Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة السجدة - الآية 11

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) (السجدة) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَك الْمَوْت لَمَّا ذَكَرَ اِسْتِبْعَادهمْ لِلْبَعْثِ ذَكَرَ تَوَفِّيَهُمْ وَأَنَّهُ يُعِيدهُمْ . " يَتَوَفَّاكُمْ " مِنْ تَوَفَّى الْعَدَد وَالشَّيْء إِذَا اِسْتَوْفَاهُ وَقَبَضَهُ جَمِيعًا . يُقَال : تَوَفَّاهُ اللَّه أَيْ اِسْتَوْفَى رُوحه ثُمَّ قَبَضَهُ . وَتَوَفَّيْت مَالِي مِنْ فُلَان أَيْ اِسْتَوْفَيْته . " مَلَك الْمَوْت " وَاسْمه عِزْرَائِيل وَمَعْنَاهُ عَبْد اللَّه ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . وَتَصَرُّفه كُلّه بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى وَبِخَلْقِهِ وَاخْتِرَاعه . وَرُوِيَ فِي الْحَدِيث أَنَّ ( الْبَهَائِم كُلّهَا يَتَوَفَّى اللَّه أَرْوَاحهَا دُون مَلَك الْمَوْت ) كَأَنَّهُ يُعْدِم حَيَاتهَا ; ذَكَرَهُ اِبْن عَطِيَّة .

قُلْت : وَقَدْ رُوِيَ خِلَافه , وَأَنَّ مَلَك الْمَوْت يَتَوَفَّى أَرْوَاح جَمِيع الْخَلَائِق حَتَّى الْبُرْغُوث وَالْبَعُوضَة . رَوَى جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ قَالَ : نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَلَك الْمَوْت عِنْد رَأْس رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُرْفُقْ بِصَاحِبِي فَإِنَّهُ مُؤْمِن ) فَقَالَ مَلَك الْمَوْت عَلَيْهِ السَّلَام : ( يَا مُحَمَّد , طِبْ نَفْسًا وَقَرَّ عَيْنًا فَإِنِّي بِكُلِّ مُؤْمِن رَفِيق . وَاعْلَمْ أَنَّ مَا مِنْ أَهْل بَيْت مَدَر وَلَا شَعْر فِي بَرّ وَلَا بَحْر إِلَّا وَأَنَا أَتَصَفَّحُهُمْ فِي كُلّ يَوْم خَمْس مَرَّات حَتَّى لَأَنَا أَعْرَف بِصَغِيرِهِمْ وَكَبِيرهمْ مِنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ . وَاَللَّه يَا مُحَمَّد لَوْ أَنِّي أَرَدْت أَنْ أَقْبِض رُوح بَعُوضَة مَا قَدَرْت عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُون اللَّه هُوَ الْآمِر بِقَبْضِهَا ) . قَالَ جَعْفَر بْن عَلِيّ : بَلَغَنِي أَنَّهُ يَتَصَفَّحُهُمْ عِنْد مَوَاقِيت الصَّلَوَات ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَذَكَرَ الْخَطِيب أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن ثَابِت الْبَغْدَادِيّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن مُحَمَّد الْخَلَّال قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان الصَّفَّار قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر حَامِد الْمِصْرِيّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَيُّوب الْعَلَّاف قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن مُهَيْر الْكِلَابِيّ قَالَ : حَضَرْت مَالِك بْن أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَأَتَاهُ رَجُل فَسَأَلَهُ : أَبَا عَبْد اللَّه , الْبَرَاغِيث أَمَلَك الْمَوْت يَقْبِض أَرْوَاحهَا ؟ قَالَ : فَأَطْرَقَ مَالِك طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ : أَلَهَا أَنْفُس ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ : مَلَك الْمَوْت يَقْبِض أَرْوَاحهَا ; " اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِين مَوْتهَا " [ الزُّمَر : 42 ] . قَالَ اِبْن عَطِيَّة بَعْد ذِكْره الْحَدِيث وَكَذَلِكَ الْأَمْر فِي بَنِي آدَم , إِلَّا أَنَّهُ نَوْع شَرَف بِتَصَرُّفِ مَلَك وَمَلَائِكَة مَعَهُ فِي قَبْض أَرْوَاحهمْ . فَخَلَقَ اللَّه تَعَالَى مَلَك الْمَوْت وَخَلَقَ عَلَى يَدَيْهِ قَبْض الْأَرْوَاح , وَاسْتِلَالهَا مِنْ الْأَجْسَام وَإِخْرَاجهَا مِنْهَا . وَخَلَقَ اللَّه تَعَالَى جُنْدًا يَكُونُونَ مَعَهُ يَعْمَلُونَ عَمَله بِأَمْرِهِ ; فَقَالَ تَعَالَى : " وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَة " , [ الْأَنْفَال : 50 ] وَقَالَ تَعَالَى : " تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا " [ الْأَنْعَام : 61 ] وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْأَنْعَام " . وَالْبَارِئ خَالِق الْكُلّ , الْفَاعِل حَقِيقَة لِكُلِّ فِعْل ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِين مَوْتهَا وَاَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامهَا " [ الزُّمَر : 42 ] . " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاة " [ الْمُلْك : 2 ] . " يُحْيِي وَيُمِيت " [ الْأَعْرَاف : 158 ] . فَمَلَك الْمَوْت يَقْبِض وَالْأَعْوَان يُعَالِجُونَ وَاَللَّه تَعَالَى يُزْهِق الرُّوح . وَهَذَا هُوَ الْجَمْع بَيْن الْآي وَالْأَحَادِيث ; لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَلَك الْمَوْت مُتَوَلِّيَ ذَلِكَ بِالْوَسَاطَةِ وَالْمُبَاشَرَة أُضِيفَ التَّوَفِّي إِلَيْهِ كَمَا أُضِيفَ الْخَلْق لِلْمَلَكِ ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْحَجّ " . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّ الدُّنْيَا بَيْن يَدَيْ مَلَك الْمَوْت كَالطَّسْتِ بَيْن يَدَيْ الْإِنْسَان يَأْخُذ مِنْ حَيْثُ شَاءَ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي { كِتَاب التَّذْكِرَة } . وَرُوِيَ أَنَّ مَلَك الْمَوْت لَمَّا وَكَّلَهُ اللَّه تَعَالَى بِقَبْضِ الْأَرْوَاح قَالَ : رَبّ جَعَلْتنِي أُذْكَر بِسُوءٍ وَيَشْتُمنِي بَنُو آدَم . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : ( إِنِّي أَجْعَلُ لِلْمَوْتِ عِلَلًا وَأَسْبَابًا مِنْ الْأَمْرَاض وَالْأَسْقَام يَنْسُبُونَ الْمَوْت إِلَيْهَا فَلَا يَذْكُرك أَحَد إِلَّا بِخَيْرٍ ) . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّذْكِرَة مُسْتَوْفًى - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَدْعُو الْأَرْوَاح فَتَجِيئهُ وَيَقْبِضهَا , ثُمَّ يُسَلِّمهَا إِلَى مَلَائِكَة الرَّحْمَة أَوْ الْعَذَاب - بِمَا فِيهِ شِفَاء لِمَنْ أَرَادَ الْوُقُوف عَلَى ذَلِكَ .

الثَّانِيَة اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز الْوَكَالَة مِنْ قَوْله : " وُكِّلَ بِكُمْ " أَيْ بِقَبْضِ الْأَرْوَاح . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : " وَهَذَا أُخِذَ مِنْ لَفْظه لَا مِنْ مَعْنَاهُ , وَلَوْ اِطَّرَدَ ذَلِكَ لَقُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى : " قُلْ يَا أَيّهَا النَّاس إِنِّي رَسُول اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعًا " [ الْأَعْرَاف : 158 ] : إِنَّهَا نِيَابَة عَنْ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَوَكَالَة فِي تَبْلِيغ رِسَالَته , وَلَقُلْنَا أَيْضًا فِي قَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " وَآتُوا الزَّكَاة " [ النُّور : 56 ] إِنَّهُ وَكَالَة ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى ضَمِنَ الرِّزْق لِكُلِّ دَابَّة وَخَصَّ الْأَغْنِيَاء بِالْأَغْذِيَةِ وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ بِأَنَّ رِزْق الْفُقَرَاء عِنْدهمْ , وَأَمَرَ بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِمْ مِقْدَارًا مَعْلُومًا فِي وَقْت مَعْلُوم , دَبَّرَهُ بِعِلْمِهِ , وَأَنْفَذَهُ مِنْ حُكْمه , وَقَدَّرَهُ بِحِكْمَتِهِ . وَالْأَحْكَام لَا تَتَعَلَّق بِالْأَلْفَاظِ إِلَّا أَنْ تَرِدَ عَلَى مَوْضُوعَاتهَا الْأَصْلِيَّة فِي مَقَاصِدهَا الْمَطْلُوبَة , فَإِنْ ظَهَرَتْ فِي غَيْر مَقْصِدهَا لَمْ تُعَلَّق عَلَيْهَا . أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْع وَالشِّرَاء مَعْلُوم اللَّفْظ وَالْمَعْنَى , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة " [ التَّوْبَة : 111 ] وَلَا يُقَال : هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز مُبَايَعَة السَّيِّد لِعَبْدِهِ ; لِأَنَّ الْمَقْصِدَيْنِ مُخْتَلِفَانِ . أَمَّا إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ الْمَعَانِي فَيُقَال : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَنِيب مَنْ يَأْخُذ الْحَقّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ قَسْرًا دُون أَنْ يَكُون لَهُ فِي ذَلِكَ فِعْل , أَوْ يَرْتَبِط بِهِ رِضًا إِذَا وُجِدَ ذَلِكَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الفتنة .. معناها والحكمة منها في ضوء الكتاب والسنة

    الفتنة: كتابٌ ألَّفه الشيخ - حفظه الله - في وضع أسس وقواعد في كيفية التعامل مع الفتن، وقد اشتمل البحث على مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة: المقدمة فيها مبحثان: الأول: تفاؤل رغم قسوة المحن. الثاني: مدخل مهم في التعامل الأمثل مع الفتن والأزمات. وأما الفصول فهي: الأول: الفتن .. معناها - وأنواعها. الثاني: ذُكِر فيه طائفة من الأخبار الواردة فيما هو كائن من الفتن. الثالث: فوائد وحكم من وقوع الفتنة، وبعض النصوص الواردة فيها. وأما الخاتمة، فقد ذكر فيها التوصيات وأهم نتائج البحث.

    الناشر: موقع رابطة العالم الإسلامي http://www.themwl.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322892

    التحميل:

  • مسائل أبي عمر السدحان للإمام عبد العزيز بن باز

    قال فضيلة الشيخ صالح الفوزان - جزاه الله خيراً - « فإنّ مما يجرى أجره على الإنسان بعد موته علمًا يُنتفَع به، وإنّ شيخَنا الجليل الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله - قد ورّث علمًا نافعًا - إن شاء الله -، من جملته هذه الفتاوى التي رواها عنه تلميذُه الشيخ الدكتور: عبد العزيز السدحان في مواضيع مختلفة. وقد قرأتُها واستفدتُ منها، وأرجو أن يستفيد منها كلّ من اطلّع عليها، وأن يجري أجرها على شيخنا الشيخ عبدالعزيز وعلى راويها الشيخ: عبدالعزيز السدحان، وصلى الله وسلم على نبينِّا محمد وآله وصحبه ». - وفي هذه الصفحة جزآن من هذه المسائل العلمية النافعة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233551

    التحميل:

  • المختصر الميسر لأركان الإسلام والإيمان

    في هذا الكتاب شرح ميسر مختصر لأركان الإسلام والإيمان.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/372696

    التحميل:

  • أصول الدين الإسلامي مع قواعده الأربع ويليها عقيدة السلف الصالح

    أصول الدين الإسلامي : هذا الكتيب عبارة عن ترتيب لرسالة ثلاثة الأصول وأدلتها التي صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي مرتبة على هيئة السؤال والجواب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144966

    التحميل:

  • نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

    هذا الكتاب يحتوي على بيان كيفية نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116943

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة