Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الروم - الآية 3

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) (الروم) mp3
يَعْنِي أَرْض الشَّام . عِكْرِمَة : بأذرعات , وَهِيَ مَا بَيْن بِلَاد الْعَرَب وَالشَّام . وَقِيلَ : إِنَّ قَيْصَر كَانَ بَعَثَ رَجُلًا يُدْعَى يحنس وَبَعَثَ كِسْرَى شهربزان فَالْتَقَيَا بأذرعات وَبُصْرَى وَهِيَ أَدْنَى بِلَاد الشَّام إِلَى أَرْض الْعَرَب وَالْعَجَم . مُجَاهِد : بِالْجَزِيرَةِ , وَهُوَ مَوْضِع بَيْن الْعِرَاق وَالشَّام . مُقَاتِل : بِالْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِين . وَ " أَدْنَى " مَعْنَاهُ أَقْرَب . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَإِنْ كَانَتْ الْوَاقِعَة بأذرعات فَهِيَ مِنْ أَدْنَى الْأَرْض بِالْقِيَاسِ إِلَى مَكَّة , وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اِمْرُؤُ الْقَيْس فِي قَوْله : تَنَوَّرْتهَا مِنْ أَذْرِعَات وَأَهْلهَا بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارهَا نَظَر عَالٍ وَإِنْ كَانَتْ الْوَاقِعَة بِالْجَزِيرَةِ فَهِيَ أَدْنَى بِالْقِيَاسِ إِلَى أَرْض كِسْرَى , وَإِنْ كَانَتْ بِالْأُرْدُنِّ فَهِيَ أَدْنَى إِلَى أَرْض الرُّوم . فَلَمَّا طَرَأَ ذَلِكَ وَغُلِبَتْ الرُّوم سُرَّ الْكُفَّار فَبَشَّرَ اللَّه عِبَاده بِأَنَّ الرُّوم سَيَغْلِبُونَ وَتَكُون الدَّوْلَة لَهُمْ فِي الْحَرْب .

وَتَأْوِيل ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي طَرَأَ يَوْم بَدْر إِنَّمَا كَانَتْ الرُّوم غَلَبَتْ فَعَزَّ ذَلِكَ عَلَى كُفَّار قُرَيْش وَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ , فَبَشَّرَ اللَّه تَعَالَى عِبَاده أَنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ أَيْضًا فِي بِضْع سِنِينَ ; ذَكَرَ هَذَا التَّأْوِيل أَبُو حَاتِم . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : قِرَاءَة أَكْثَر النَّاس " غُلِبَتْ الرُّوم " بِضَمِّ الْغَيْن وَكَسْر اللَّام . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر وَأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّهُمَا قَرَآ " غَلَبَتْ الرُّوم " وَقَرَآ " سَيُغْلَبُونَ " . وَحَكَى أَبُو حَاتِم أَنَّ عِصْمَة رَوَى عَنْ هَارُون : أَنَّ هَذِهِ قِرَاءَة أَهْل الشَّام ; وَأَحْمَد بْن حَنْبَل يَقُول : إِنَّ عِصْمَة هَذَا ضَعِيف , وَأَبُو حَاتِم كَثِير الْحِكَايَة عَنْهُ , وَالْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَة " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الْغَيْن , وَكَانَ فِي هَذَا الْإِخْبَار دَلِيل عَلَى نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّ الرُّوم غَلَبَتْهَا فَارِس , فَأَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّوم سَتَغْلِبُ فَارِس فِي بِضْع سِنِينَ , وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ , لِأَنَّ الرُّوم أَهْل كِتَاب , فَكَانَ هَذَا مِنْ عِلْم الْغَيْب الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ عَلِمُوهُ , وَأَمَرَ أَبَا بَكْر أَنْ يُرَاهِنهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْ يُبَالِغ فِي الرِّهَان , ثُمَّ حُرِّمَ الرِّهَان بَعْد وَنُسِخَ بِتَحْرِيمِ الْقِمَار . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالْقِرَاءَة بِضَمِّ الْغَيْن أَصَحّ , وَأَجْمَعَ النَّاس عَلَى " سَيَغْلِبُونَ " أَنَّهُ بِفَتْحِ الْيَاء , يُرَاد بِهِ الرُّوم . وَيُرْوَى عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَرَأَ أَيْضًا بِضَمِّ الْيَاء فِي " سَيَغْلِبُونَ " , وَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَة قَلْب لِلْمَعْنَى الَّذِي تَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات بِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَمَنْ قَرَأَ " سَيُغْلَبُونَ " فَالْمَعْنَى عِنْده : وَفَارِس مِنْ بَعْد غَلَبهمْ , أَيْ مِنْ بَعْد أَنْ غُلِبُوا , سَيَغْلِبُونَ . وَرُوِيَ أَنَّ إِيقَاع الرُّوم بِالْفُرْسِ كَانَ يَوْم بَدْر ; كَمَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ حَدِيث التِّرْمِذِيّ , وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة , وَأَنَّ الْخَبَر وَصَلَ يَوْم بَيْعَة الرِّضْوَان ; قَالَهُ عِكْرِمَة وَقَتَادَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَفِي كِلَا الْيَوْمَيْنِ كَانَ نَصْر مِنْ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ . وَقَدْ ذَكَرَ النَّاس أَنَّ سَبَب سُرُور الْمُسْلِمِينَ بِغَلَبَةِ الرُّوم وَهَمَّهُمْ أَنْ تُغْلَب إِنَّمَا هُوَ أَنَّ الرُّوم أَهْل كِتَاب كَالْمُسْلِمِينَ , وَفَارِس مِنْ أَهْل الْأَوْثَان ; كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْحَدِيث . قَالَ النَّحَّاس : وَقَوْل آخَر وَهُوَ أَوْلَى - أَنَّ فَرَحهمْ إِنَّمَا كَانَ لِإِنْجَازِ وَعْد اللَّه تَعَالَى ; إِذْ كَانَ فِيهِ دَلِيل عَلَى النُّبُوَّة لِأَنَّهُ أَخْبَرَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمَا يَكُون فِي بِضْع سِنِينَ فَكَانَ فِيهِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَيُشْبِه أَنْ يُعَلَّل ذَلِكَ بِمَا يَقْتَضِيه النَّظَر مِنْ مَحَبَّة أَنْ يَغْلِب الْعَدُوّ الْأَصْغَر لِأَنَّهُ أَيْسَر مَئُونَة , وَمَتَى غَلَبَ الْأَكْبَر كَثُرَ الْخَوْف مِنْهُ ; فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَعْنَى , مَعَ مَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَجَّاهُ مِنْ ظُهُور دِينه وَشَرْع اللَّه الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ وَغَلَبَته عَلَى الْأُمَم , وَإِرَادَة كُفَّار مَكَّة أَنْ يَرْمِيه اللَّه بِمَلَكٍ يَسْتَأْصِلهُ وَيُرِيحهُمْ مِنْهُ . وَقِيلَ : سُرُورهمْ إِنَّمَا كَانَ بِنَصْرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ; لِأَنَّ جِبْرِيل أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام يَوْم بَدْر ; حَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ .

وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سُرُورهمْ بِالْمَجْمُوعِ مِنْ ذَلِكَ , فَسُرُّوا بِظُهُورِهِمْ عَلَى عَدُوّهُمْ وَبِظُهُورِ الرُّوم أَيْضًا وَبِإِنْجَازِ وَعْد اللَّه . وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة الشَّامِيّ وَمُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع " مِنْ بَعْد غَلْبهمْ " بِسُكُونِ اللَّام , وَهُمَا لُغَتَانِ ; مِثْل الظَّعَن وَالظَّعْن . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الْأَصْل " مِنْ بَعْد غَلَبَتهمْ " فَحُذِفَتْ التَّاء كَمَا حُذِفَتْ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ " وَإِقَام الصَّلَاة " وَأَصْله وَإِقَامَة الصَّلَاة . قَالَ النَّحَّاس : " وَهَذَا غَلَط لَا يُخَيَّل عَلَى كَثِير مِنْ أَهْل النَّحْو ; لِأَنَّ " إِقَام الصَّلَاة " مَصْدَر قَدْ حُذِفَ مِنْهُ لِاعْتِلَالِ فِعْله , فَجُعِلَتْ التَّاء عِوَضًا مِنْ الْمَحْذُوف , وَ " غَلَبَ " لَيْسَ بِمُعْتَلٍّ وَلَا حُذِفَ مِنْهُ شَيْء . وَقَدْ حَكَى الْأَصْمَعِيّ : طَرَدَ طَرَدًا , وَجَلَبَ جَلَبًا , وَحَلَبَ حَلَبًا , وَغَلَبَ غَلَبًا ; فَأَيّ حَذْف فِي هَذَا , وَهَلْ يَجُوز أَنْ يُقَال فِي أَكَلَ أَكَلًا وَمَا أَشْبَهَهُ - : حُذِفَ مِنْهُ " ؟ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الطريق إلى السعادة الزوجية في ضوء الكتاب والسنة

    تبين هذه الرسالة صفات الزوجة الصالحة، وحكمة تعدد الزوجات، وصفات المرأة الصالحة، وذكر هديه في الأسماء والكنى، والحث على تحجب المرأة المسلمة صيانة لها وما ورد في الكفاءة في النكاح، والتحذير من الأنكحة المنهي عنها كنكاح الشغار، والإجبار والنهي عن تزويج من لا يصلي، والحث على إرضاع الأم ولدها وبيان أضرار الإرضاع الصناعي وذكر هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في النكاح، وأحكام زينة المرأة وأخيرًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335007

    التحميل:

  • الجهاد في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    الجهاد في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «فقد كثر الكلام في هذه الأيام عن الجهاد في سبيل الله - عز وجل -؛ ولأهمية الأمر وخطورته، أحببت أن أذكر لإخواني المسلمين بعض المفاهيم الصحيحة التي ينبغي معرفتها وفقهها قبل أن يتكلم المسلم عن الجهاد».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/270600

    التحميل:

  • بدع القراء القديمة والمعاصرة

    بدع القراء : كتيب لطيف للعلامة الكبير بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله - عقده في خمسة أبحاث: الأول: رؤوس المسائل لبدع القراء التي نبه عليها العلماء. الثاني: حكم تعبد القارئ بتقليد صوت قارئ آخر. الثالث: التمايل من القارئ والسامع. الرابع: العدول عن المشروع في قراءة صلاة الجمعة إلى مايراه الإمام مناسباً مع موضوع الخطبة. الخامس: مغايرة الصوت عند تلاوة القرآن لنسق الصوت في الوعظ أو الخطابة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/79741

    التحميل:

  • مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير

    هذا الكتاب يحتوي على العديد من المقالات والمشاركات التي كتبها الشيخ في عدة مواقع منها ملتقى أهل التفسير. بطاقة الكتاب: العنوان: مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير. تأليف: د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار. دار النشر: دار المحدث - شبكة تفسير للدراسات القرآنية. سنة الطبع: الطبعة الأولى (1425 هـ). نوع التغليف: مجلد (426).

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291774

    التحميل:

  • دليل الحاج والمعتمر وزائر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم

    دليل الحاج والمعتمر وزائر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: دليل موجز يحتوي على ما تيسر من أحكام الحج والعمرة.

    الناشر: هيئة التوعية الإسلامية في الحج

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111040

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة