Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 36

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) (آل عمران) mp3
قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّمَا قَالَتْ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْبَل فِي النَّذْر إِلَّا الذُّكُور , فَقَبِلَ اللَّه مَرْيَم . " وَأُنْثَى " حَال , وَإِنْ شِئْت بَدَل . فَقِيلَ : إِنَّهَا رَبَّتهَا حَتَّى تَرَعْرَعَتْ وَحِينَئِذٍ أَرْسَلَتْهَا ; رَوَاهُ أَشْهَب عَنْ مَالِك : وَقِيلَ : لَفَّتْهَا فِي خِرْقَتهَا وَأَرْسَلَتْ بِهَا إِلَى الْمَسْجِد , فَوَفَّتْ بِنَذْرِهَا وَتَبَرَّأَتْ مِنْهَا . وَلَعَلَّ الْحِجَاب لَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ كَمَا كَانَ فِي صَدْر الْإِسْلَام ; فَفِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم أَنَّ اِمْرَأَة سَوْدَاء كَانَتْ تَقُمّ الْمَسْجِد عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَاتَتْ . الْحَدِيث .



هُوَ عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " وَضَعْت " بِضَمِّ التَّاء مِنْ جُمْلَة كَلَامهَا ; فَالْكَلَام مُتَّصِل . وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي بَكْر وَابْن عَامِر , وَفِيهَا مَعْنَى التَّسْلِيم لِلَّهِ وَالْخُضُوع وَالتَّنْزِيه لَهُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , وَلَمْ تَقُلْهُ عَلَى طَرِيق الْإِخْبَار لِأَنَّ عِلْم اللَّه فِي كُلّ شَيْء قَدْ تَقَرَّرَ فِي نَفْس الْمُؤْمِن , وَإِنَّمَا قَالَتْهُ عَلَى طَرِيق التَّعْظِيم وَالتَّنْزِيه لِلَّهِ تَعَالَى . وَعَلَى قِرَاءَة الْجُمْهُور هُوَ مِنْ كَلَام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدِمَ , وَتَقْدِيره أَنْ يَكُون مُؤَخَّرًا بَعْد " وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم " [ آل عِمْرَان : 36 ] وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ ; قَالَ الْمَهْدَوِيّ . وَقَالَ مَكِّيّ : هُوَ إِعْلَام مِنْ اللَّه تَعَالَى لَنَا عَلَى طَرِيق التَّثْبِيت فَقَالَ : وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ أُمّ مَرْيَم قَالَتْهُ أَوْ لَمْ تَقُلْهُ . وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ كَلَام أُمّ مَرْيَم لَكَانَ وَجْه الْكَلَام : وَأَنْتَ أَعْلَم بِمَا وَضَعْت ; لِأَنَّهَا نَادَتْهُ فِي أَوَّل الْكَلَام فِي قَوْلهَا : رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس " بِمَا وَضَعْت " بِكَسْرِ التَّاء , أَيْ قِيلَ لَهَا هَذَا .



اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة عَلَى أَنَّ الْمُطَاوِعَة فِي نَهَار رَمَضَان لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَطْء لَا تُسَاوِيه فِي وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَيْهَا , اِبْن الْعَرَبِيّ , وَهَذِهِ مِنْهُ غَفْلَة , فَإِنَّ هَذَا خَبَر عَنْ شَرْع مَنْ قَبْلنَا وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ , وَهَذِهِ الصَّالِحَة إِنَّمَا قَصَدَتْ بِكَلَامِهَا مَا تَشْهَد لَهُ بِهِ بَيِّنَة حَالهَا وَمَقْطَع كَلَامهَا , فَإِنَّهَا نَذَرَتْ خِدْمَة الْمَسْجِد فِي وَلَدهَا , فَلَمَّا رَأَتْهُ أُنْثَى لَا تَصْلُح وَأَنَّهَا عَوْرَة اِعْتَذَرَتْ إِلَى رَبّهَا مِنْ وُجُودهَا لَهَا عَلَى خِلَاف مَا قَصَدَتْهُ فِيهَا . وَلَمْ يَنْصَرِف " مَرْيَم " لِأَنَّهُ مُؤَنَّث مَعْرِفَة , وَهُوَ أَيْضًا أَعْجَمِيّ ; قَالَهُ النَّحَّاس . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .



يَعْنِي خَادِم الرَّبّ فِي لُغَتهمْ .



يَعْنِي مَرْيَم .


يَعْنِي عِيسَى . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الذُّرِّيَّة قَدْ تَقَع عَلَى الْوَلَد خَاصَّة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَان فَيَسْتَهِلّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَة الشَّيْطَان إِلَّا اِبْن مَرْيَم وَأُمّه ) ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : " وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم " . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَأَفَادَ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ اللَّه تَعَالَى اِسْتَجَابَ دُعَاء أُمّ مَرْيَم , فَإِنَّ الشَّيْطَان يَنْخُس جَمِيع وَلَد آدَم حَتَّى الْأَنْبِيَاء وَالْأَوْلِيَاء إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا . قَالَ قَتَادَة : كُلّ مَوْلُود يَطْعَن الشَّيْطَان فِي جَنْبه حِينَ يُولَد غَيْر عِيسَى وَأُمّه جُعِلَ بَيْنهمَا حِجَاب فَأَصَابَتْ الطَّعْنَة الْحِجَاب وَلَمْ يَنْفُذ لَهُمَا مِنْهُ شَيْء , قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتْ الْخُصُوصِيَّة بِهِمَا , وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنَّ نَخْس الشَّيْطَان يَلْزَم مِنْهُ إِضْلَال الْمَمْسُوس وَإِغْوَاؤُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَنّ فَاسِد ; فَكَمْ تَعَرَّضَ الشَّيْطَان لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاء بِأَنْوَاعِ الْإِفْسَاد وَالْإِغْوَاء وَمَعَ ذَلِكَ فَعَصَمَهُمْ اللَّه مِمَّا يَرُومهُ الشَّيْطَان , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان " [ الْحِجْر : 42 ] . هَذَا مَعَ أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ بَنِي آدَم قَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينه مِنْ الشَّيَاطِين ; كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرْيَم وَابْنهَا وَإِنْ عُصِمَا مِنْ نَخْسه فَلَمْ يُعْصَمَا مِنْ مُلَازَمَته لَهَا وَمُقَارَنَته . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • آداب المسلم الصغير

    كتاب للصغار يحتوي على 37 صفحة من الرسومات التوضيحية والجداول والتقسيمات لتعليم آداب المسلم .

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/328740

    التحميل:

  • شرح العقيدة الطحاوية [ خالد المصلح ]

    العقيدة الطحاوية : متن مختصر صنفه العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، وقد ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه، وفي هذه الصفحة شرح ألقاه الشيخ خالد المصلح - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322222

    التحميل:

  • تدبر القرآن

    تدبر القرآن : محاضرة مفرغة تحتوي على عدة عناصر وهي: تعلم القرآن وتعليمه، تلاوة القرآن عبادة، التدبر والتفكر في معاني القرآن وأسراره، العمل بالقرآن، صيانة القرآن عن تفسيره بغير علم، أسئلة وأجوبة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314800

    التحميل:

  • شرح القواعد الأربع [ البراك ]

    القواعد الأربع: رسالة مختصرة كتبها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وقد اشتملت على تقرير ومعرفة قواعد التوحيد، وقواعد الشرك، ومسألة الحكم على أهل الشرك، والشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة، وقد حرص عدد كبير من أهل لعلم على شرحها وتوضيح معانيها، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - أثابه الله - وفي هذه الصفحة نسخة pdf من هذا الشرح الذي أعد أصله اللجنة العلمية بشبكة نور الإسلام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2416

    التحميل:

  • المواعظ

    هذا الكتاب يحتوي على بعض المواعظ للحافظ ابن الجوزي - رحمه الله -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141400

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة