Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 79

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) (آل عمران) mp3
" مَا كَانَ " مَعْنَاهُ مَا يَنْبَغِي ; كَمَا قَالَ : " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأ " [ النِّسَاء : 92 ] و " مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ مِنْ وَلَد " [ مَرْيَم : 35 ] . و " مَا يَكُون لَنَا أَنْ نَتَكَلَّم بِهَذَا " [ النُّور : 16 ] يَعْنِي مَا يَنْبَغِي . وَالْبَشَر يَقَع لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْع لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَر ; وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا عِيسَى فِي قَوْل الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ . وَالْكِتَاب : الْقُرْآن . وَالْحُكْم : الْعِلْم وَالْفَهْم . وَقِيلَ أَيْضًا : الْأَحْكَام . أَيْ إِنَّ اللَّه لَا يَصْطَفِي لِنُبُوَّتِهِ الْكَذَبَة , وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَشَر لَسَلَبَهُ اللَّه آيَات النُّبُوَّة وَعَلَامَاتهَا .



وَنَصَبَ " ثُمَّ يَقُول " عَلَى الِاشْتِرَاك بَيْنَ " أَنْ يُؤْتِيه " وَبَيْنَ " يَقُول " أَيْ لَا يَجْتَمِع لِنَبِيٍّ إِتْيَان النُّبُوَّة


أَيْ وَلَكِنْ جَائِز أَنْ يَكُون النَّبِيّ يَقُول لَهُمْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ . وَهَذِهِ الْآيَة قِيلَ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَان . وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ السُّورَة كُلّهَا إِلَى قَوْله " وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك " [ آل عِمْرَان : 121 ] كَانَ سَبَب نُزُولهَا نَصَارَى نَجْرَان وَلَكِنْ مَزَجَ مَعَهُمْ الْيَهُود ; لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مِنْ الْجَحْد وَالْعِنَاد فِعْلهمْ .

وَالرَّبَّانِيُّونَ وَاحِدهمْ رَبَّانِيّ مَنْسُوب إِلَى الرَّبّ . وَالرَّبَّانِيّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاس بِصِغَارِ الْعِلْم قَبْل كِبَاره ; وَكَأَنَّهُ يَقْتَدِي بِالرَّبِّ سُبْحَانه فِي تَيْسِير الْأُمُور ; رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس . قَالَ بَعْضهمْ : كَانَ فِي الْأَصْل رَبِّي فَأُدْخِلَتْ الْأَلِف وَالنُّون لِلْمُبَالَغَةِ ; كَمَا يُقَال لِلْعَظِيمِ اللِّحْيَة : لِحْيَانِيّ وَلِعَظِيمِ الْجُمَّة جُمَّانِيّ وَلِغَلِيظِ الرَّقَبَة رَقَبَانِيّ . وَقَالَ الْمُبَرِّد : الرَّبَّانِيُّونَ أَرْبَاب الْعِلْم , وَاحِدهمْ رَبَّانِ , مِنْ قَوْلهمْ : رَبَّهُ يَرُبّهُ فَهُوَ رَبَّان إِذَا دَبَّرَهُ وَأَصْلَحَهُ ; فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا يُدَبِّرُونَ أُمُور النَّاس وَيُصْلِحُونَهَا . وَالْأَلِف وَالنُّون لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا قَالُوا رَيَّان وَعَطْشَان , ثُمَّ ضُمَّتْ إِلَيْهَا يَاء النِّسْبَة كَمَا قِيلَ : لِحْيَانِيّ وَرَقَبَانِيّ وَجُمَّانِيّ . قَالَ الشَّاعِر : لَوْ كُنْت مُرْتَهَنًا فِي الْجَوّ أَنْزَلَنِي مِنْهُ الْحَدِيث وَرَبَّانِيّ أَحْبَارِي فَمَعْنَى الرَّبَّانِيّ الْعَالِم بِدِينِ الرَّبّ الَّذِي يَعْمَل بِعِلْمِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْمَل بِعِلْمِهِ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْبَقَرَة : وَقَالَ أَبُو رَزِين : الرَّبَّانِيّ هُوَ الْعَالِم الْحَكِيم . وَرَوَى شُعْبَة عَنْ عَاصِم عَنْ زِرّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود " وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ " قَالَ : حُكَمَاء عُلَمَاء . اِبْن جُبَيْر : حُكَمَاء أَتْقِيَاء . وَقَالَ الضَّحَّاك : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدَع حِفْظ الْقُرْآن جَهْده فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ " . وَقَالَ اِبْن زَيْد : الرَّبَّانِيُّونَ الْوُلَاة , وَالْأَحْبَار الْعُلَمَاء . وَقَالَ مُجَاهِد : الرَّبَّانِيُّونَ فَوْق الْأَحْبَار . قَالَ النَّحَّاس : وَهُوَ قَوْل حَسَن ; لِأَنَّ الْأَحْبَار هُمْ الْعُلَمَاء . وَالرَّبَّانِيّ الَّذِي يَجْمَع إِلَى الْعِلْم الْبَصَر بِالسِّيَاسَةِ ; مَأْخُوذ مِنْ قَوْل الْعَرَب : رَبَّ أَمْر النَّاس يَرُبّهُ إِذَا أَصْلَحَهُ وَقَامَ بِهِ , فَهُوَ رَابّ وَرَبَّانِيّ عَلَى التَّكْثِير . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : سَمِعْت عَالِمًا يَقُول : الرَّبَّانِيّ الْعَالِم بِالْحَلَالِ وَالْحَرَام وَالْأَمْر وَالنَّهْي , الْعَارِف بِأَنْبَاءِ الْأُمَّة وَمَا كَانَ وَمَا يَكُون . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة يَوْم مَاتَ أَبِي عَبَّاس : الْيَوْم مَاتَ رَبَّانِيّ هَذِهِ الْأُمَّة . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا مِنْ مُؤْمِن ذَكَر وَلَا أُنْثَى حُرّ وَلَا مَمْلُوك إِلَّا وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ حَقّ أَنْ يَتَعَلَّم مِنْ الْقُرْآن وَيَتَفَقَّه فِي دِينه - ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة - " وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ " الْآيَة . رَوَاهُ اِبْن عَبَّاس .


قَرَأَهُ أَبُو عَمْرو وَأَهْل الْمَدِينَة بِالتَّخْفِيفِ مِنْ الْعِلْم . وَاخْتَارَ هَذِهِ الْقِرَاءَة أَبُو حَاتِم . قَالَ أَبُو عَمْرو : وَتَصْدِيقهَا " تَدْرُسُونَ " وَلَمْ يَقُلْ " تُدَرِّسُونَ " بِالتَّشْدِيدِ مِنْ التَّدْرِيس . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَأَهْل الْكُوفَة " تُعَلِّمُونَ " بِالتَّشْدِيدِ مِنْ التَّعْلِيم ; وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْد . قَالَ : لِأَنَّهَا تَجْمَع الْمَعْنَيَيْنِ " تَعْلَمُونَ , وَتَدْرُسُونَ " . قَالَ مَكِّيّ : التَّشْدِيد أَبْلَغ , لِأَنَّ كُلّ مُعَلِّم عَالِم بِمَعْنَى يَعْلَم وَلَيْسَ كُلّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا مُعَلِّمًا , فَالتَّشْدِيد يَدُلّ عَلَى الْعِلْم وَالتَّعْلِيم , وَالتَّخْفِيف إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى الْعِلْم فَقَطْ , فَالتَّعْلِيم أَبْلَغ وَأَمْدَح وَغَيْره أَبْلَغ فِي الذَّمّ . اِحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ قِرَاءَة التَّخْفِيف بِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود " كُونُوا رَبَّانِيِّينَ " قَالَ : حُكَمَاء عُلَمَاء ; فَيَبْعُد أَنْ يُقَال كُونُوا فُقَهَاء حُكَمَاء عُلَمَاء بِتَعْلِيمِكُمْ . قَالَ الْحَسَن كُونُوا حُكَمَاء عُلَمَاء بِعِلْمِكُمْ . وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة " تُدْرِسُونَ " مِنْ أَدْرَسَ يُدْرِس . وَقَرَأَ مُجَاهِد " تَعَلَّمُونَ " بِفَتْحِ التَّاء وَتَشْدِيد اللَّام , أَيْ تَتَعَلَّمُونَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

    حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية: هذا البحث نال جائزة الأمير نايف بن عبد العزيز في مسابقته العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90728

    التحميل:

  • شرح المنظومة الحائية في عقيدة أهل السنة والجماعة

    المنظومة الحائية : هي قصيدة في العقيدة وأصول الدين، نظمها الإمام المحقق والحافظ المتقن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف - رحمهما الله -. وهي منظومة شائعة الذكر، رفيعة الشأن، عذبة الألفاظ، سهلة الحفظ، لها مكانة عالية ومنزلة رفيعة عند أهل العلم في قديم الزمان وحديثه. وقد تواتر نقلها عن ابن أبي داود - رحمة الله - فقد رواها عنه غير واحد من أهل العلم كالآجري، وابن بطة، وابن شاهين وغيرهم، وثلاثتهم من تلاميذ الناظم، وتناولها غير واحد من أهل العلم بالشرح. والمنظومة تحتوي على بضع وثلاثين أو أربعين بيتاً، ينتهي كل بيت منها بحرف الحاء. - قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في النونية: وكذا الإمام ابن الإمام المرتضى ..... حقا أبي داود ذي العرفان تصنيفه نظماً ونثراً واضح ..... في السنة المثلى هما نجمان

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233543

    التحميل:

  • بينات الرسالة

    بينات الرسالة: من حكمة الله البالغة أن جعل بيِّنة كل رسول متناسبة مع قومه الذين أُرسِل إليهم لتكون الحُجَّة أظهر والبيِّنة أوضح وأبيَن، وقد أعطى الله تعالى كل نبيٍّ من أنبيائه العديدَ من الآيات والبينات التي يؤمن بها أقوامهم، وكل هذه الآيات لا يُعرف منها شيءٌ من بعد رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - إلا ما ذكره الله في القرآن عنها; وبيَّنها رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أما معجزات نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فهي باقية إلى قيام الساعة، وأعظمُها قدرًا وأعلاها منزلةً: القرآن الكريم. وفي هذه الصفحات بيان صدق هذه المعجزة وعظمتها وأهميتها عند المسلمين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339050

    التحميل:

  • رسالة إلى القضاة

    رسالة تحتوي على بعض النصائح والتوجيهات للقضاة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334998

    التحميل:

  • الثبات

    الثبات: رسالةٌ تتحدَّث عن الثبات في الدين على ضوء الكتاب والسنة.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333191

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة