Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 47

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) (آل عمران) mp3
أَيْ يَا سَيِّدِي . تُخَاطِب جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ; لِأَنَّهُ لَمَّا تَمَثَّلَ لَهَا قَالَ لَهَا : إِنَّمَا أَنَا رَسُول رَبّك لِيَهَب لَك غُلَامًا زَكِيًّا . فَلَمَّا سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ قَوْله اِسْتَفْهَمَتْ عَنْ طَرِيق الْوَلَد فَقَالَتْ : أَنَّى يَكُون لِي وَلَد وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر ؟ أَيْ بِنِكَاحٍ . فِي سُورَتهَا " وَلَمْ أَكُ بَغْيًا " [ مَرْيَم : 20 ]



ذَكَرَتْ هَذَا تَأْكِيدًا ; لِأَنَّ قَوْلهَا " لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر " يَشْمَل الْحَرَام وَالْحَلَال . تَقُول : الْعَادَة الْجَارِيَة الَّتِي أَجْرَاهَا اللَّه فِي خَلْقه أَنَّ الْوَلَد لَا يَكُون إِلَّا عَنْ نِكَاح أَوْ سِفَاح . وَقِيلَ : مَا اِسْتَبْعَدَتْ مِنْ قُدْرَة اللَّه تَعَالَى شَيْئًا , وَلَكِنْ أَرَادَتْ كَيْفَ يَكُون هَذَا الْوَلَد : أَمِنْ قِبَل زَوْج فِي الْمُسْتَقْبَل أَمْ يَخْلُقهُ اللَّه اِبْتِدَاء ؟



فَرُوِيَ أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ قَالَ لَهَا : " كَذَلِكَ اللَّه يَخْلُق مَا يَشَاء " قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبّك هُوَ عَلَيَّ هَيِّن " [ مَرْيَم : 9 ] . نَفَخَ فِي جَيْب دِرْعهَا وَكُمّهَا ; قَالَ اِبْن جُرَيْج . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَخَذَ جِبْرِيل رُدْن قَمِيصهَا بِأُصْبُعِهِ فَنَفَخَ فِيهِ فَحَمَلَتْ مِنْ سَاعَتهَا بِعِيسَى . وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَتهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ بَعْضهمْ : وَقَعَ نَفْخ جِبْرِيل فِي رَحِمهَا فَعَلِقَتْ بِذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْخَلْق مِنْ نَفْخ جِبْرِيل لِأَنَّهُ يَصِير الْوَلَد بَعْضه مِنْ الْمَلَائِكَة وَبَعْضه مِنْ الْإِنْس , وَلَكِنَّ سَبَب ذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَم وَأَخَذَ الْمِيثَاق مِنْ ذُرِّيَّته فَجَعَلَ بَعْض الْمَاء فِي أَصْلَاب الْآبَاء وَبَعْضه فِي أَرْحَام الْأُمَّهَات فَإِذَا اِجْتَمَعَ الْمَاءَانِ صَارَا وَلَدًا , وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ الْمَاءَيْنِ جَمِيعًا فِي مَرْيَم بَعْضه فِي رَحِمهَا وَبَعْضه فِي صُلْبهَا , فَنَفَخَ فِيهِ جِبْرِيل لِتَهِيجَ شَهْوَتهَا ; لِأَنَّ الْمَرْأَة مَا لَمْ تَهِجْ شَهْوَتهَا لَا تَحْبَل , فَلَمَّا هَاجَتْ شَهْوَتهَا بِنَفْخِ جِبْرِيل وَقَعَ الْمَاء الَّذِي كَانَ فِي صُلْبهَا فِي رَحِمهَا فَاخْتَلَطَ الْمَاءَانِ فَعَلِقَتْ بِذَلِكَ ;



يَعْنِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُق خَلْقًا



قِيلَ : الْكَاف مِنْ كَيْنُونه , وَالنُّون مِنْ نُوره ; وَهِيَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّات مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ ) . وَيُرْوَى : ( بِكَلِمَةِ اللَّه التَّامَّة ) عَلَى الْإِفْرَاد . فَالْجَمْع لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَة فِي الْأُمُور كُلّهَا , فَإِذَا قَالَ لِكُلِّ أَمْر كُنْ , وَلِكُلِّ شَيْء كُنْ , فَهُنَّ كَلِمَات . يَدُلّ عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُحْكَى عَنْ اللَّه تَعَالَى : ( عَطَائِي كَلَام وَعَذَابِي كَلَام ) . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث فِيهِ طُول . وَالْكَلِمَة عَلَى الْإِفْرَاد بِمَعْنَى الْكَلِمَات أَيْضًا ; لَكِنْ لَمَّا تَفَرَّقَتْ الْكَلِمَة الْوَاحِدَة فِي الْأُمُور فِي الْأَوْقَات صَارَتْ كَلِمَات وَمَرْجِعهنَّ إِلَى كَلِمَة وَاحِدَة . وَإِنَّمَا قِيلَ " تَامَّة " لِأَنَّ أَقَلّ الْكَلَام عِنْد أَهْل اللُّغَة عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف : حَرْف مُبْتَدَأ , وَحَرْف تُحْشَى بِهِ الْكَلِمَة , وَحَرْف يُسْكَت عَلَيْهِ . وَإِذَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ فَهُوَ عِنْدهمْ مَنْقُوص , كَيَدٍ وَدَم وَفَم ; وَإِنَّمَا نَقَصَ لِعِلَّةٍ . فَهِيَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ الْمَنْقُوصَات لِأَنَّهَا عَلَى حَرْفَيْنِ ; وَلِأَنَّهَا كَلِمَة مَلْفُوظَة بِالْأَدَوَاتِ . وَمِنْ رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَامَّة ; لِأَنَّهَا بِغَيْرِ الْأَدَوَات , تَعَالَى عَنْ شَبَه الْمَخْلُوقِينَ .



قُرِئَ بِرَفْعِ النُّون عَلَى الِاسْتِئْنَاف . قَالَ سِيبَوَيْهِ . فَهُوَ يَكُون , أَوْ فَإِنَّهُ يَكُون . وَقَالَ غَيْره : هُوَ مَعْطُوف عَلَى " يَقُول " ; فَعَلَى الْأَوَّل كَائِنًا بَعْد الْأَمْر , وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُود إِذَا هُوَ عِنْده مَعْلُوم ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَعَلَى الثَّانِي كَائِنًا مَعَ الْأَمْر ; وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ وَقَالَ : أَمْره لِلشَّيْءِ " بِكُنْ " لَا يَتَقَدَّم الْوُجُود وَلَا يَتَأَخَّر عَنْهُ ; فَلَا يَكُون الشَّيْء مَأْمُورًا بِالْوُجُودِ إِلَّا وَهُوَ مَوْجُود بِالْأَمْرِ , وَلَا مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ مَأْمُور بِالْوُجُودِ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . قَالَ : وَنَظِيره قِيَام النَّاس مِنْ قُبُورهمْ لَا يَتَقَدَّم دُعَاء اللَّه وَلَا يَتَأَخَّر عَنْهُ ; كَمَا قَالَ " ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ " [ الرُّوم : 25 ] . وَضَعَّفَ اِبْن عَطِيَّة هَذَا الْقَوْل وَقَالَ : هُوَ خَطَأ مِنْ جِهَة الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْل مَعَ التَّكْوِين وَالْوُجُود . وَتَلْخِيص الْمُعْتَقَد فِي هَذِهِ الْآيَة : أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَزَلْ آمِرًا لِلْمَعْدُومَاتِ بِشَرْطِ وُجُودهَا , قَادِرًا مَعَ تَأَخُّر الْمَقْدُورَات , عَالِمًا مَعَ تَأَخُّر الْمَعْلُومَات . فَكُلّ مَا فِي الْآيَة يَقْتَضِي الِاسْتِقْبَال فَهُوَ بِحَسْب الْمَأْمُورَات ; إِذْ الْمُحْدَثَات تَجِيء بَعْد أَنْ لَمْ تَكُنْ . وَكُلّ مَا يُسْنَد إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ قُدْرَة وَعِلْم فَهُوَ قَدِيم وَلَمْ يَزَلْ . وَالْمَعْنَى الَّذِي تَقْتَضِيه عِبَارَة " كُنْ " : هُوَ قَدِيم قَائِم بِالذَّاتِ . وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْمَاوَرْدِيّ فَإِنْ قِيلَ : فَفِي أَيّ حَال يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون ؟ أَفِي حَال عَدَمه , أَمْ فِي حَال وُجُوده ؟ فَإِنْ كَانَ فِي حَال عَدَمه اِسْتَحَالَ أَنْ يَأْمُر إِلَّا مَأْمُورًا ; كَمَا يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون الْأَمْر إِلَّا مِنْ آمِر ; وَإِنْ كَانَ فِي حَال وُجُوده فَتِلْكَ حَال لَا يَجُوز أَنْ يَأْمُر فِيهَا بِالْوُجُودِ وَالْحُدُوث ; لِأَنَّهُ مَوْجُود حَادِث ؟ قِيلَ عَنْ هَذَا السُّؤَال أَجْوِبَة ثَلَاثَة : أَحَدهَا أَنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ نُفُوذ أَوَامِره فِي خَلْقه الْمَوْجُود , كَمَا أَمَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَكُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ ; وَلَا يَكُون هَذَا وَارِدًا فِي إِيجَاد الْمَعْدُومَات . الثَّانِي أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَالِم هُوَ كَائِن قَبْل كَوْنه ; فَكَانَتْ الْأَشْيَاء الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَهِيَ كَائِنَة بِعِلْمِهِ قَبْل كَوْنهَا مُشَابَهَة لِلَّتِي هِيَ مَوْجُودَة ; فَجَازَ أَنْ يَقُول لَهَا : كُونِي . وَيَأْمُرهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ حَال الْعَدَم إِلَى حَال الْوُجُود ; لِتَصَوُّرِ جَمِيعهَا لَهُ وَلِعِلْمِهِ بِهَا فِي حَال الْعَدَم . الثَّالِث : إِنَّ ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى عَامّ عَنْ جَمِيع مَا يُحْدِثهُ وَيُكَوِّنهُ إِذَا أَرَادَ خَلْقه وَإِنْشَاءَهُ كَانَ , وَوُجِدَ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون هُنَاكَ قَوْل يَقُول , وَإِنَّمَا هُوَ قَضَاء يُرِيدهُ ; فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا ; كَقَوْلِ أَبِي النَّجْم : قَدْ قَالَتْ الِاتِّسَاع لِلْبَطْنِ اُلْحِقَ وَلَا قَوْل هُنَاكَ , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الظَّهْر قَدْ لَحِقَ بِالْبَطْنِ , وَكَقَوْلِ عَمْرو بْن حُمَمَة الدَّوْسِيّ : فَأَصْبَحْت مِثْل النِّسْر طَارَتْ فِرَاخه إِذَا رَامَ تَطَايُرًا يُقَال لَهُ قَعْ وَكَمَا قَالَ الْآخَر : قَالَتْ جَنَاحَاهُ لِسَاقَيْهِ اِلْحَقَا وَنَجِّيَا لَحْمَكُمَا أَنْ يُمْزَقَا
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • ما لا بد من معرفته عن الإسلام عقيدة وعبادة وأخلاقاً

    هذا الكتاب يحتوي على ما لا بد من معرفته عن الإسلام بأسلوب سهل وموجز في العقيدة والعبادات والآداب والأخلاق وغيرها، ويستطيع القارئ له أن يكون لديه فكرة واضحة عن دين الإسلام، ويصلح أن يكون مرجعاً أوليّاً في أحكامه وآدابه وأوامره ونواهيه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66747

    التحميل:

  • واجبنا نحو الصحابة رضي الله عنهم

    واجبنا نحو الصحابة رضي الله عنهم: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «إن موضوعَ الرسالةِ: «واجبنا نحو الصحابة رضي الله عنهم»، وهو واجبٌ عظيمٌ، ومَطلَبٌ جليلٌ، يجدُرُ بنا جميعًا أن نُرعيه اهتمامنا، وأن نعتنِيَ به غايةَ العناية. وليعلَم القارئُ الكريمُ أن واجبَنا نحو الصحابة جزءٌ من واجبِنا نحو ديننا؛ دينِ الإسلامِ الذي رضِيَه الله لعباده، ولا يقبل منهمُ دينًا سِواه».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381125

    التحميل:

  • الاعتدال في الدعوة

    الاعتدال في الدعوة : محاضرة مفرغة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144938

    التحميل:

  • العالم العابد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم [ حياته وسيرته ومؤلفاته ]

    العالم العابد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم [ حياته وسيرته ومؤلفاته ] : رتبت هذه الرسالة على النحو الآتي: أولاً: عرض لمولده ونشأته. وثانيًا: رحلته في طلب العلم. وثالثًا: حياته العلمية. ورابعًا: حياته العملية وعرض لمؤلفاته مع مقتطفات للتعريف بها. وخامسًا: سجاياه وصفاته وعبادته. وسادسًا: محبة العلماء له. وسابعًا: فوائد من أقواله وكتبه. وثامنًا: وفاته ووصيته. وتاسعًا: ما قيل فيه شعرًا ونثرًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229632

    التحميل:

  • تذكير البشر بخطر الشعوذة والكهانة والسحر

    تضمنت هذه الرسالة بيان كفر الساحر ووجوب قتله كما تضمنت الدلالة والإرشاد إلى العلاج المباح للسحر بالرقية والأدعية والأدوية المباحة، وتحريم علاج السحر بسحر مثله لأنه من عمل الشيطان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209173

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة