Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 8

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8) (آل عمران) mp3
فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره يَقُولُونَ . وَهَذَا حِكَايَة عَنْ الرَّاسِخِينَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى قُلْ يَا مُحَمَّد , وَيُقَال : إِزَاغَة الْقَلْب فَسَاد وَمَيْل عَنْ الدِّين , أَفَكَانُوا يَخَافُونَ وَقَدْ هُدُوا أَنْ يَنْقُلهُمْ اللَّه إِلَى الْفَسَاد ؟ فَالْجَوَاب أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوا إِذْ هَدَاهُمْ اللَّه أَلَّا يَبْتَلِيهِمْ بِمَا يَثْقُل عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَعْمَال فَيَعْجِزُوا عَنْهُ ; نَحْو " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَاركُمْ . .. " [ النِّسَاء : 66 ] . قَالَ اِبْن كَيْسَان : سَأَلُوا أَلَّا يَزِيغُوا فَيُزِيغ اللَّه قُلُوبهمْ ; نَحْو " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ . .. " [ الصَّفّ : 5 ] أَيْ ثَبِّتْنَا عَلَى هِدَايَتك إِذْ هَدَيْتنَا وَأَلَّا نَزِيغ فَنَسْتَحِقّ أَنْ تُزِيغ قُلُوبنَا . وَقِيلَ : هُوَ مُنْقَطِع مِمَّا قَبْل ; وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَهْل الزَّيْغ . عَقَّبَ ذَلِكَ بِأَنَّ عَلَّمَ عِبَاده الدُّعَاء إِلَيْهِ فِي أَلَّا يَكُونُوا مِنْ الطَّائِفَة الذَّمِيمَة الَّتِي ذُكِرَتْ وَهِيَ أَهْل الزَّيْغ .

وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الصُّنَابِحِيّ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمْت الْمَدِينَة فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فَصَلَّيْت وَرَاءَهُ الْمَغْرِب , فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآن وَسُورَة مِنْ قِصَار الْمُفَصَّل , ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَة , فَدَنَوْت مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَكَاد تَمَسّ ثِيَابه , فَسَمِعْته يَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرْآن وَهَذِهِ الْآيَة " رَبّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبنَا " الْآيَة . قَالَ الْعُلَمَاء : قِرَاءَته بِهَذِهِ الْآيَة ضَرْب مِنْ الْقُنُوت وَالدُّعَاء لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْر أَهْل الرِّدَّة . وَالْقُنُوت جَائِز فِي الْمَغْرِب عِنْد جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم , وَفِي كُلّ صَلَاة أَيْضًا إِذَا دَهَمَ الْمُسْلِمِينَ أَمْر عَظِيم يُفْزِعهُمْ وَيَخَافُونَ مِنْهُ عَلَى أَنْفُسهمْ .

وَرَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث شَهْر بْن حَوْشَب قَالَ : قُلْت لِأُمِّ سَلَمَة : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , مَا كَانَ أَكْثَر دُعَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ عِنْدك ؟ قَالَتْ : كَانَ أَكْثَر دُعَائِهِ ( يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينك ) . فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , مَا أَكْثَر دُعَاءَك يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينك قَالَ : ( يَا أُمّ سَلَمَة إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيّ إِلَّا وَقَلْبه بَيْن أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِع اللَّه فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ ) . فَتَلَا مُعَاذ " رَبّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبنَا بَعْد إِذْ هَدَيْتنَا " . قَالَ : حَدِيث حَسَن . وَهَذِهِ الْآيَة حُجَّة عَلَى الْمُعْتَزِلَة فِي قَوْلهمْ : إِنَّ اللَّه لَا يُضِلّ الْعِبَاد . وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْإِزَاغَة مِنْ قَبْله لَمَا جَازَ أَنْ يَدَّعِيَ فِي دَفْع مَا لَا يَجُوز عَلَيْهِ فِعْله . وَقَرَأَ أَبُو وَاقِد الْجَرَّاح " لَا تَزِغْ قُلُوبنَا " بِإِسْنَادِ الْفِعْل إِلَى الْقُلُوب , وَهَذِهِ رَغْبَة إِلَى اللَّه تَعَالَى . وَمَعْنَى الْآيَة عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ أَلَّا يَكُون مِنْك خَلْق الزَّيْغ فِيهَا فَتَزِيغ .

أَيْ مِنْ عِنْدك وَمِنْ قِبَلك تَفَضُّلًا لَا عَنْ سَبَب مِنَّا وَلَا عَمَل . وَفِي هَذَا اِسْتِسْلَام وَتَطَارُح . وَفِي " لَدُنْ " أَرْبَع لُغَات : لَدُنْ بِفَتْحِ اللَّام وَضَمّ الدَّال وَجَزْم النُّون , وَهِيَ أَفْصَحهَا , وَبِفَتْحِ اللَّام وَضَمّ الدَّال وَحَذْف النُّون ; وَبِضَمِّ اللَّام وَجَزْم الدَّال وَفَتْح النُّون ; وَبِفَتْحِ اللَّام وَسُكُون الدَّال وَفَتْح النُّون .

وَلَعَلَّ جُهَّال الْمُتَصَوِّفَة وَزَنَادِقَة الْبَاطِنِيَّة يَتَشَبَّثُونَ بِهَذِهِ الْآيَة وَأَمْثَالهَا فَيَقُولُونَ : الْعِلْم مَا وَهَبَهُ اللَّه اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر كَسْب , وَالنَّظَر فِي الْكُتُب وَالْأَوْرَاق حِجَاب . وَهَذَا مَرْدُود عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي هَذَا الْمَوْضِع .

وَمَعْنَى الْآيَة : هَبْ لَنَا نَعِيمًا صَادِرًا عَنْ الرَّحْمَة ; لِأَنَّ الرَّحْمَة رَاجِعَة إِلَى صِفَة الذَّات فَلَا يُتَصَوَّر فِيهَا الْهِبَة يُقَال وَهَبَ يَهَب ; وَالْأَصْل يُوهِب بِكَسْرِ الْهَاء . وَمَنْ قَالَ : الْأَصْل يُوهَب بِفَتْحِ الْهَاء فَقَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمْ تُحْذَف الْوَاو كَمَا لَمْ تُحْذَف فِي يَوْجَل وَإِنَّمَا حُذِفَتْ الْوَاو لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاء وَكَسْرَة ثُمَّ فُتِحَ بَعْد حَذْفهَا لِأَنَّ فِيهِ حَرْفًا مِنْ حُرُوف الْحَلْق .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • القواعد الفقهية: المنظومة وشرحها

    القواعد الفقهية: المنظومة وشرحها: قال الشيخ السعدي - رحمه الله -: «فإني قد وضعتُ لي ولإخواني منظومةً مُشتملةً على أمهات قواعدِ الدين، وهي وإن كانت قليلةَ الألفاظ، فهي كثيرةُ المعاني لمن تأمَّلَها، ولكنها تحتاجُ إلى تعليقٍ يُوضِّحُها، ويكشِفُ معانيها وأمثلتَها، تُنبِّهُ الفَطِنَ على ما وراء ذلك، فوضعتُ عليها هذا الشرحَ اللطيفَ تيسيرًا لفَهمها». - اعتنى به: محمد بن ناصر العجمي - وفقه الله -.

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380515

    التحميل:

  • الخشوع في الصلاة

    الخشوع في الصلاة : في هذه الرسالة بيان مظاهر الخشوع، ومراتبه، الأسباب المعينة عليه، ثم بيان أهميته وأثره وأسبابه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209181

    التحميل:

  • معرفة النسخ والصحف الحديثية

    معرفة النسخ والصحف الحديثية : كتاب في 299 صفحة طبع في 1412هـ جعل مؤلفه أحد علوم الحديث والمراد بها الأوراق المشتملة على حديث فأكثر ينتظمها إسناد واحد فإن تعدد السند فهو الجزء أو أحاديث فلان. أراد الشيخ جمع ما وقف عليه منها والدلالة عليها مع معرفة حكمها من صحة أو ضعف أو وضع على سبيل الإجمال وجعل بين يدي ذلك مباحث سبعة مهمة: 1- تاريخ تدوينها. 2- غاية هذا النوع وثمرته. 3- معارف عامة عنها حقيقتها ونظامها الخ. 4- جهود المتقدمين في معرفة النسخ. 5- جهود المعاصرين. 6- كيفية الرواية لها ومنها. 7- مراتبها الحكيمة.

    الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169194

    التحميل:

  • الفوز الكبير في الجمع بين قراءتي عاصم وابن كثير

    الفوز الكبير في الجمع بين قراءتي عاصم وابن كثير: المذكرة جَمَعَت بين قراءة عاصم بن أبي النَّـجود الكوفي بروايتي شعبة بن عياش وحفص بن سليمان، وقراءة عبد الله بن كثير المكي بروايتي البزي وقنبل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2066

    التحميل:

  • وسيلة الحصول إلى مهمات الأصول

    وسيلة الحصول إلى مهمات الأصول: منظومة شعرية في علم أصول الفقه، كتبها فضيلة الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2479

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة