Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة لقمان - الآية 19

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) (لقمان) mp3
لَمَّا نَهَاهُ عَنْ الْخُلُق الذَّمِيم رَسَمَ لَهُ الْخُلُق الْكَرِيم الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلهُ فَقَالَ : " وَاقْصِدْ فِي مَشْيك " أَيْ تَوَسَّطْ فِيهِ . وَالْقَصْد : مَا بَيْن الْإِسْرَاع وَالْبُطْء ; أَيْ لَا تَدِبّ دَبِيب الْمُتَمَاوِتِينَ وَلَا تَثِب وَثْب الشُّطَّار ; وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سُرْعَة الْمَشْي تُذْهِب بَهَاء الْمُؤْمِن ) . فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ , وَقَوْل عَائِشَة فِي عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : كَانَ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ - فَإِنَّمَا أَرَادَتْ السُّرْعَة الْمُرْتَفِعَة عَنْ دَبِيب الْمُتَمَاوِت ; وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَقَدْ مَدَحَ اللَّه سُبْحَانه مَنْ هَذِهِ صِفَته حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْفُرْقَان " .


أَيْ اُنْقُصْ مِنْهُ ; أَيْ لَا تَتَكَلَّف رَفْع الصَّوْت وَخُذْ مِنْهُ مَا تَحْتَاج إِلَيْهِ ; فَإِنَّ الْجَهْر بِأَكْثَرَ مِنْ الْحَاجَة تَكَلُّف يُؤْذِي . وَالْمُرَاد بِذَلِكَ كُلّه التَّوَاضُع ; وَقَدْ قَالَ عُمَر لِمُؤَذِّنٍ تَكَلَّفَ رَفْع الْأَذَان بِأَكْثَرَ مِنْ طَاقَته : لَقَدْ خَشِيت أَنْ يَنْشَقّ مُرَيْطَاؤُك ! وَالْمُؤَذِّن هُوَ أَبُو مَحْذُورَة سَمُرَة بْن مِعْيَر . وَالْمُرَيْطَاء : مَا بَيْن السُّرَّة إِلَى الْعَانَة .



أَيْ أَقْبَحهَا وَأَوْحَشهَا ; وَمِنْهُ أَتَانَا بِوَجْهٍ مُنْكَر . وَالْحِمَار مَثَل فِي الذَّمّ الْبَلِيغ وَالشَّتِيمَة , وَكَذَلِكَ نُهَاقُه ; وَمِنْ اِسْتِفْحَاشهمْ لِذِكْرِهِ مُجَرَّدًا أَنَّهُمْ يَكْنُونَ عَنْهُ وَيَرْغَبُونَ عَنْ التَّصْرِيح فَيَقُولُونَ : الطَّوِيل الْأُذُنَيْنِ ; كَمَا يُكْنَى عَنْ الْأَشْيَاء الْمُسْتَقْذَرَة . وَقَدْ عُدَّ فِي مَسَاوِئ الْآدَاب أَنْ يَجْرِيَ ذِكْر الْحِمَار فِي مَجْلِس قَوْم مِنْ أُولِي الْمُرُوءَة . وَمِنْ الْعَرَب مَنْ لَا يَرْكَب الْحِمَار اِسْتِنْكَافًا وَإِنْ بَلَغَتْ مِنْهُ الرُّجْلَة . وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَرْكَبهُ تَوَاضُعًا وَتَذَلُّلًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .

فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى تَعْرِيف قُبْح رَفْع الصَّوْت فِي الْمُخَاطَبَة وَالْمُلَاحَاة بِقُبْحِ أَصْوَات الْحَمِير ; لِأَنَّهَا عَالِيَة . وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيق الْحَمِير فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا ) . وَقَدْ رُوِيَ : أَنَّهُ مَا صَاحَ حِمَار وَلَا نَبَحَ كَلْب إِلَّا أَنْ يَرَى شَيْطَانًا . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : صِيَاح كُلّ شَيْء تَسْبِيح إِلَّا نَهِيق الْحَمِير . وَقَالَ عَطَاء : نَهِيق الْحَمِير دُعَاء عَلَى الظَّلَمَة .

وَهَذِهِ الْآيَة أَدَب مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ الصِّيَاح فِي وُجُوه النَّاس تَهَاوُنًا بِهِمْ , أَوْ بِتَرْكِ الصِّيَاح جُمْلَة ; وَكَانَتْ الْعَرَب تَفْخَر بِجَهَارَةِ الصَّوْت الْجَهِير وَغَيْر ذَلِكَ , فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَشَدَّ صَوْتًا كَانَ أَعَزَّ , وَمَنْ كَانَ أَخْفَضَ كَانَ أَذَلَّ , حَتَّى قَالَ شَاعِرهمْ : جَهِير الْكَلَام جَهِير الْعُطَاس جَهِير الرُّوَاء جَهِير النَّعَم وَيَعْدُو عَلَى الْأَيْن عَدْوَى الظَّلِيم وَيَعْلُو الرِّجَال بِخَلْقٍ عَمَم فَنَهَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْخُلُق الْجَاهِلِيَّة بِقَوْلِهِ : " إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَات لَصَوْت الْحَمِير " أَيْ لَوْ أَنَّ شَيْئًا يُهَاب لِصَوْتِهِ لَكَانَ الْحِمَار ; فَجَعَلَهُمْ فِي الْمِثْل سَوَاء .

" لَصَوْت الْحَمِير " اللَّام لِلتَّأْكِيدِ , وَوَحَّدَ الصَّوْت وَإِنْ كَانَ مُضَافًا إِلَى الْجَمَاعَة لِأَنَّهُ مَصْدَر وَالْمَصْدَر يَدُلّ عَلَى الْكَثْرَة , وَهُوَ مَصْدَرُ صَاتَ يَصُوت صَوْتًا فَهُوَ صَائِت . وَيُقَال : صَوَّتَ تَصْوِيتًا فَهُوَ مُصَوِّت . وَرَجُل صَاتٌ أَيْ شَدِيد الصَّوْت بِمَعْنَى صَائِت ; كَقَوْلِهِمْ : رَجُل مَال وَنَالٌ ; أَيْ كَثِير الْمَال وَالنَّوَال .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المستفاد على لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    هذه فوائد مستفادة من كتب أئمة السلف وأتباعهم بإحسان جمعها المؤلف حين تدريسه رسالة لمعة الاعتقاد لبعض الطلبة. وتتناول اللمعة معظم موضوعات الاعتقاد بإيجاز، وقد فصل الشارح ما أجمله الماتن، وقيد مطلقه، وأوضح ما قد يكون غامضاً، وجعل الشرح بحاشية الرسالة.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313421

    التحميل:

  • أثر العبادات في حياة المسلم

    أثر العبادات في حياة المسلم: العبادةُ اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وهذا هو أحسن ما قيل في تعريف العبادة، وللعبادة أهميةٌ عُظمى؛ وذلك أنَّ الله عز وجل خلق الخَلقَ وأرسل الرسلَ وأنزلَ الكتبَ للأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره، وفي هذه الرسالة تعريف العبادة، وأنواعها، وشروط قبولها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/54658

    التحميل:

  • مختصر تفسير سورة الأنفال

    رسالة مختصرة تحتوي على خلاصة تفسير سورة الأنفال.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264185

    التحميل:

  • الموافقات

    الموافقات للشاطبي : موضوع الكتاب وأبوابه: هو بيان مقاصد الكتاب والسنة، والحكم والمصالح الكلية الكامنة تحت آحاد الأدلة ومفردات التشريع، والتعريف بأسرار التكاليف في هذه الشريعة الحنيفية. وقد حصر المصنف أبواب كتابه في خمسة أقسام: 1-المقدمات العلمية المحتاج إليها. 2-الأحكام. 3-مقاصد الشريعة. 4-الأدلة. 5-الاجتهاد. - والكتاب نسخة مصورة pdf تم تنزيلها من موقع المحقق الشيخ مشهور حسن سلمان - أثابه الله -. - قدم له: الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: مشهور حسن سلمان

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/280397

    التحميل:

  • سهم إبليس وقوسه

    سهم إبليس وقوسه: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى نعمة البصر، وهي وإن كانت نعمة في ذاتها فإنها ربما أوردت صاحبها المهالك إذا أطلقها في غير ما أحل الله. ولتوسع الناس في أمر النظر المحرم وكثرته، أقدم للأحبة القراء الجزء الثالث عشر من سلسلة: «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «سهم إبليس وقوسه» فيه أطايب الكلام من قول الله - جل وعلا - وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وذكر حال السلف في مجاهدة أنفسهم وحفظ أبصارهم».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229610

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة