Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 96

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) (آل عمران) mp3
ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوَّل مَسْجِد وُضِعَ فِي الْأَرْض قَالَ : ( الْمَسْجِد الْحَرَام ) . قُلْت : ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ : ( الْمَسْجِد الْأَقْصَى ) . قُلْت : كَمْ بَيْنهمَا ؟ قَالَ : ( أَرْبَعُونَ عَامًا ثُمَّ الْأَرْض لَك مَسْجِد فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاة فَصَلِّ ) . قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة : لَمْ يُوضَع قَبْله بَيْت . قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كَانَ قَبْل الْبَيْت بُيُوت كَثِيرَة , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَوَّل بَيْت وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ . وَعَنْ مُجَاهِد قَالَ : تَفَاخَرَ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُود فَقَالَتْ الْيَهُود : بَيْت الْمَقْدِس أَفْضَل وَأَعْظَم مِنْ الْكَعْبَة ; لِأَنَّهُ مُهَاجَر الْأَنْبِيَاء وَفِي الْأَرْض الْمُقَدَّسَة . وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : بَلْ الْكَعْبَة أَفْضَل ; فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة بُنْيَان الْبَيْت وَأَوَّل مَنْ بَنَاهُ . قَالَ مُجَاهِد : خَلَقَ اللَّه مَوْضِع هَذَا الْبَيْت قَبْل أَنْ يَخْلُق شَيْئًا مِنْ الْأَرْض بِأَلْفَيْ سَنَة , وَأَنَّ قَوَاعِده لَفِي الْأَرْض السَّابِعَة السُّفْلَى . وَأَمَّا الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَبَنَاهُ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام ; كَمَا خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو . وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ سُلَيْمَان بْن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا بَنَى بَيْت الْمَقْدِس سَأَلَ اللَّه خِلَالًا ثَلَاثَة سَأَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِف حُكْمه فَأُوتِيَهُ , وَسَأَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْده فَأُوتِيَهُ , وَسَأَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاء الْمَسْجِد أَلَّا يَأْتِيه أَحَد لَا يَنْهَزهُ إِلَّا الصَّلَاة فِيهِ أَنْ يُخْرِجهُ مِنْ خَطِيئَته كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه فَأُوتِيَهُ ) . فَجَاءَ إِشْكَال بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ; لِأَنَّ بَيْنَ إِبْرَاهِيم وَسُلَيْمَان آمَادًا طَوِيلَة . قَالَ أَهْل التَّوَارِيخ : أَكْثَر مِنْ أَلْف سَنَة . فَقِيلَ : إِنَّ إِبْرَاهِيم وَسُلَيْمَان عَلَيْهِمَا السَّلَام إِنَّمَا جَدَّدَا مَا كَانَ أَسَّسَهُ غَيْرهمَا . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَوَّل مَنْ بَنَى الْبَيْت آدَم عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا تَقَدَّمَ . فَيَجُوز أَنْ يَكُون غَيْره مِنْ وَلَده وَضَعَ بَيْت الْمَقْدِس مِنْ بَعْده بِأَرْبَعِينَ عَامًا , وَيَجُوز أَنْ تَكُون الْمَلَائِكَة أَيْضًا بَنَتْهُ بَعْد بِنَائِهَا الْبَيْت بِإِذْنِ اللَّه ; وَكُلّ مُحْتَمَل . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَمَرَ اللَّه تَعَالَى الْمَلَائِكَة بِبِنَاءِ بَيْت فِي الْأَرْض وَأَنْ يَطَّوَّفُوا بِهِ ; وَكَانَ هَذَا قَبْل خَلْق آدَم , ثُمَّ إِنَّ آدَم بَنَى مِنْهُ مَا بَنَى وَطَافَ بِهِ , ثُمَّ الْأَنْبِيَاء بَعْده , ثُمَّ اِسْتَتَمَّ بِنَاءَهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام .



خَبَر " إِنَّ " وَاللَّام تَوْكِيد . و " بَكَّة " مَوْضِع الْبَيْت , وَمَكَّة سَائِر الْبَلَد ; عَنْ مَالِك بْن أَنَس . وَقَالَ مُحَمَّد بْن شِهَاب : بَكَّة الْمَسْجِد , وَمَكَّة الْحَرَم كُلّه , تَدْخُل فِيهِ الْبُيُوت . قَالَ مُجَاهِد : بَكَّة هِيَ مَكَّة . فَالْمِيم عَلَى هَذَا مُبْدَلَة مِنْ الْبَاء ; كَمَا قَالُوا : طِين لَازِب وَلَازِم . وَقَالَهُ الضَّحَّاك وَالْمُؤَرِّج . ثُمَّ قِيلَ : بَكَّة مُشْتَقَّة مِنْ الْبَكّ وَهُوَ الِازْدِحَام . تَبَاكَّ الْقَوْم اِزْدَحَمُوا . وَسُمِّيَتْ بَكَّة لِازْدِحَامِ النَّاس فِي مَوْضِع طَوَافهمْ . وَالْبَكّ : دَقّ الْعُنُق . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَدُقّ رِقَاب الْجَبَابِرَة إِذَا أَلْحَدُوا فِيهَا بِظُلْمٍ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر : لَمْ يَقْصِدهَا جَبَّار قَطُّ بِسُوءٍ إِلَّا وَقَصَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَأَمَّا مَكَّة فَقِيلَ إِنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مَائِهَا وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَمُكّ الْمُخّ مِنْ الْعَظْم مِمَّا يَنَال قَاصِدهَا مِنْ الْمَشَقَّة ; مِنْ قَوْلهمْ : مَكَكْت الْعَظْم إِذَا أَخْرَجْت مَا فِيهِ . وَمَكَّ الْفَصِيل ضَرْع أُمّه وَامْتَكَّهُ إِذَا اِمْتَصَّ كُلّ مَا فِيهِ مِنْ اللَّبَن وَشَرِبَهُ ; قَالَ الشَّاعِر : مَكَّتْ فَلَمْ تُبْقِ فِي أَجْوَافهَا دِرَرًا وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَمُكّ مَنْ ظَلَمَ فِيهَا , أَيْ تُهْلِكهُ وَتُنْقِصهُ . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاس كَانُوا يَمُكُّونَ وَيُضْحَكُونَ فِيهَا ; مِنْ قَوْله : " وَمَا كَانَ صَلَاتهمْ عِنْد الْبَيْت إِلَّا مُكَاء وَتَصْدِيَة " [ الْأَنْفَال : 35 ] أَيْ تَصْفِيقًا وَتَصْفِيرًا . وَهَذَا لَا يُوجِبهُ التَّصْرِيف ; لِأَنَّ " مَكَّة " ثُنَائِيّ مُضَاعَف و " مُكَاء " ثُلَاثِيّ مُعْتَلّ .



جَعَلَهُ مُبَارَكًا لِتَضَاعُفِ الْعَمَل فِيهِ ; فَالْبَرَكَة كَثْرَة الْخَيْر , وَنُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ الْمُضْمَر فِي " وُضِعَ " أَوْ بِالظَّرْفِ مِنْ " بَكَّة " , الْمَعْنَى الَّذِي اِسْتَقَرَّ " بِبَكَّةَ مُبَارَكًا " وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن " مُبَارَك " ; عَلَى أَنْ يَكُون خَبَرًا ثَانِيًا , أَوْ عَلَى الْبَدَل مِنْ الَّذِي , أَوْ عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ .


عَطْف عَلَيْهِ , وَيَكُون بِمَعْنَى وَهُوَ هُدًى لِلْعَالَمِينَ . وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن " مُبَارَك " بِالْخَفْضِ يَكُون نَعْتًا لِلْبَيْتِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • قول الصحابي في التفسير الأندلسي حتى القرن السادس

    قول الصحابي في التفسير الأندلسي حتى القرن السادس: قُدِّم هذا البحث للمشاركة به في: الندوة العلمية الدولية التي تُنظِّمها شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية - بتطوان المغرب، جامعة عبد المالك السعدي، وموضوعها: الدراسات الحديثية في الغرب الإسلامي من القرن الثاني إلى السادس الهجري، بتاريخ: (23: 25 شعبان 1420 - 1: 3 ديسمبر 1999 م). وقد عرَّف المصنف - حفظه الله - الصحابي وبيَّن عدالة الصحابة، وموقف العلماء من قول الصحابي وتفسيره للقرآن، في مباحث أخرى مهمة

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364161

    التحميل:

  • آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

    آداب الفتوى والمفتي والمستفتي : من مقدمة كتاب: المجموع شرح المهذب للإمام النووي - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144923

    التحميل:

  • الطعن في القرآن الكريم و الرد على الطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري

    الطعن في القرآن الكريم و الرد على الطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري : يحتوي هذا الكتاب على بيان تاريخ الطعن في القرآن والكتب المؤلفة فيه، ثم بيان أسباب الطعن في القرآن، مواجهة دعاوى الطعن في القرآن، موقف الطاعنين من آيات القرآن والرد عليهم. - ملحوظة: الكتاب نسخة مصورة pdf من إصدار دار البشائر، نقلاً عن مركز تفسير للدراسات القرآنية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90694

    التحميل:

  • المسجد وبيت المسلم

    المسجد وبيت المسلم: كتاب لفضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري - حفظه الله - يحتوي على ثلاثمائة ونيف وستين درساً، تفيد أئمة المساجد في تحضير الدروس.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2599

    التحميل:

  • إتحاف شباب الإسلام بأحكام الغسل من الجنابة والاحتلام

    إتحاف شباب الإسلام بأحكام الغسل من الجنابة والإحتلام : في هذه الرسالة بيان موجبات الغسل من الجنابة وصفته وأحكامه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209164

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة