Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 39

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39) (آل عمران) mp3
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " فَنَادَاهُ " بِالْأَلِفِ عَلَى التَّذْكِير وَيُمِيلَانِهَا لِأَنَّ أَصْلهَا الْيَاء , وَلِأَنَّهَا رَابِعَة . وَبِالْأَلِفِ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود , وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد . وَرُوِيَ عَنْ جَرِير عَنْ مُغِيرَة عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ : كَانَ عَبْد اللَّه يُذَكِّر الْمَلَائِكَة فِي كُلّ الْقُرْآن . قَالَ أَبُو عُبَيْد : نَرَاهُ اِخْتَارَ ذَلِكَ خِلَافًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه . قَالَ النَّحَّاس : هَذَا اِحْتَاجَ لَا يَحْصُل مِنْهُ شَيْء ; لِأَنَّ الْعَرَب تَقُول : قَالَتْ الرِّجَال , وَقَالَ الرِّجَال , وَكَذَا النِّسَاء , وَكَيْفَ يُحْتَجّ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْآنِ , وَلَوْ جَازَ أَنْ يُحْتَجّ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْآنِ بِهَذَا لَجَازَ أَنْ يَحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة " وَلَكِنَّ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " أَشَهِدُوا خَلْقهمْ " [ الزُّخْرُف : 19 ] أَيْ فَلَمْ يُشَاهِدُوا , فَكَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ إِنَاث فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذَا ظَنّ وَهَوًى . وَأَمَّا " فَنَادَاهُ " فَهُوَ جَائِز عَلَى تَذْكِير الْجَمْع , " وَنَادَتْهُ " عَلَى تَأْنِيث الْجَمَاعَة . قَالَ مَكِّيّ : وَالْمَلَائِكَة مِمَّنْ يُعْقَل فِي التَّكْسِير فَجَرَى فِي التَّأْنِيث مَجْرَى مَا لَا يَعْقِل , تَقُول : هِيَ الرِّجَال , وَهِيَ الْجُذُوع , وَهِيَ الْجِمَال , وَقَالَتْ الْأَعْرَاب . وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْله : " وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة " وَقَدْ ذَكَرَ فِي مَوْضِع آخَر فَقَالَ : " وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُو أَيْدِيهمْ " [ الْأَنْعَام : 93 ] وَهَذَا إِجْمَاع . وَقَالَ تَعَالَى : " وَالْمَلَائِكَة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلّ بَاب " [ الرَّعْد : 23 ] فَتَأْنِيث هَذَا الْجَمْع وَتَذْكِيره حَسَنَان . وَقَالَ السُّدِّيّ : نَادَاهُ جِبْرِيل وَحْده ; وَكَذَا فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود . وَفِي التَّنْزِيل " يُنَزِّل الْمَلَائِكَة بِالرُّوحِ مِنْ أَمْره " يَعْنِي جِبْرِيل , وَالرُّوح الْوَحْي . وَجَائِز فِي الْعَرَبِيَّة أَنْ يُخْبَر عَنْ الْوَاحِد بِلَفْظِ الْجَمْع . وَجَاءَ فِي التَّنْزِيل " الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاس " [ آل عِمْرَان : 173 ] يَعْنِي نُعَيْم بْن مَسْعُود , عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : نَادَاهُ جَمِيع الْمَلَائِكَة , وَهُوَ الْأَظْهَر . أَيْ جَاءَ النِّدَاء مِنْ قَبْلهمْ .



" وَهُوَ قَائِم " اِبْتِدَاء وَخَبَر " يُصَلِّي " فِي مَوْضِع رَفْع , وَإِنْ شِئْت كَانَ نَصْبًا عَلَى الْحَال مِنْ الْمُضْمَر . " أَنَّ اللَّه " أَيْ بِأَنَّ اللَّه . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " إِنَّ " أَيْ قَالَتْ إِنَّ اللَّه ; فَالنِّدَاء بِمَعْنَى الْقَوْل . " يُبَشِّرك " بِالتَّشْدِيدِ قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة . وَقَرَأَ حَمْزَة " يُبَشِّرك " مُخَفَّفًا ; وَكَذَلِكَ حُمَيْد بْن الْقَيْس الْمَكِّيّ إِلَّا أَنَّهُ كَسَرَ الشِّين وَضَمَّ الْيَاء وَخَفَّفَ الْبَاء . قَالَ الْأَخْفَش : هِيَ ثَلَاث لُغَات بِمَعْنًى وَاحِد . دَلِيل الْأُولَى هِيَ قِرَاءَة الْجَمَاعَة أَنَّ مَا فِي الْقُرْآن مِنْ هَذَا مِنْ فِعْل مَاضٍ أَوْ أَمْر فَهُوَ بِالتَّثْقِيلِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَبَشِّرْ عِبَاد " [ الزُّمَر : 17 ] " فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ " [ يس : 11 ] " فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاق " [ هُود : 71 ] " قَالُوا بَشَّرْنَاك بِالْحَقِّ " [ الْحَجَر : 55 ] . وَأَمَّا الثَّانِيَة وَهِيَ قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَهِيَ مِنْ بَشَر يَبْشُر وَهِيَ لُغَة تِهَامَة ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : بَشَرْت عِيَالِي إِذْ رَأَيْت صَحِيفَةً أَتَتْك مِنْ الْحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا وَقَالَ آخَر : وَإِذَا رَأَيْت الْبَاهِشِينَ إِلَى النَّدَى غُبْرًا أَكُفُّهُمُ بِقَاعٍ مُمْحِل فَأَعِنْهُمُ وَابْشَرْ بِمَا بَشِرُوا بِهِ وَإِذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ وَأَمَّا الثَّالِثَة فَهِيَ مِنْ أَبْشَرَ يُبْشِر إِبْشَارًا قَالَ : يَا أُمّ عَمْرو أَبْشِرِي بِالْبُشْرَى مَوْت ذَرِيع وَجَرَاد عَظْلَى



كَانَ اِسْمه فِي الْكِتَاب الْأَوَّل حَيَّا , وَكَانَ اِسْم سَارَة زَوْجَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام يَسَارَة , وَتَفْسِيره بِالْعَرَبِيَّةِ لَا تَلِد , فَلَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاق قِيلَ لَهَا : سَارَة , سَمَّاهَا بِذَلِكَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . فَقَالَتْ : يَا إِبْرَاهِيم لِمَ نَقَصَ مِنْ اِسْمِي حَرْف ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيم ذَلِكَ لِجِبْرِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام . فَقَالَ : ( إِنَّ ذَلِكَ الْحَرْف زِيدَ فِي اِسْم اِبْن لَهَا مِنْ أَفْضَل الْأَنْبِيَاء اِسْمه حَيّ وَسُمِّيَ بِيَحْيَى ) . ذَكَرَهُ النَّقَّاش . وَقَالَ قَتَادَة : سُمِّيَ بِيَحْيَى لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّة . وَقَالَ بَعْضهمْ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَحْيَا بِهِ النَّاس بِالْهُدَى . وَقَالَ مُقَاتِل : اُشْتُقَّ اِسْمه مِنْ اِسْم اللَّه تَعَالَى حَيّ فَسُمِّيَ يَحْيَى . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ أَحْيَا بِهِ رَحِمَ أُمّه .



يَعْنِي عِيسَى فِي قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . وَسُمِّيَ عِيسَى كَلِمَة لِأَنَّهُ كَانَ بِكَلِمَةِ اللَّه تَعَالَى الَّتِي هِيَ " كُنْ " فَكَانَ مِنْ غَيْر أَب . وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّال الْعَدَوِيّ " بِكِلْمَةِ " مَكْسُورَة الْكَاف سَاكِنَة اللَّام فِي جَمِيع الْقُرْآن , وَهِيَ لُغَة فَصِيحَة مِثْل كِتْف وَفَخْذ . وَقِيلَ : سُمِّيَ كَلِمَة لِأَنَّ النَّاس يَهْتَدُونَ بِهِ كَمَا يَهْتَدُونَ بِكَلَامِ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : مَعْنَى " بِكَلِمَةِ مِنْ اللَّه " بِكِتَابِ مِنْ اللَّه . قَالَ : وَالْعَرَب تَقُول أَنْشَدَنِي كَلِمَة أَيْ قَصِيدَة ; كَمَا رُوِيَ أَنَّ الْحُوَيْدِرَة ذُكِرَ لِحَسَّانَ فَقَالَ : لَعَنَ اللَّه كَلِمَته , يَعْنِي قَصِيدَته . وَقِيلَ غَيْر هَذَا مِنْ الْأَقْوَال . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَشْهَر وَعَلَيْهِ مِنْ الْعُلَمَاء الْأَكْثَر . و " يَحْيَى " أَوَّل مَنْ آمَنَ بِعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام وَصَدَّقَهُ , وَكَانَ يَحْيَى أَكْبَر مِنْ عِيسَى بِثَلَاثِ سِنِينَ وَيُقَال بِسِتَّةِ أَشْهُر . وَكَانَا اِبْنَيْ خَالَة , فَلَمَّا سَمِعَ زَكَرِيَّا شَهَادَته قَامَ إِلَى عِيسَى فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي خِرْقَة . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ أَنَّ مَرْيَم لَمَّا حَمَلَتْ بِعِيسَى حَمَلَتْ أَيْضًا أُخْتهَا بِيَحْيَى ; فَجَاءَتْ أُخْتهَا زَائِرَة فَقَالَتْ : يَا مَرْيَم أَشَعَرْت أَنِّي حَمَلْت ؟ فَقَالَتْ لَهَا مَرْيَم : أَشَعَرْت أَنْتِ أَنِّي حَمَلْت ؟ فَقَالَتْ لَهَا : وَإِنِّي لَأَجِد مَا فِي بَطْنِي يَسْجُد لِمَا فِي بَطْنك . وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهَا أَحَسَّتْ جَنِينهَا يَخِرّ بِرَأْسِهِ إِلَى نَاحِيَة بَطْن مَرْيَم . قَالَ السُّدِّيّ : فَذَلِكَ قَوْل " مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه " . " وَمُصَدِّقًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال .



السَّيِّد : الَّذِي يَسُود قَوْمه وَيُنْتَهَى إِلَى قَوْله , وَأَصْله سَيْوِد يُقَال : فُلَان أَسْوَد مِنْ فُلَان , أَفْعَل مِنْ السِّيَادَة ; فَفِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَسْمِيَة الْإِنْسَان سَيِّدًا كَمَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى عَزِيزًا أَوْ كَرِيمًا . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي قُرَيْظَة : ( قُومُوا إِلَى سَيِّدكُمْ ) . وَفِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْحَسَن : ( إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد وَلَعَلَّ اللَّه يُصْلِح بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) وَكَذَلِكَ كَانَ , فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بَايَعَهُ أَكْثَر مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَكَثِير مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ أَبِيهِ وَمِمَّنْ نَكَثَ بَيْعَته , فَبَقِيَ نَحْو سَبْعَة أَشْهُر خَلِيفَة بِالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ خُرَاسَان , ثُمَّ سَارَ إِلَى مُعَاوِيَة فِي أَهْل الْحِجَاز وَالْعِرَاق وَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فِي أَهْل الشَّام ; فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ بِمَوْضِعٍ يُقَال ل " مَسْكِن " مِنْ أَرْض السَّوَاد بِنَاحِيَةِ الْأَنْبَار كَرِهَ الْحَسَن الْقِتَال لِعِلْمِهِ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ لَا تَغْلِب حَتَّى تَهْلِك أَكْثَر الْأُخْرَى فَيَهْلِك الْمُسْلِمُونَ ; فَسَلَّمَ الْأَمْر إِلَى مُعَاوِيَة عَلَى شُرُوط شَرَطَهَا عَلَيْهِ , مِنْهَا أَنْ يَكُون الْأَمْر لَهُ مِنْ بَعْد مُعَاوِيَة , فَالْتَزَمَ كُلّ ذَلِكَ مُعَاوِيَة فَصَدَقَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد ) وَلَا أَسْوَد مِمَّنْ سَوَّدَهُ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله . قَالَ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى " وَسَيِّدًا " قَالَ : فِي الْعِلْم وَالْعِبَادَة . اِبْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك : فِي الْعِلْم وَالْتُّقَى . مُجَاهِد : السَّيِّد الْكَرِيم . اِبْن زَيْد : الَّذِي لَا يَغْلِبهُ الْغَضَب . وَقَالَ الزَّجَّاج : السَّيِّد الَّذِي يَفُوق أَقْرَانه فِي كُلّ شَيْء مِنْ الْخَيْر . وَهَذَا جَامِع . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : السَّيِّد مِنْ الْمَعْز الْمُسِنّ . وَفِي الْحَدِيث ( ثَنِيّ مِنْ الضَّأْن خَيْر مِنْ السَّيِّد الْمَعْز ) . قَالَ : سَوَاء عَلَيْهِ شَاة عَام دَنَتْ لَهُ لِيَذْبَحهَا لِلضَّيْفِ أَمْ شَاة سَيِّد



أَصْله مِنْ الْحَصْر وَهُوَ الْحَبْس . حَصَرَنِي الشَّيْء وَأَحْصَرَنِي إِذَا حَبَسَنِي . قَالَ اِبْن مَيَّادَة : وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُون تَبَاعَدَتْ عَلَيْك وَلَا أَنْ أَحْصَرَتْك شُغُول وَنَاقَة حَصُور : ضَيِّقَة الإحليل . وَالْحَصُور الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاء كَأَنَّهُ مُحْجِم عَنْهُنَّ ; كَمَا يُقَال : رَجُل حَصُور وَحَصِير إِذَا حَبَسَ رِفْده وَلَمْ يُخْرِج مَا يُخْرِجهُ النَّدَامَى . يُقَال : شَرِبَ الْقَوْم فَحَصِرَ عَلَيْهِمْ فُلَان , أَيْ بَخِلَ ; عَنْ أَبِي عَمْرو . قَالَ الْأَخْطَل : وَشَارِب مُرْبِح بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ وَفِي التَّنْزِيل " وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا " [ الْإِسْرَاء : 8 ] أَيْ مَحْبِسًا . وَالْحَصِير الْمَلِك لِأَنَّهُ مَحْجُوب . وَقَالَ لَبِيد : وَقُمَاقِم غُلْب الرِّقَاب كَأَنَّهُمْ جِنٌّ لَدَى بَاب الْحَصِير قِيَام فَيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَام حَصُور , فَعُول بِمَعْنَى مَفْعُول لَا يَأْتِي النِّسَاء ; كَأَنَّهُ مَمْنُوع مِمَّا يَكُون فِي الرِّجَال ; عَنْ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره . وَفَعُول بِمَعْنَى مَفْعُول كَثِير فِي اللُّغَة , مِنْ ذَلِكَ حَلُوب بِمَعْنَى مَحْلُوبَة ; قَالَ الشَّاعِر : فِيهَا اِثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَة سُودًا كَخَافِيَةِ الْغُرَاب الْأَسْحَم وَقَالَ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا وَابْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَقَتَادَة وَعَطَاء وَأَبُو الشَّعْثَاء وَالْحَسَن وَابْن زَيْد : هُوَ الَّذِي يَكُفّ عَنْ النِّسَاء وَلَا يَقْرَبهُنَّ مَعَ الْقُدْرَة . وَهَذَا أَصَحّ الْأَقْوَال لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ مَدْح وَثَنَاء عَلَيْهِ , وَالثَّنَاء إِنَّمَا يَكُون عَنْ الْفِعْل الْمُكْتَسَب دُون الْجِبِلَّة فِي الْغَالِب . الثَّانِي أَنَّ فَعُولًا فِي اللُّغَة مِنْ صِيَغ الْفَاعِلِينَ ; كَمَا قَالَ : ضَرُوب بِنَصْلِ السَّيْف سُوقَ سِمَانِهَا إِذَا عَدِمُوا زَادًا فَإِنَّك عَاقِرُ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْصُر نَفْسه عَنْ الشَّهَوَات . وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ شَرْعه ; فَأَمَّا شَرْعنَا فَالنِّكَاح , كَمَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : الْحَصُور الْعِنِّين الَّذِي لَا ذَكَر لَهُ يَتَأَتَّى لَهُ بِهِ النِّكَاح وَلَا يُنْزِل ; عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالضَّحَّاك . وَرَوَى أَبُو صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( كُلّ اِبْن آدَم يَلْقَى اللَّه بِذَنْبٍ قَدْ أَذْنَبَهُ يُعَذِّبهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ أَوْ يَرْحَمهُ إِلَّا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا فَإِنَّهُ كَانَ سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ ) - ثُمَّ أَهْوَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى قَذَاة مِنْ الْأَرْض فَأَخَذَهَا وَقَالَ : ( كَانَ ذَكَرُهُ هَكَذَا مِثْل هَذِهِ الْقَذَاة ) . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْحَابِس نَفْسه عَنْ مَعَاصِي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . و " نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ " قَالَ الزَّجَّاج : الصَّالِح الَّذِي يُؤَدِّي لِلَّهِ مَا اِفْتَرَضَ عَلَيْهِ , وَإِلَى النَّاس حُقُوقهمْ . " قَالَ رَبّ " قِيلَ : الرَّبّ هُنَا جِبْرِيل , أَيْ قَالَ لِجِبْرِيل : رَبّ - أَيْ يَا سَيِّدِي - أَنَّى يَكُون لِي غُلَام ؟ يَعْنِي وَلَدًا ; وَهَذَا قَوْل الْكَلْبِيّ . وَقَالَ بَعْضهمْ : قَوْله " رَبّ " يَعْنِي اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التنصير مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته

    التنصير ظاهرة متجددة ومتطورة في آن واحد. وتطورها يأتي في تعديل الأهداف، وفي توسيع الوسائل ومراجعتها بين حين وآخر، تبعا لتعديل الأهداف، ومن ذلك اتخاذ الأساليب العصرية الحديثة في تحقيق الأهداف المعدلة، حسب البيئات والانتماءات التي يتوجه إليها التنصير، حتى وصلت هذه الظاهرة عند البعض، إلى أنها أضحت علما له مؤسساته التعليمية ومناهجه ودراساته ونظرياته. وفي هذا الكتاب بيان مفهوم التنصير ووسائله وسبل مواجهته.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117114

    التحميل:

  • صحيح القصص النبوي [ 1 - 50 ]

    صحيح القصص النبوي : فإن النفوس تحب القصص، وتتأثر بها؛ لذلك تجد في القرآن أنواعًا من القصص النافع، وهو من أحسن القصص. وكان من حكمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن اقتدى بكتاب ربه، فقص علينا من الأنباء السابقة ما فيه العِبَر، باللفظ الفصيح والبيـان العذب البليغ، ويمتاز بأنه واقعي وليس بخيالي؛ وفي هذه الرسالة قام المؤلف - أثابه الله - بجمع خمسين قصة صحيحة من القصص النبوي مع تخريجها تخريجاً مختصراً.

    الناشر: موقع الشيخ الحويني www.alheweny.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330610

    التحميل:

  • نساؤنا إلى أين

    نساؤنا إلى أين : بيان حال المرأة في الجاهلية، ثم بيان حالها في الإسلام، ثم بيان موقف الإسلام من عمل المرأة، والآثار المترتبة على خروج المرأة للعمل، ثم ذكر بعض مظاهر تغريب المرأة المسلمة.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166704

    التحميل:

  • الأربعون النووية

    الأربعون النووية: متن مشهور، اشتمل على اثنين وأربعين حديثاً محذوفة الإسناد في فنون مختلفة من العلم، كل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث؛ لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات؛ وقد سميت بالأربعين في مباني الإسلام وقواعد الأحكام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/5271

    التحميل:

  • عيون الأثر في المغازي والسير

    عيون الأثر في المغازي والسير: كتاب يحتوي على بيان غزوات وسرايا النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141384

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة