Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة لقمان - الآية 18

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) (لقمان) mp3
قَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَابْن مُحَيْصِن : " تُصَاعِر " بِالْأَلِفِ بَعْد الصَّاد . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَعَاصِم وَابْن عَامِر وَالْحَسَن وَمُجَاهِد : " تُصَعِّر " وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيّ : " تُصْعِر " بِسُكُونِ الصَّاد ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَالصَّعَر : الْمَيَل ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْرَابِيّ : وَقَدْ أَقَامَ الدَّهْر صَعَرِي , بَعْد أَنْ أَقَمْت صَعَره . وَمِنْهُ قَوْل عَمْرو بْن حُنَيّ التَّغْلِبِيّ : وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّار صَعَّرَ خَدَّهُ أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْله فَتَقَوَّمَ وَأَنْشَدَهُ الطَّبَرِيّ : " فَتَقَوَّمَا " . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهُوَ خَطَأ ; لِأَنَّ قَافِيَة الشِّعْر مَخْفُوضَة . وَفِي بَيْت آخَر : أَقَمْنَا لَهُ مِنْ خَدّه الْمُتَصَعِّر قَالَ الْهَرَوِيّ : " لَا تُصَاعِر " أَيْ لَا تُعْرِض عَنْهُمْ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ ; يُقَال : أَصَابَ الْبَعِير صَعَر وَصَيَد إِذْ أَصَابَهُ دَاء يَلْوِي مِنْهُ عُنُقه . ثُمَّ يُقَال لِلْمُتَكَبِّرِ : فِيهِ صَعَر وَصَيَد ; فَمَعْنَى : " لَا تُصَعِّر " أَيْ لَا تُلْزِم خَدّك الصَّعَر . وَفِي الْحَدِيث : ( يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا أَصْعَر أَوْ أَبْتَر ) وَالْأَصْعَر : الْمُعْرِض بِوَجْهِهِ كِبْرًا ; وَأَرَادَ رُذَالَة النَّاس الَّذِينَ لَا دِين لَهُمْ . وَفِي الْحَدِيث : ( كُلّ صَعَّار مَلْعُون ) أَيْ كُلّ ذِي أُبَّهَة وَكِبْر .

مَعْنَى الْآيَة : وَلَا تُمِلْ خَدَّك لِلنَّاسِ كِبْرًا عَلَيْهِمْ وَإِعْجَابًا وَاحْتِقَارًا لَهُمْ . وَهَذَا تَأْوِيل اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة . وَقِيلَ : هُوَ أَنْ تَلْوِيَ شِدْقك إِذَا ذُكِرَ الرَّجُل عِنْدك كَأَنَّك تَحْتَقِرهُ ; فَالْمَعْنَى : أَقْبِلْ عَلَيْهِمْ مُتَوَاضِعًا مُؤْنِسًا مُسْتَأْنِسًا , وَإِذَا حَدَّثَك أَصْغَرُهُمْ فَأَصْغِ إِلَيْهِ حَتَّى يُكْمِل حَدِيثه . وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَل .

قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا , وَلَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُر أَخَاهُ فَوْق ثَلَاث ) . فَالتَّدَابُر الْإِعْرَاض وَتَرْك الْكَلَام وَالسَّلَام وَنَحْوه . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ تَدَابُر لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضْته أَعْرَضْت عَنْهُ وَوَلَّيْته دُبُرك ; وَكَذَلِكَ يَصْنَع هُوَ بِك . وَمَنْ أَحْبَبْته أَقْبَلْت عَلَيْهِ بِوَجْهِك وَوَاجَهْته لِتُسِرَّهُ وَيُسِرَّك ; فَمَعْنَى التَّدَابُر مَوْجُود فِيمَنْ صَعَّرَ خَدّه , وَبِهِ فَسَّرَ مُجَاهِد الْآيَة . وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : قَوْله : " وَلَا تُصَاعِر خَدّك لِلنَّاسِ " كَأَنَّهُ نَهَى أَنْ يُذِلّ الْإِنْسَان نَفْسه مِنْ غَيْر حَاجَة ; وَنَحْو ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُذِلّ نَفْسه ) .


أَيْ مُتَبَخْتِرًا مُتَكَبِّرًا , مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال , وَقَدْ مَضَى فِي " الْإِسْرَاء " . وَهُوَ النَّشَاط وَالْمَشْي فَرَحًا فِي غَيْر شُغْل وَفِي غَيْر حَاجَة . وَأَهْل هَذَا الْخُلُق مُلَازِمُونَ لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاء ; فَالْمَرِح مُخْتَال فِي مِشْيَته . رَوَى يَحْيَى بْن جَابِر الطَّائِيّ عَنْ اِبْن عَائِذ الْأَزْدِيّ عَنْ غُضَيْف بْن الْحَارِث قَالَ : أَتَيْت بَيْت الْمَقْدِس أَنَا وَعَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ : فَجَلَسْنَا إِلَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِي فَسَمِعْته يَقُول : إِنَّ الْقَبْر يُكَلِّم الْعَبْد إِذَا وُضِعَ فِيهِ فَيَقُول : يَا اِبْن آدَم مَا غَرَّك بِي ! أَلَمْ تَعْلَم أَنِّي بَيْت الْوَحْدَة ! أَلَمْ تَعْلَم أَنِّي بَيْت الظُّلْمَة ! أَلَمْ تَعْلَم أَنِّي بَيْت الْحَقّ ! يَا اِبْن آدَم مَا غَرَّك بِي ! لَقَدْ كُنْت تَمْشِي حَوْلِي فَدَّادًا . قَالَ اِبْن عَائِذ قُلْت لِغُضَيْف : مَا الْفَدَّاد يَا أَبَا أَسْمَاء ؟ قَالَ : كَبَعْضِ مِشْيَتك يَا اِبْن أَخِي أَحْيَانًا . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَالْمَعْنَى ذَا مَال كَثِير وَذَا خُيَلَاء . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ جَرَّ ثَوْبه خُيَلَاء لَا يَنْظُر اللَّه إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة ) . وَالْفَخُور : هُوَ الَّذِي يُعَدِّد مَا أُعْطِيَ وَلَا يَشْكُر اللَّه تَعَالَى ; قَالَهُ مُجَاهِد . وَفِي اللَّفْظَة الْفَخْر بِالنَّسَبِ وَغَيْر ذَلِكَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • خطب مختارة

    خطب مختارة : اختيار وكالة شؤون المطبوعات والنشر بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. قدم لها معالي الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي - حفظه الله - وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد سابقاً.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142667

    التحميل:

  • سيرة الشاب الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله

    سيرة الشاب الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «سيرة الابن: الشاب، البار، الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني - رحمه الله تعالى -»، بيّنت فيها سيرته الجميلة على النحو الآتي: أولاً: مولده - رحمه الله تعالى -. ثانيًا: نشأته - رحمه الله تعالى -. ثالثًا: حفظه للقرآن الكريم. رابعًا: دراسته النظامية. خامسًا: شيوخه - رحمه الله -. سادسًا: زملاؤه في كلية الشريعة. سابعًا: طلبه للعلم خارج المدارس النظامية. ثامنًا: مؤلفاته. تاسعًا: تعليقاته المفيدة على بعض كتبه. عاشرًا: تلاميذه في حلقات القرآن الكريم. الحادي عشر: الحكم التي كتبها - رحمه الله -: الشعر، والنثر. الثاني عشر: أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر. الثالث عشر: أخلاقه العظيمة - رحمه الله تعالى -. الرابع عشر: وفاته مع شقيقه عبد الرحيم - رحمهما الله تعالى -. الخامس عشر: سيرة مختصرة لشقيقه الابن: البار، الصغير، الصالح عبد الرحيم - رحمه الله تعالى -. السادس عشر: ما قاله عنه العلماء وطلاب العلم والأساتذة. السابع عشر: ما قاله عنه معلموه. الثامن عشر: ما قاله عنه زملاؤه. التاسع عشر: الفوائد التي اقتطفها من أساتذة كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، خلال ثلاثة أشهر فقط من 13/ 6/ 1422 إلى 16/ 9/ 1422 هـ».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/270595

    التحميل:

  • كتاب الطهارة والصلاة

    هذا كتاب جامع لطيف نافع، يحتاج إليه كل مسلم ومسلمة؛ لأنه يصل العبد بربه في جميع أوقاته وأحواله، ويحقق مراد الرب من خلقه. جمع فيه بفضل الله أمهات المسائل الهامة في أعظم العبادات في ضوء القرآن والسنة، وبيَّنا فيه صفة الطهارة وأنواعها وأحكامها، وأقسام الصلوات وصفاتها وأحكامها وثوابها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380412

    التحميل:

  • مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

    مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ : يحتوي على مجموع فتاوى ورسائل العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - والتي جمعها فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/21535

    التحميل:

  • الرد على الرفاعي والبوطي في كذبهما على أهل السنة

    الرد على الرفاعي والبوطي في كذبهما على أهل السنة: يحتوي الكتاب علي بيان رد الشبهات التي أثيرت ضد علماء نجد وبلاد الحرمين من قبل يوسف هاشم الرفاعي، ومحمد سعيد رمضان البوطي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305616

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة