَجِب عَلَى اللَّه تَعَالَى عِنْدنَا هِدَايَة الْكُلّ إِلَيْهَا ; قَالُوا : بَلْ الْوَاجِب هِدَايَة الْمَعْصُومِينَ , فَأَمَّا مَنْ لَهُ ذَنْب فَجَائِز هِدَايَته إِلَى النَّار جَزَاء عَلَى أَفْعَاله . وَفِي جَوَاز ذَلِكَ مَنْع ; لِقَطْعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد هُدَاهَا إِلَى الْإِيمَان . وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاء عَلَيْهِمْ فِي هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ بِمَا فِيهِ كِفَايَة فِي أُصُول الدِّين . وَأَقْرَبُ مَا لَهُمْ فِي الْجَوَاب أَنْ يُقَال : فَقَدْ بَطَلَ عِنْدنَا وَعِنْدكُمْ أَنْ يَهْدِيَهُمْ اللَّه سُبْحَانه عَلَى طَرِيق الْإِلْجَاء وَالْإِجْبَار وَالْإِكْرَاه , فَصَارَ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى مَذْهَب الْجَبْرِيَّة , وَهُوَ مَذْهَب رَذْل عِنْدنَا وَعِنْدكُمْ , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّ الْمُهْتَدِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا هَدَاهُمْ اللَّه تَعَالَى إِلَى الْإِيمَان وَالطَّاعَة عَلَى طَرِيق الِاخْتِيَار حَتَّى يَصِحّ التَّكْلِيف فَمَنْ شَاءَ آمَنَ وَأَطَاعَ اِخْتِيَارًا لَا جَبْرًا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم " [ التَّكْوِير : 28 ] , وَقَالَ : " فَمَنْ شَاءَ اِتَّخَذَ إِلَى رَبّه سَبِيلًا " . ثُمَّ عَقَّبَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه " [ التَّكْوِير : 29 ] . فَوَقَعَ إِيمَان الْمُؤْمِنِينَ بِمَشِيئَتِهِمْ , وَنَفَى أَنْ يَشَاءُوا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه ; وَلِهَذَا فَرَّطَتْ الْمُجَبِّرَة لَمَّا رَأَوْا أَنَّ هِدَايَتهمْ إِلَى الْإِيمَان مُعَلَّق بِمَشِيئَةِ اللَّه تَعَالَى , فَقَالُوا : الْخَلْق مَجْبُورُونَ فِي طَاعَتهمْ كُلّهَا , اِلْتِفَاتًا إِلَى قَوْله : " وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه " [ التَّكْوِير : 29 ] . وَفَرَّطَتْ الْقَدَرِيَّة لَمَّا رَأَوْا أَنَّ هِدَايَتهمْ إِلَى الْإِيمَان مُعَلَّق بِمَشِيئَةِ الْعِبَاد , فَقَالُوا : الْخَلْق خَالِقُونَ لِأَفْعَالِهِمْ , اِلْتِفَاتًا مِنْهُمْ إِلَى قَوْله تَعَالَى : " لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم " [ التَّكْوِير : 28 ] . وَمَذْهَبنَا هُوَ الِاقْتِصَاد فِي الِاعْتِقَاد ; وَهُوَ مَذْهَب بَيْن مَذْهَبَيْ الْمُجَبِّرَة وَالْقَدَرِيَّة ; وَخَيْر الْأُمُور أَوْسَاطهَا . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْحَقّ قَالُوا : نَحْنُ نُفَرِّق بَيْن مَا اُضْطُرِرْنَا إِلَيْهِ وَبَيْن مَا اخْتَرْنَاهُ , وَهُوَ أَنَّا نُدْرِك تَفْرِقَة بَيْن حَرَكَة الِارْتِعَاش الْوَاقِعَة فِي يَد الْإِنْسَان بِغَيْرِ مُحَاوَلَته وَإِرَادَته وَلَا مَقْرُونَة بِقُدْرَتِهِ , وَبَيْن حَرَكَة الِاخْتِيَار إِذَا حَرَّكَ يَده حَرَكَة مُمَاثِلَة لِحَرَكَةِ الِارْتِعَاش ; وَمَنْ لَا يُفَرِّق بَيْن الْحَرَكَتَيْنِ : حَرَكَة الِارْتِعَاش وَحَرَكَة الِاخْتِيَار , وَهُمَا مَوْجُودَتَانِ فِي ذَاته وَمَحْسُوسَتَانِ فِي يَده بِمُشَاهَدَتِهِ وَإِدْرَاك حَاسَّته - فَهُوَ مَعْتُوه فِي عَقْله وَمُخْتَلّ فِي حِسّه , وَخَارِج مِنْ حِزْب الْعُقَلَاء . وَهَذَا هُوَ الْحَقّ الْمُبِين , وَهُوَ طَرِيق بَيْن طَرِيقَيْ الْإِفْرَاط وَالتَّفْرِيط . و : كِلَا طَرَفَيْ قَصْد الْأُمُور ذَمِيمُ و وَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَمْرِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَار اِخْتَارَ أَهْل النَّظَر مِنْ الْعُلَمَاء أَنْ سَمَّوْا هَذِهِ الْمَنْزِلَة بَيْن الْمَنْزِلَتَيْنِ كَسْبًا , وَأَخَذُوا هَذِهِ التَّسْمِيَة مِنْ كِتَاب اللَّه الْعَزِيز , وَهُوَ قَوْله سُبْحَانه : " لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اِكْتَسَبَتْ " [ الْبَقَرَة : 286 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • بيان التوحيد الذي بعث الله به الرسل جميعًا وبعث به خاتمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم

    بيان التوحيد الذي بعث الله به الرسل جميعًا وبعث به خاتمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم: الرسالة تحتوي على ثلاث مسائل: الأولى: حقيقة التوحيد والشرك. الثانية: توحيد المرسلين، وما يضاده من الكفر والشرك. الثالثة: توضيح معنى الشرك بالله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2131

    التحميل:

  • صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة المسافر بيّنت فيها: مفهوم السفر والمسافر، وأنواع السفر، وآدابه، والأصل في قصر الصلاة في السفر، وأنه أفضل من الإتمام، ومسافة قصر الصلاة في السفر، وأن المسافر يقصر إذا خرج عن جميع عامر بيوت قريته، ومدى إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة، وقصر الصلاة في منى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج، وجواز التطوع على المركوب في السفر، وأن السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر، وحكم صلاة المقيم خلف المسافر، والمسافر خلف المقيم، وحكم نية القصر والجمع والموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ورخص السفر، وأحكام الجمع، وأنواعه، ودرجاته، سواء كان ذلك في السفر أو الحضر .. ».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1925

    التحميل:

  • لا إله إلا الله

    لا إله إلا الله : في هذه الرسالة بيان معنى لا إله إلا الله، أركانها، فضائلها، هل يكفي مجرد النطق بها ؟ شروطها.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172693

    التحميل:

  • حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام

    يقول ول ديوارانت: «لقد كان أهل الذمة المسيحيون والزردشتيون واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيراً لها في البلاد المسيحية في هذه الأيام؛ فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لعلمائهم وقضاتهم وقوانينهم». فهذه المعاملة الحسنة التي أبداها المسلمون لمخالفي دينهم ليست طارئة أو غريبة، بل هي منطلقة من أسس دين الإسلام نفسه الذي يقوم على أساسين راسخين في هذا هما: الأساس الأول: حفظ كرامة الإنسان لكونه إنساناً، والأساس الآخر: كفالة حرية الاعتقاد. ولكننا اليوم نسمع أصواتاً متعالية تتهم الإسلام وأهله بانتهاك حقوق الإنسان خاصة مع غير المسلمين؛ دون أدلة ولا براهين. لذلك جاء هذا الكتاب (حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام) كي يعرف غير المسلمين حقوقهم؛ فيدركوا ما ينبغي لهم، ولا يتجاوزوه إلى ما ليس لهم، فيطالبوا به دون وجه حق، ولكي يعرف المسلمون حقوقهم غيرهم؛ فلا يظلموهم ببخسهم إياها كلها أو بعضها.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/351217

    التحميل:

  • الرزق أبوابه ومفاتحه

    الرزق أبوابه ومفاتحه: فإن الله - عز وجل - قسَّم الأرزاق بعلمه، فأعطى من شاء بحكمته، ومنع من شاء بعدله، وجعل بعض الناس لبعضٍ سخريًّا. ولأن المال أمره عظيم، والسؤال عنه شديد؛ جاءت هذه الرسالة مُبيِّنة أبواب الرزق ومفاتحه، وأهمية اكتساب الرزق الحلال وتجنُّب المال الحرام، والصبر على ضيق الرزق، وغير ذلك من الموضوعات النافعة في هذه الرسالة.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229614

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة