Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 41

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) (آل عمران) mp3
" جَعَلَ " هُنَا بِمَعْنَى صَيَّرَ لِتَعَدِّيهِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ . و " لِي " فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي . وَلَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ وَلَمْ يَبْعُد عِنْده هَذَا فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى طَلَب آيَة - أَيْ عَلَامَة - يَعْرِف بِهَا صِحَّة هَذَا الْأَمْر وَكَوْنه مِنْ عِنْد اللَّه تَعَالَى ; فَعَاقَبَهُ اللَّه تَعَالَى بِأَنْ أَصَابَهُ السُّكُوت عَنْ كَلَام النَّاس لِسُؤَالِ الْآيَة بَعْد مُشَافَهَة الْمَلَائِكَة إِيَّاهُ ; قَالَ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَرَض خَرَس أَوْ نَحْوه فَفِيهِ عَلَى كُلّ حَال عِقَاب مَا . قَالَ اِبْن زَيْد : إِنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا حَمَلَتْ زَوْجه مِنْهُ بِيَحْيَى أَصْبَحَ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُكَلِّم أَحَدًا , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقْرَأ التَّوْرَاة وَيَذْكُر اللَّه تَعَالَى ; فَإِذَا أَرَادَ مُقَاوَلَة أَحَد لَمْ يُطِقْهُ . الثَّانِيَة : " قَالَ آيَتك أَلَّا تَكَلَّمَ النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا " الرَّمْز فِي اللُّغَة الْإِيمَاء بِالشَّفَتَيْنِ , وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْإِيمَاء بِالْحَاجِبَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْيَدَيْنِ ; وَأَصْله الْحَرَكَة . وَقِيلَ : طَلَب , تِلْكَ الْآيَة زِيَادَة طُمَأْنِينَة . الْمَعْنَى : تَمِّمْ النِّعْمَة بِأَنْ تَجْعَل لِي آيَة , وَتَكُون تِلْكَ الْآيَة زِيَادَة نِعْمَة وَكَرَامَة ; فَقِيلَ لَهُ : " آيَتك أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام " أَيْ تَمْنَع مِنْ الْكَلَام ثَلَاث لَيَالٍ ; دَلِيل هَذَا الْقَوْل قَوْله تَعَالَى بَعْد بُشْرَى الْمَلَائِكَة لَهُ . " وَقَدْ خَلَقْتُك مِنْ قَبْل وَلَمْ تَكُ شَيْئًا " [ مَرْيَم : 9 ] أَيْ أَوْجَدْتُك بِقُدْرَتِي فَكَذَلِكَ أُوجِد لَك الْوَلَد . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس وَقَالَ : قَوْل قَتَادَة إِنَّ زَكَرِيَّا عُوقِبَ بِتَرْكِ الْكَلَام قَوْل مَرْغُوب عَنْهُ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُخْبِرنَا أَنَّهُ أَذْنَبَ وَلَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ هَذَا ; وَالْقَوْل فِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى اِجْعَلْ لِي عَلَامَة تَدُلّ عَلَى كَوْن الْوَلَد , إِذْ كَانَ ذَلِكَ مُغَيَّبًا عَنِّي . و " رَمْزًا " نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع ; قَالَهُ الْأَخْفَش . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : رَمَزَ يَرْمِز وَيَرْمُز . وَقُرِئَ " إِلَّا رَمْزًا " بِفَتْحِ الْمِيم و " رُمُزًا " بِضَمِّهَا وَضَمّ الرَّاء , الْوَاحِدَة رَمْزَة .

الثَّالِثَة : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْإِشَارَة تَنْزِل مَنْزِلَة الْكَلَام وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كَثِير مِنْ السُّنَّة , وَآكَدُ الْإِشَارَات مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْر السَّوْدَاء حِينَ قَالَ لَهَا : ( أَيْنَ اللَّه ) ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاء فَقَالَ : ( أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَة ) . فَأَجَازَ الْإِسْلَام بِالْإِشَارَةِ الَّذِي هُوَ أَصْل الدِّيَانَة الَّذِي يُحْرِز الدَّم وَالْمَال وَتُسْتَحَقّ بِهِ الْجَنَّة وَيُنَجَّى بِهِ مِنْ النَّار , وَحُكِمَ بِإِيمَانِهَا كَمَا يُحْكَم بِنُطْقِ مَنْ يَقُول ذَلِكَ ; فَيَجِب أَنْ تَكُون الْإِشَارَة عَامِلَة فِي سَائِر الدِّيَانَة , وَهُوَ قَوْل عَامَّة الْفُقَهَاء . وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّ الْأَخْرَس إِذَا أَشَارَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يَلْزَمهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الرَّجُل يَمْرَض فَيَخْتَلّ لِسَانه فَهُوَ كَالْأَخْرَسِ فِي الرَّجْعَة وَالطَّلَاق . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : ذَلِكَ جَائِز إِذَا كَانَتْ إِشَارَته تُعْرَف , وَإِنْ شَكَّ فِيهَا فَهِيَ بَاطِل , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقِيَاسٍ وَإِنَّمَا هُوَ اِسْتِحْسَان . وَالْقِيَاس فِي هَذَا كُلّه أَنَّهُ بَاطِل ; لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّم وَلَا تُعْقَل إِشَارَته . قَالَ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال : وَإِنَّمَا حَمَلَ أَبَا حَنِيفَة . عَلَى قَوْله هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَعْلَم السُّنَن الَّتِي جَاءَتْ بِجَوَازِ الْإِشَارَات فِي أَحْكَام مُخْتَلِفَة فِي الدِّيَانَة . وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ حَاوَلَ بِتَرْجَمَتِهِ " بَاب الْإِشَارَة فِي الطَّلَاق وَالْأُمُور " الرَّدّ عَلَيْهِ . وَقَالَ عَطَاء : أَرَادَ بِقَوْلِهِ " أَلَّا تُكَلِّم النَّاس " صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام . وَكَانُوا إِذَا صَامُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا رَمْزًا . وَهَذَا فِيهِ بُعْد . وَاَللَّه أَعْلَم .

الرَّابِعَة : قَالَ بَعْض مَنْ يُجِيز نَسْخ الْقُرْآن بِالسُّنَّةِ : إِنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام مَنَعَ الْكَلَام وَهُوَ قَادِر عَلَيْهِ , وَإِنَّهُ مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا صَمَتَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْل ) . وَأَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ , وَأَنَّ زَكَرِيَّا إِنَّمَا مَنَعَ الْكَلَام بِآفَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَنَعَتْهُ إِيَّاهُ , وَتِلْكَ الْآفَة عَدَم الْقُدْرَة عَلَى الْكَلَام مَعَ الصِّحَّة ; كَذَلِكَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ . وَذَهَبَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّهُ ( لَا صَمَتَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْل ) إِنَّمَا مَعْنَاهُ عَنْ ذِكْر اللَّه , وَأَمَّا عَنْ الْهَذَر وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ , فَالصَّمْت عَنْ ذَلِكَ حَسَن .



أَمَرَهُ بِأَلَّا يَتْرُك الذِّكْر فِي نَفْسه مَعَ اِعْتِقَال لِسَانه ; عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل . وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة مَعْنَى الذِّكْر . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : لَوْ رُخِّصَ لِأَحَدٍ فِي تَرْك الذِّكْر لَرُخِّصَ لِزَكَرِيَّا بِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبّك كَثِيرًا " وَلَرُخِّصَ لِلرَّجُلِ يَكُون فِي الْحَرْب بِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا " [ الْأَنْفَال : 45 ] . وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ . " وَسَبِّحْ " أَيْ صَلِّ ; سُمِّيَتْ الصَّلَاة سُبْحَة لِمَا فِيهَا مِنْ تَنْزِيه اللَّه تَعَالَى عَنْ السُّوء . و " الْعَشِيّ " جَمْع عَشِيَّة . وَقِيلَ : هُوَ وَاحِد . وَذَلِكَ مِنْ حِين تَزُول الشَّمْس إِلَى أَنْ تَغِيب ; عَنْ مُجَاهِد . وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ : مَا أَدْرَكْت النَّاس إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْر بِعَشِيٍّ . " وَالْإِبْكَار " مِنْ طُلُوع الْفَجْر إِلَى وَقْت الضُّحَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي

    الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي: رسالة تتضمن البراهين القواطع الدالة على أن الدين الإسلامي وعلومه وأعماله وتوجيهاته جمعت كل خير ورحمة وهداية, وصلاح وإصلاح مطلق لجميع الأحوال, وأن العلوم الكونية والفنون العصرية الصحيحة النافعة داخلة في ضمن علوم الدين, وأعماله ليست منافية لها, كما زعم الجاهلون والماديون.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2133

    التحميل:

  • صفة صاحب الذوق السليم ومسلوب الذوق اللئيم

    صفة صاحب الذوق السليم ومسلوب الذوق اللئيم : يحتوى هذا الكتاب على بيان صفات أولي الألباب وأضدادهم الحائدين عن الصواب‏.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141389

    التحميل:

  • مطوية الدعاء من الكتاب والسنة

    مطوية الدعاء من الكتاب والسنة: فهذه أدعية جامعة نافعة، اختصرها المؤلف - حفظه الله - من كتابه: «الدعاء من الكتاب والسنة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339731

    التحميل:

  • إيقاظ أولي الهمم العالية إلى اغتنام الأوقات الخالية

    إيقاظ أولي الهمم العالية إلى اغتنام الأوقات الخالية: قال المؤلف - رحمه الله -: « فإني قد جمعت بعون الله وتوفيقه في كتابي هذا فوائد ومواعظ ونصائح وحِكًمًا وأحكامًا ووصايا وآدابًا وأخلاقًا فاضلة من كلام الله - جل جلاله وتقدَّسَتْ أسماؤه -، ومن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن كلام أئمة السلف، وصالح الخلف الذي امتثلوا في أفعالهم وأقوالهم ما قاله الله - جل جلاله -، وما قاله رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وجمعت مما قاله الحكماء والعلماء والعباد والزهاد أنواعًا جمة في فنون مختلفة وضروب متفرقة ومعاني مؤتلفة، بذلت في ذلك جُهدي حسب معْرفتي وقُدْرتي ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2695

    التحميل:

  • حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع

    زاد المستقنع في اختصار المقنع: تأليف العلامة الشيخ شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى ابن سالم المقدسي الحجاوي ثم الصالحي الدمشقي الحنبلي المتوفي سنة (960هـ) وقيل (968هـ) - رحمه الله تعالى -. اقتصر فيه على القول الراجح في مذهب الإمام أحمد - رحمه الله -، وحذف ما يندر وقوعه من المسائل مما هو مذكور في أصله الذي هو المقنع، وزاد من الفوائد ما يعتمد على مثله مما ليس في المقنع؛ لذا حرص العلماء على شرحه، ومن هؤلاء العلامة منصور البهوتي في كتابه الروض المربع، وكان شرحه من أحسن شروح الزاد، ونال من الشهرة والمكانة الشيء الكثير؛ وفي هذه الصفحة حاشية عليه للعلامة ابن قاسم - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/70853

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة