Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 92

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) (آل عمران) mp3
رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِلنَّسَائِيِّ عَنْ أَنَس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " قَالَ أَبُو طَلْحَة : إِنَّ رَبّنَا لَيَسْأَلنَا مِنْ أَمْوَالنَا فَأُشْهِدك يَا رَسُول اللَّه أَنِّي جَعَلْت أَرْضِي لِلَّهِ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِجْعَلْهَا فِي قَرَابَتك فِي حَسَّان بْن ثَابِت وَأُبَيّ بْن كَعْب ) . وَفِي الْمُوَطَّأ " وَكَانَتْ أَحَبّ أَمْوَاله إِلَيْهِ بِئْر حَاء , وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَة الْمَسْجِد , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلهَا وَيَشْرَب مِنْ مَاء فِيهَا طَيِّب " . وَذَكَرَ الْحَدِيث . فَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى اِسْتِعْمَال ظَاهِر الْخِطَاب وَعُمُومه ; فَإِنَّ الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ فَحْوَى الْخِطَاب حِينَ نَزَلَتْ الْآيَة غَيْر ذَلِكَ . أَلَا تَرَى أَبَا طَلْحَة حِينَ سَمِعَ " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا " الْآيَة , لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَقِف حَتَّى يَرُدّ الْبَيَان الَّذِي يُرِيد اللَّه أَنْ يُنْفِق مِنْهُ عِبَاده بِآيَةٍ أُخْرَى أَوْ سُنَّة مُبَيِّنَة لِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَشْيَاء كَثِيرَة . وَكَذَلِكَ فَعَلَ زَيْد بْن حَارِثَة , عَمَدَ مِمَّا يُحِبّ إِلَى فَرَس يُقَال لَهُ ( سَبَل ) وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّك تَعْلَم أَنَّهُ لَيْسَ لِي مَال أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ فَرَسِي هَذِهِ ; فَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا فِي سَبِيل اللَّه . فَقَالَ لِأُسَامَة بْن زَيْد ( اِقْبِضْهُ ) . فَكَأَنَّ زَيْدًا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسه . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه قَدْ قَبِلَهَا مِنْك ) . ذَكَرَهُ أَسَد بْن مُوسَى . وَأَعْتَقَ اِبْن عُمَر نَافِعًا مَوْلَاهُ , وَكَانَ أَعْطَاهُ فِيهِ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر أَلْف دِينَار . قَالَتْ صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْدَة : أَظُنّهُ تَأَوَّلَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " . وَرَوَى شِبْل عَنْ أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كَتَبَ عُمَر بْن الْخَطَّاب إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنْ يَبْتَاع لَهُ جَارِيَة مِنْ سَبْي جَلُولَاء يَوْم فَتْح مَدَائِن كِسْرَى ; فَقَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص : فَدَعَا بِهَا عُمَر فَأَعْجَبَتْهُ , فَقَالَ إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " فَأَعْتَقَهَا عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَرُوِيَ عَنْ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمّ وَلَد الرَّبِيع بْن خَيْثَم قَالَتْ : كَانَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِل يَقُول لِي : يَا فُلَانَة أَعْطِي السَّائِل سُكَّرًا , فَإِنَّ الرَّبِيع يُحِبّ السُّكَّر . قَالَ سُفْيَان : يَتَأَوَّل قَوْله جَلَّ وَعَزَّ : " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي أَعْدَالًا مِنْ سُكَّر وَيَتَصَدَّق بِهَا . فَقِيلَ لَهُ : هَلَّا تَصَدَّقْت بِقِيمَتِهَا ؟ فَقَالَ : لِأَنَّ السُّكَّر أَحَبّ إِلَيَّ فَأَرَدْت أَنْ أُنْفِق مِمَّا أُحِبّ . وَقَالَ الْحَسَن : إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا مَا تُحِبُّونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ , وَلَا تُدْرِكُوا مَا تَأْمُلُونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ .

وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل " الْبِرّ " فَقِيلَ الْجَنَّة ; عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَعَمْرو بْن مَيْمُون وَالسُّدِّيّ . وَالتَّقْدِير لَنْ تَنَالُوا ثَوَاب الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . وَالنَّوَال الْعَطَاء , مِنْ قَوْلك نَوَّلْته تَنْوِيلًا أَعْطَيْته . وَنَالَنِي مِنْ فُلَان مَعْرُوف يَنَالنِي , أَوْ وَصَلَ إِلَيَّ . فَالْمَعْنَى لَنْ تَصِلُوا إِلَى الْجَنَّة وَتُعْطَوْهَا حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . وَقِيلَ : الْبِرّ الْعَمَل الصَّالِح . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح : ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى الْبِرّ وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة ) . وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة . قَالَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ : يَعْنِي الطَّاعَة . عَطَاء : لَنْ تَنَالُوا شَرَف الدِّين وَالتَّقْوَى حَتَّى تَتَصَدَّقُوا وَأَنْتُمْ أَصِحَّاء أَشِحَّاء تَأْمُلُونَ الْعَيْش وَتَخْشَوْنَ الْفَقْر . وَعَنْ الْحَسَن " حَتَّى تُنْفِقُوا " هِيَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة . مُجَاهِد وَالْكَلْبِيّ : هِيَ مَنْسُوخَة , نَسَخَتْهَا آيَة الزَّكَاة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فِي سَبِيل الْخَيْر مِنْ صَدَقَة أَوْ غَيْرهَا مِنْ الطَّاعَات , وَهَذَا جَامِع . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ صَعْصَعَة بْن مُعَاوِيَة قَالَ : لَقِيت أَبَا ذَرّ قَالَ : قُلْت : حَدِّثْنِي قَالَ : نَعَمْ . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ عَبْد مُسْلِم يُنْفِق مِنْ كُلّ مَاله زَوْجَيْنِ فِي سَبِيل اللَّه إِلَّا اِسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَة الْجَنَّة كُلّهمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْده ) . قُلْت : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَتْ إِبِلًا فَبَعِيرَيْنِ , وَإِنْ كَانَتْ بَقَرًا فَبَقَرَتَيْنِ . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : دَلَّهُمْ بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى الْفُتُوَّة . أَيْ لَنْ تَنَالُوا بِرِّي بِكُمْ إِلَّا بِبِرِّكُمْ بِإِخْوَانِكُمْ وَالْإِنْفَاق عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالكُمْ وَجَاهكُمْ ; فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ نَالَكُمْ بِرِّي وَعَطْفِي . قَالَ مُجَاهِد : وَهُوَ مِثْل قَوْله : " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَام عَلَى حُبّه مِسْكِينًا " [ الْإِنْسَان : 8 ] .



أَيْ وَإِذَا عَلِمَ جَازَى عَلَيْهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الجرح والتعديل

    الجرح والتعديل: أحد الكتب المهمة في علم الرجال.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141371

    التحميل:

  • القول المفيد على كتاب التوحيد

    القول المفيد على كتاب التوحيد : هذا شرح مبارك على كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -, قام بشرحه الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -, وأصل هذا الشرح دروس أملاها الشيخ في الجامع الكبير بمدينة عنيزة بالسعودية, فقام طلبة الشيخ ومحبيه بتفريغ هذه الأشرطة وكتابتها؛ فلما رأى الشيخ حرص الطلبة عليها قام بأخذ هذا المكتوب وتهذيبه والزيادة عليه ثم خرج بهذا الشكل . وعلى كثرة ما للكتاب من شروح إلا أن هذا الشرح يتميز بعدة ميزات تجعل له المكانة العالية بين شروح الكتاب؛ فالشرح يجمع بين البسط وسهولة الأسلوب وسلاسته, كما أنه أولى مسائل كتاب التوحيد عناية بالشرح والربط والتدليل, وهذا الأمر مما أغفله كثير من شراح الكتاب, كما أن هذا الشرح تميز بكون مؤلفه اعتنى فيه بالتقسيم والتفريع لمسائل الكتاب مما له أكبر الأثر في ضبط مسائله, كما أن مؤلفه لم يهمل المسائل العصرية والكلام عليها وربطه لقضايا العقيدة بواقع الناس الذي يعشيه, ويظهر كذلك اعتناء المؤلف بمسائل اللغة والنحو خاصة عند تفسيره للآيات التي يسوقها المصنف, وغير ذلك من فوائد يجدها القارئ في أثناء هذا الشرح المبارك. - وفي هذه الصفحة نسخة مصورة من هذا الكتاب من إصدار دار العاصمة.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233627

    التحميل:

  • ثبات عقيدة السلف وسلامتها من التغيرات

    ثبات عقيدة السلف وسلامتها من التغيرات: كتابٌ ذكر فيه المؤلف - حفظه الله - أسباب ثبات العقيدة الصحيحة في نفوس السلف الصالح; وبقائها وسلامتها من التغيُّر والانحراف.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316847

    التحميل:

  • رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم

    رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرةٌ،محررةٌ، في «رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة» بيَّنت فيها كل ما يحتاجه الحاج في رمي الجمرات في يوم العيد وأيام التشريق، وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة، أو الإجماع، أو من أقوال الصحابة - رضي الله عنهم -. وقد ذكرت في متن هذه الرسالة القول الصحيح الراجح بدليله، وذكرت في الحواشي المسائل الخلافية، وبيَّنت الراجح منها؛ ليستفيد من ذلك طالب العلم وغيره ... وقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث على النحو الآتي: المبحث الأول: مفهوم رمي الجمرات: لغة واصطلاحًا. المبحث الثاني: سبب مشروعية رمي الجمرات. المبحث الثالث: رمي جمرة العقبة وآدابه. المبحث الرابع: رمي الجمرات أيام التشريق وآدابه». - قدم له : فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله -، والشيخ العلامة صالح بن محمد اللحيدان - حفظه الله -.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193662

    التحميل:

  • فتاوى في التوحيد

    فتاوى متنوعة في التوحيد للشيخ الجبرين - رحمه الله - قام بجمعها الشيخ حمد بن إبراهيم الحريقي - جزاه الله خيرًا -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260337

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة