Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة لقمان - الآية 14

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) (لقمان) mp3
هَاتَانِ الْآيَتَانِ اِعْتِرَاض بَيْن أَثْنَاء وَصِيَّة لُقْمَان . وَقِيلَ : إِنَّ هَذَا مِمَّا أَوْصَى بِهِ لُقْمَان اِبْنه ; أَخْبَرَ اللَّه بِهِ عَنْهُ ; أَيْ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ : لَا تُشْرِك بِاَللَّهِ وَلَا تُطِعْ فِي الشِّرْك وَالِدَيْك , فَإِنَّ اللَّه وَصَّى بِهِمَا فِي طَاعَتهمَا مِمَّا لَا يَكُون شِرْكًا وَمَعْصِيَة لِلَّهِ تَعَالَى . وَقِيلَ : أَيْ وَإِذْ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ ; فَقُلْنَا لِلُقْمَانَ فِيمَا آتَيْنَاهُ مِنْ الْحِكْمَة وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ ; أَيْ قُلْنَا لَهُ اُشْكُرْ لِلَّهِ , وَقُلْنَا لَهُ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان . وَقِيلَ : وَإِذْ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ , لَا تُشْرِك , وَنَحْنُ وَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا , وَأَمَرْنَا النَّاس بِهَذَا , وَأَمَرَ لُقْمَان بِهِ اِبْنه ; ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَال الْقُشَيْرِيّ . وَالصَّحِيح أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي شَأْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْعَنْكَبُوت " وَعَلَيْهِ جَمَاعَة الْمُفَسِّرِينَ . وَجُمْلَة هَذَا الْبَاب أَنَّ طَاعَة الْأَبَوَيْنِ لَا تُرَاعَى فِي رُكُوب كَبِيرَة وَلَا فِي تَرْك فَرِيضَة عَلَى الْأَعْيَان , وَتَلْزَم طَاعَتهمَا فِي الْمُبَاحَات , وَيُسْتَحْسَن فِي تَرْك الطَّاعَات النَّدْب ; وَمِنْهُ أَمْر الْجِهَاد الْكِفَايَة , وَالْإِجَابَة لِلْأُمِّ فِي الصَّلَاة مَعَ إِمْكَان الْإِعَادَة ; عَلَى أَنَّ هَذَا أَقْوَى مِنْ النَّدْب ; لَكِنْ يُعَلَّل بِخَوْفِ هَلَكَة عَلَيْهَا , وَنَحْوه مِمَّا يُبِيح قَطْع الصَّلَاة فَلَا يَكُون أَقْوَى مِنْ النَّدْب . وَخَالَفَ الْحَسَن فِي هَذَا التَّفْصِيل فَقَالَ : إِنْ مَنَعَتْهُ أُمّه مِنْ شُهُود الْعِشَاء شَفَقَة فَلَا يُطِعْهَا .

لَمَّا خَصَّ تَعَالَى الْأُمّ بِدَرَجَةِ ذِكْر الْحَمْل وَبِدَرَجَةٍ ذِكْر الرَّضَاع حَصَلَ لَهَا بِذَلِكَ ثَلَاث مَرَاتِب , وَلِلْأَبِ وَاحِدَة ; وَأَشْبَهَ ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قَالَ لَهُ رَجُل مَنْ أَبَرُّ ؟ قَالَ : ( أُمّك ) قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ( أُمّك ) قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ( أُمّك ) قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ( أَبُوك ) فَجَعَلَ لَهُ الرُّبُع مِنْ الْمَبَرَّة كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة ; وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلّه فِي " الْإِسْرَاء " .


أَيْ حَمَلَتْهُ فِي بَطْنهَا وَهِيَ تَزْدَاد كُلّ يَوْم ضَعْفًا عَلَى ضَعْف . وَقِيلَ : الْمَرْأَة ضَعِيفَة الْخِلْقَة ثُمَّ يُضْعِفهَا الْحَمْل . وَقَرَأَ عِيسَى الثَّقَفِيّ : " وَهَنًا عَلَى وَهَن " بِفَتْحِ الْهَاء فِيهِمَا ; وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرو , وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد . قَالَ قَعْنَب بْن أُمّ صَاحِب : هَلْ لِلْعَوَاذِلِ مِنْ نَاهٍ فَيَزْجُرَهَا إِنَّ الْعَوَاذِل فِيهَا الْأَيْن وَالْوَهَن يُقَال : وَهَنَ يَهِن , وَوَهُنَ يَوْهَن وَوَهِنَ , يَهِن ; مِثْل وَرِمَ يَرِم . وَانْتَصَبَ " وَهْنًا " عَلَى الْمَصْدَرِ ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . النَّحَّاس : عَلَى الْمَفْعُول الثَّانِي بِإِسْقَاطِ حَرْف الْجَرّ ; أَيْ حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلَى ضَعْف . وَقَرَأَ الْجُمْهُور : " وَفِصَاله " وَقَرَأَ الْحَسَن وَيَعْقُوب : " وَفَصْله " وَهُمَا لُغَتَانِ , أَيْ وَفِصَاله فِي اِنْقِضَاء عَامَيْنِ ; وَالْمَقْصُود مِنْ الْفِصَال الْفِطَام , فَعَبَّرَ بِغَايَتِهِ وَنِهَايَته . وَيُقَال : اِنْفَصَلَ عَنْ كَذَا أَيْ تَمَيَّزَ ; وَبِهِ سُمِّيَ الْفَصِيل .


النَّاس مُجْمِعُونَ عَلَى الْعَامَيْنِ فِي مُدَّة الرَّضَاع فِي بَاب الْأَحْكَام وَالنَّفَقَات , وَأَمَّا فِي تَحْرِيم اللَّبَن فَحَدَّدَتْ فِرْقَة بِالْعَامِ لَا زِيَادَة وَلَا نَقْص . وَقَالَتْ فِرْقَة : الْعَامَانِ وَمَا اِتَّصَلَ بِهِمَا مِنْ الشَّهْر وَنَحْوه إِذَا كَانَ مُتَّصِل الرَّضَاع . وَقَالَتْ فِرْقَة : إِنْ فُطِمَ الصَّبِيّ قَبْل الْعَامَيْنِ وَتَرَكَ اللَّبَن فَإِنَّ مَا شَرِبَ بَعْد ذَلِكَ فِي الْحَوْلَيْنِ لَا يُحَرِّم ; وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى .


" أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب فِي قَوْل الزَّجَّاج , وَأَنَّ الْمَعْنَى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ أَنْ اُشْكُرْ لِي . النَّحَّاس : وَأَجْوَد مِنْهُ أَنْ تَكُون " أَنْ " مُفَسِّرَة , وَالْمَعْنَى : قُلْنَا لَهُ أَنْ اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك . قِيلَ : الشُّكْر لِلَّهِ عَلَى نِعْمَة الْإِيمَان , وَلِلْوَالِدَيْنِ عَلَى نِعْمَة التَّرْبِيَة . وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة : مَنْ صَلَّى الصَّلَوَات الْخَمْس فَقَدْ شَكَرَ اللَّه تَعَالَى , وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ فِي أَدْبَار الصَّلَوَات فَقَدْ شَكَرَهُمَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تعظيم التوحيد في نفوس الصغار

    في هذه الرسالة بيان أهمية تعظيم التوحيد في نفوس الصغار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233607

    التحميل:

  • إتحاف أهل الإيمان بما يعصم من فتن هذا الزمان

    في هذه الرسالة بعض الأسباب التي تعصم من الفتن.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209161

    التحميل:

  • الإمام محمد بن سعود دولة الدعوة والدعاة

    الإمام محمد بن سعود - رحمه الله - هو أحد الرواد الكبار، والبناة العظام في تاريخ أمتنا الخاص والعام. فقد قيضه الله تعالى لكي ينهي - بتوفيق الله - حقبة عصيبة تراكمت فيها البدع والمظالم والجهالة، وانحرفت عقائد كثير من المسلمين، ولكي يبدأ عهدا جديدا قوامه عقيدة التوحيد الصافية، وشريعة الإسلام الخالدة العادلة، لقد نصر الإمام دعوة الإسلام، وسخر سلطانه ووسائل ملكه لتجديد دعوة التوحيد، وتطبيق أحكام الشريعة، وفي هذا الكتاب صفحات من حياته.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110566

    التحميل:

  • الرد العلمي على كتاب تذكير الأصحاب بتحريم النقاب

    رد علمي على كتاب تذكير الأصحاب بتحريم النقاب. قدم للكتاب: معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/244335

    التحميل:

  • تعامله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين

    تعامله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين: تُعدُّ سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل سيرةٍ لأفضل رجلٍ في هذه الدنيا؛ فإنه - عليه الصلاة والسلام - ضربَ أروع الأمثلة وأفضل النماذج في خُلُقه وسيرته وتعامله مع الناس بكل مستوياتها: متعلمين وجهالاً، رجالاً ونساءً، شيوخًا وأطفالاً، مسلمين وغير مسلمين. وهذا الكتاب يتناول بعضًا من هذه النماذج العطِرة من معاملته - صلى الله عليه وسلم - لغير المسلمين، ويُظهِر للعالم أجمع كيف دخل الناس في دين الله أفواجًا بسبب هذه المعاملة الطيبة.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337588

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة