Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 42

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) (آل عمران) mp3
أَيْ اِخْتَارَك , وَقَدْ تَقَدَّمَ .



أَيْ مِنْ الْكُفْر ; عَنْ مُجَاهِد وَالْحَسَن . الزَّجَّاج : مِنْ سَائِر الْأَدْنَاس مِنْ الْحَيْض وَالنِّفَاس وَغَيْرهمَا , وَاصْطَفَاك لِوِلَادَةِ عِيسَى .



وَكَرَّرَ الِاصْطِفَاء لِأَنَّ مَعْنَى الْأَوَّل الِاصْطِفَاء لِعِبَادَتِهِ , وَمَعْنَى الثَّانِي لِوِلَادَةِ عِيسَى .



يَعْنِي عَالَمِي زَمَانهَا ; عَنْ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج وَغَيْرهمَا . وَقِيلَ : " عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ " أَجْمَع إِلَى يَوْم الصُّور , وَهُوَ الصَّحِيح عَلَى مَا نُبَيِّنهُ , وَهُوَ قَوْل الزَّجَّاج وَغَيْره . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَمُلَ مِنْ الرِّجَال كَثِير وَلَمْ يَكْمُل مِنْ النِّسَاء غَيْر مَرْيَم بِنْت عِمْرَان وَآسِيَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن وَإِنَّ فَضْل عَائِشَة عَلَى النِّسَاء كَفَضْلِ الثَّرِيد عَلَى سَائِر الطَّعَام ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ : الْكَمَال هُوَ التَّنَاهِي وَالتَّمَام ; وَيُقَال فِي مَاضِيه " كَمُلَ " بِفَتْحِ الْمِيم وَضَمّهَا , وَيَكْمُل فِي مُضَارِعه بِالضَّمِّ , وَكَمَال كُلّ شَيْء بِحَسْبِهِ . وَالْكَمَال الْمُطْلَق إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى خَاصَّة . وَلَا شَكَّ أَنَّ أَكْمَلَ نَوْع الْإِنْسَان الْأَنْبِيَاء ثُمَّ يَلِيهِمْ الْأَوْلِيَاء مِنْ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْكَمَال الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث يَعْنِي بِهِ النُّبُوَّة فَيَلْزَم عَلَيْهِ أَنْ تَكُون مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام وَآسِيَة نَبِيَّتَيْنِ , وَقَدْ قِيلَ بِذَلِكَ . وَالصَّحِيح أَنَّ مَرْيَم نَبِيَّة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْمَلَك كَمَا أَوْحَى إِلَى سَائِر النَّبِيِّينَ حَسْب مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي بَيَانه أَيْضًا فِي " مَرْيَم " . وَأَمَّا آسِيَة فَلَمْ يَرِد مَا يَدُلّ عَلَى نُبُوَّتهَا دَلَالَة وَاضِحَة بَلْ عَلَى صِدِّيقِيَّتهَا وَفَضْلهَا , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " التَّحْرِيم " . وَرُوِيَ مِنْ طُرُق صَحِيحَة أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَة : ( خَيْر نِسَاء الْعَالَمِينَ أَرْبَع مَرْيَم بِنْت عِمْرَان وَآسِيَة بِنْت مُزَاحِم اِمْرَأَة فِرْعَوْن وَخَدِيجَة بِنْت خُوَيْلِد وَفَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد ) . وَمِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة خَدِيجَة بِنْت خُوَيْلِد وَفَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد وَمَرْيَم بِنْت عِمْرَان وَآسِيَة بِنْت مُزَاحِم اِمْرَأَة فِرْعَوْن ) . وَفِي طَرِيق آخَر عَنْهُ : ( سَيِّدَة نِسَاء أَهْل الْجَنَّة بَعْد مَرْيَم فَاطِمَة وَخَدِيجَة ) . فَظَاهِر الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث يَقْتَضِي أَنَّ مَرْيَم أَفْضَل مِنْ جَمِيع نِسَاء الْعَالَم مِنْ حَوَّاء إِلَى آخِر اِمْرَأَة تَقُوم عَلَيْهَا السَّاعَة ; فَإِنَّ الْمَلَائِكَة قَدْ بَلَّغَتْهَا الْوَحْي عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّكْلِيفِ وَالْإِخْبَار وَالْبِشَارَة كَمَا بَلَّغَتْ سَائِر الْأَنْبِيَاء ; فَهِيَ إِذًا نَبِيَّة وَالنَّبِيّ أَفْضَل مِنْ الْوَلِيّ فَهِيَ أَفْضَل مِنْ كُلّ النِّسَاء : الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مُطْلَقًا . ثُمَّ بَعْدهَا فِي الْفَضِيلَة فَاطِمَة ثُمَّ خَدِيجَة ثُمَّ آسِيَة . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ كُرَيْب عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَيِّدَة نِسَاء الْعَالَمِينَ مَرْيَم ثُمَّ فَاطِمَة ثُمَّ خَدِيجَة ثُمَّ آسِيَة ) . وَهَذَا حَدِيث حَسَن يَرْفَع الْإِشْكَال . وَقَدْ خَصَّ اللَّه مَرْيَم بِمَا لَمْ يُؤْتِهِ أَحَدًا مِنْ النِّسَاء ; وَذَلِكَ أَنَّ رُوح الْقُدُس كَلَّمَهَا وَظَهَرَ لَهَا وَنَفَخَ فِي دِرْعهَا وَدَنَا مِنْهَا لِلنَّفْخَةِ ; فَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ النِّسَاء . وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبّهَا وَلَمْ تَسْأَل آيَة عِنْدَمَا بُشِّرَتْ كَمَا سَأَلَ زَكَرِيَّا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْآيَة ; وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا اللَّه فِي تَنْزِيله صِدِّيقَة فَقَالَ : " وَأُمّه صِدِّيقَة " [ الْمَائِدَة : 75 ] . وَقَالَ : " وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبّهَا وَكُتُبه وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ " [ التَّحْرِيم : 12 ] فَشَهِدَ لَهَا بِالصِّدِّيقِيَّة وَشَهِدَ لَهَا بِالتَّصْدِيقِ لِكَلِمَاتِ الْبُشْرَى وَشَهِدَ لَهَا بِالْقُنُوتِ . وَإِنَّمَا بُشِّرَ زَكَرِيَّا بِغُلَامٍ فَلَحَظَ إِلَى كِبَر سِنّه وَعَقَامَة رَحِم اِمْرَأَته فَقَالَ : أَنَّى يَكُون لِي غُلَام وَامْرَأَتِي عَاقِر ; فَسَأَلَ آيَة ; وَبُشِّرَتْ مَرْيَم بِالْغُلَامِ فَلَحَظَتْ أَنَّهَا بِكْر وَلَمْ يَمْسَسْهَا بَشَر فَقِيلَ لَهَا : " كَذَلِكَ قَالَ رَبّك " [ مَرْيَم : 21 ] فَاقْتَصَرَتْ عَلَى ذَلِكَ , وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبّهَا وَلَمْ تَسْأَل آيَة مِمَّنْ يَعْلَم كُنْهُ هَذَا الْأَمْر , وَمَنْ لِامْرَأَةٍ فِي جَمِيع نِسَاء الْعَالَمِينَ مِنْ بَنَات آدَم مَا لَهَا مِنْ هَذِهِ الْمَنَاقِب . وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّهَا سَبَقَتْ السَّابِقِينَ مَعَ الرُّسُل إِلَى الْجَنَّة ; جَاءَ فِي الْخَبَر عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ أَقْسَمْت لَبَرَرْت لَا يَدْخُل الْجَنَّة قَبْل سَابِقِي أُمَّتِي إِلَّا بِضْعَة عَشَر رَجُلًا مِنْهُمْ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط وَمُوسَى وَعِيسَى وَمَرْيَم اِبْنَة عِمْرَان ) . وَقَدْ كَانَ يَحِقّ عَلَى مَنْ اِنْتَحَلَ عِلْم الظَّاهِر وَاسْتَدَلَّ بِالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَة عَلَى الْأَشْيَاء الْبَاطِنَة أَنْ يَعْرِف قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم وَلَا فَخْر ) وَقَوْله حَيْثُ يَقُول : ( لِوَاء الْحَمْد يَوْم الْقِيَامَة بِيَدِي وَمَفَاتِيح الْكَرَم بِيَدِي وَأَنَا أَوَّل خَطِيب وَأَوَّل شَفِيع وَأَوَّل مُبَشِّر وَأَوَّل وَأَوَّل ) . فَلَمْ يَنَلْ هَذَا السُّؤْدُد فِي الدُّنْيَا عَلَى الرُّسُل إِلَّا لِأَمْرٍ عَظِيم فِي الْبَاطِن . وَكَذَلِكَ شَأْن مَرْيَم لَمْ تَنَلْ شَهَادَة اللَّه فِي التَّنْزِيل بِالصِّدِّيقِيَّة وَالتَّصْدِيق بِالْكَلِمَاتِ إِلَّا لِمَرْتَبَةٍ قَرِيبَة دَانِيَة . وَمَنْ قَالَ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّة قَالَ : إِنَّ رُؤْيَتهَا لِلْمَلَكِ كَمَا رُئِيَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي صِفَة دِحْيَة الْكَلْبِيّ حِينَ سُؤَاله عَنْ الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَلَمْ تَكُنْ الصَّحَابَة بِذَلِكَ أَنْبِيَاء وَالْأَوَّل أَظْهَر وَعَلَيْهِ الْأَكْثَر . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إني رزقت حبها [ السيرة العطرة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ]

    إني رزقت حبها [ السيرة العطرة لأم المؤمنين خديجة ]: يعرِض المؤلِّف في هذا الكتاب بعض جوانب العظمة في سيرة أم المؤمنين السيدة خديجة - رضي الله عنها -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260214

    التحميل:

  • فتاوى في التوحيد

    فتاوى متنوعة في التوحيد للشيخ الجبرين - رحمه الله - قام بجمعها الشيخ حمد بن إبراهيم الحريقي - جزاه الله خيرًا -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260337

    التحميل:

  • تدبر القرآن

    تدبر القرآن : محاضرة مفرغة تحتوي على عدة عناصر وهي: تعلم القرآن وتعليمه، تلاوة القرآن عبادة، التدبر والتفكر في معاني القرآن وأسراره، العمل بالقرآن، صيانة القرآن عن تفسيره بغير علم، أسئلة وأجوبة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314800

    التحميل:

  • العلماء هم الدعاة

    العلماء هم الدعاة: رسالة في بيان مفهوم العلماء وسماتهم، ومفهوم الدعوة والدعاة، ومدى ارتباط الدعوة بالعلم وملازمتها له؛ فلا يصلح عالمٌ بلا دعوة، ولا دعوةٌ بلا علم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1956

    التحميل:

  • النحو الواضح في قواعد اللغة العربية

    النحو الواضح في قواعد اللغة العربية: قال المؤلفان: « .. وقد نحونا في هذا الكتاب طريقة الاستنباط التي هي أكثر طرق التعليم قربًا إلى عقول الأطفال، وأثبتها أثرًا في نفوسهم، وأقربها إلى المنطق؛ لأنها خيرُ دافعٍ إلى التفكير والبحث، وتعرّف وجوه المُشابهة والمُخالفة بين الأشباه والأضداد؛ فقد أكثرنا من الأمثلة التي تستنبط منها القواعد، على طرازٍ حديثٍ لم يسبق له مثال .. ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371026

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة