Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 38

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) (آل عمران) mp3
هُنَالِكَ فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ ظَرْف يُسْتَعْمَل لِلزَّمَانِ وَالْمَكَان وَأَصْله لِلْمَكَانِ . وَقَالَ الْمُفَضَّل بْن سَلَمَة : " هُنَالِكَ " فِي الزَّمَان و " هُنَاكَ " فِي الْمَكَان , وَقَدْ يُجْعَل هَذَا مَكَان هَذَا .


أَعْطِنِي .



مِنْ عِنْدك .



أَيْ نَسْلًا صَالِحًا . وَالذُّرِّيَّة تَكُون وَاحِدَة وَتَكُون جَمْعًا ذَكَرًا وَأُنْثَى , وَهُوَ هُنَا وَاحِد . يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله . " فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا " [ مَرْيَم : 5 ] وَلَمْ يَقُلْ أَوْلِيَاء , وَإِنَّمَا أَنَّثَ " طَيِّبَة " لِتَأْنِيثِ لَفْظ الذُّرِّيَّة ; كَقَوْلِهِ : أَبُوك خَلِيفَة وَلَدَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِيفَة ذَاكَ الْكَمَال فَأَنَّثَ وَلَدَتْهُ لِتَأْنِيثِ لَفْظ الْخَلِيفَة .

وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيّ رَجُل مَاتَ وَتَرَك ذُرِّيَّة طَيِّبَة أَجْرَى اللَّه مِثْل أَجْر عَمَلهمْ وَلَمْ يَنْقُص مِنْ أُجُورهمْ شَيْئًا ) . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " اِشْتِقَاق الذُّرِّيَّة .

أَيْ صَالِحَة مُبَارَكَة .



أَيْ قَابِله ; وَمِنْهُ : سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ .

دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى طَلَب الْوَلَد , وَهِيَ سُنَّة الْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلك وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّة " [ الرَّعْد : 38 ] . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ : أَرَادَ عُثْمَان أَنْ يَتَبَتَّل فَنَهَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاخْتَصَيْنَا . وَخَرَّجَ اِبْن مَاجَهْ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( النِّكَاح مِنْ سُنَّتِي فَمَنْ لَمْ يَعْمَل بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْل فَلْيَنْكِحْ وَمَنْ لَمْ يَجِد فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء ) . وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى بَعْض جُهَّال الْمُتَصَوِّفَة حَيْثُ قَالَ : الَّذِي يَطْلُب الْوَلَد أَحْمَق , وَمَا عَرَفَ أَنَّهُ هُوَ الْغَبِيّ الْأَخْرَق ; قَالَ اللَّه تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل : " وَاجْعَلْ لِي لِسَان صِدْق فِي الْآخِرِينَ " [ الشُّعَرَاء : 84 ] وَقَالَ : " وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أَعْيُن " [ الْفُرْقَان : 74 ] . وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا " بَاب طَلَب الْوَلَد " . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَلْحَة حِينَ مَاتَ اِبْنه : ( أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَة ) ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : ( بَارَكَ اللَّه لَكُمَا فِي غَابِر لَيْلَتكُمَا ) . قَالَ فَحَمَلَتْ . فِي الْبُخَارِيّ : قَالَ سُفْيَان فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار : فَرَأَيْت تِسْعَة أَوْلَاد كُلّهمْ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآن . وَتَرْجَمَ أَيْضًا " بَاب الدُّعَاء بِكَثْرَةِ الْوَلَد مَعَ الْبَرَكَة " وَسَاقَ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَتْ أُمّ سَلِيم : يَا رَسُول اللَّه , خَادِمك أَنَس اُدْعُ اللَّه لَهُ . فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَاله وَوَلَده وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْته ) . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَة وَارْفَعْ دَرَجَته فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبه فِي الْغَابِرِينَ ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَزَوَّجُوا الْوَلُود الْوَدُود فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم ) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد . وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَة تَحُثّ عَلَى طَلَب الْوَلَد وَتَنْدُب إِلَيْهِ ; لِمَا يَرْجُوهُ الْإِنْسَان مِنْ نَفْعه فِي حَيَاته وَبَعْد مَوْته . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا مَاتَ أَحَدكُمْ اِنْقَطَعَ عَمَله إِلَّا مِنْ ثَلَاث ) فَذَكَرَ ( أَوْ وَلَد صَالِح يَدْعُو لَهُ ) . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث لَكَانَ فِيهِ كِفَايَة .

فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْوَاجِب عَلَى الْإِنْسَان أَنْ يَتَضَرَّع إِلَى خَالِقه فِي هِدَايَة وَلَده وَزَوْجه بِالتَّوْفِيقِ لَهُمَا وَالْهِدَايَة وَالصَّلَاح وَالْعَفَاف وَالرِّعَايَة , وَأَنْ يَكُونَا مُعِينِينَ لَهُ عَلَى دِينه وَدُنْيَاهُ حَتَّى تَعْظُم مَنْفَعَته بِهِمَا فِي أُولَاهُ وَأُخْرَاهُ ; أَلَا تَرَى قَوْل زَكَرِيَّا : " وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًا " [ مَرْيَم : 6 ] وَقَالَ : " ذُرِّيَّة طَيِّبَة " . وَقَالَ : " هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أَعْيُن " [ الْفُرْقَان : 74 ] . وَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَسٍ فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَاله وَوَلَده وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَحَسْبك .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • صحيح القصص النبوي [ 1 - 50 ]

    صحيح القصص النبوي : فإن النفوس تحب القصص، وتتأثر بها؛ لذلك تجد في القرآن أنواعًا من القصص النافع، وهو من أحسن القصص. وكان من حكمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن اقتدى بكتاب ربه، فقص علينا من الأنباء السابقة ما فيه العِبَر، باللفظ الفصيح والبيـان العذب البليغ، ويمتاز بأنه واقعي وليس بخيالي؛ وفي هذه الرسالة قام المؤلف - أثابه الله - بجمع خمسين قصة صحيحة من القصص النبوي مع تخريجها تخريجاً مختصراً.

    الناشر: موقع الشيخ الحويني www.alheweny.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330610

    التحميل:

  • معالم في الامتحانات المدرسية

    معالم في الامتحانات المدرسية : رسالة قلايمة تحتوي على بعض النصائح لبعض المدرسين والإدرايين، مع ذكر بعض المعالم في التنبيه على أخطاء تربوية، ثم معالم في قاعة الامتحان، ثم معالم في شكر الله تعالى.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307791

    التحميل:

  • من أحكام سورة المائدة

    من أحكام سورة المائدة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «تفسير خمس الآيات الأول من سورة المائدة» بيّنت فيها - بتوفيق الله تعالى - الأحكامَ التي اشتملت عليها هذه الآيات الكريمات».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272703

    التحميل:

  • مختصر الإنصاف والشرح الكبير

    مختصر الإنصاف والشرح الكبير : الناظر في مؤلفات الإمام المجدد - رحمه الله - يرى أنها على قسمين: منها ماألفه ابتداءً، ومنها ما اختصره من أصولة المطولة لتيسير الانتفاع به، وقد اتجهت الرغبة منه - رحمه الله - إلى اختصار كتابين من أشهر وأوسع ماصنف في الفقه الحنبلي لما رأي في زمنه من الحاجة لذلك. هذان الكتابان هما: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف؛ للعلامة المرادوي ت 885 هـ. والثاني: الشرح الكبير لأبي الفرج ابن قدامة المقدسي ت 682 هـ. وكلا الكتابين شرح لكتاب المقنع لموفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي ت 620هـ، وتم ما أراده بمختصر لطيف بدأ كل بابمنه بما اختاره من الشرح وختمه بما استدركه من الإنصاف.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264147

    التحميل:

  • أربع قواعد تدور الأحكام عليها ويليها نبذة في اتباع النصوص مع احترام العلماء

    رسالة مختصرة تحتوي على أربع قواعد تدور الأحكام عليها ويليها نبذة في اتباع النصوص مع احترام العلماء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264148

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة