Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 197

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) (آل عمران) mp3
أَيْ تَقَلُّبهمْ مَتَاع قَلِيل . وَقَرَأَ يَعْقُوب " يَغُرَّنْكَ " سَاكِنَة النُّون ; وَأَنْشَدَ : لَا يَغُرَّنْكَ عِشَاء سَاكِن قَدْ يُوَافِي بِالْمَنِيَّاتِ السَّحَرْ وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى : " فَلَا يَغْرُرْك تَقَلُّبهمْ فِي الْبِلَاد " [ الْمُؤْمِن : 4 ] . وَالْمَتَاع : مَا يُعَجَّل الِانْتِفَاع بِهِ ; وَسَمَّاهُ قَلِيلًا لِأَنَّهُ فَانٍ , وَكُلّ فَانٍ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ قَلِيل . وَفِي صَحِيح التِّرْمِذِيّ عَنْ الْمُسْتَوْرِد الْفِهْرِيّ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مِثْل مَا يَجْعَل أَحَدكُمْ إِصْبَعه فِي الْيَمّ , فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يَرْجِع ) . قِيلَ : ( يَرْجِع ) بِالْيَاءِ وَالتَّاء .

أَيْ بِئْسَ مَا مَهَدُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِكُفْرِهِمْ , وَمَا مَهَدَ اللَّه لَهُمْ مِنْ النَّار .

فِي هَذِهِ الْآيَة وَأَمْثَالهَا كَقَوْلِهِ : " أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْر " [ آل عِمْرَان : 178 ] الْآيَة . " وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين " [ الْأَعْرَاف : 183 ] . " أَيَحْسَبُونَ أَنَّ مَا نُمِدّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ " [ الْمُؤْمِنُونَ : 55 ] . " سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ " [ الْأَعْرَاف : 182 ] دَلِيل عَلَى أَنَّ الْكُفَّار غَيْر مُنْعَم عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّ حَقِيقَة النِّعْمَة الْخُلُوص مِنْ شَوَائِب الضَّرَر الْعَاجِلَة وَالْآجِلَة , وَنِعَمُ الْكُفَّار مَشُوبَة بِالْآلَامِ وَالْعُقُوبَات , فَصَارَ كَمَنْ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ غَيْره حَلَاوَة مِنْ عَسَل فِيهَا السُّمّ , فَهُوَ وَإِنْ اِسْتَلَذَّ آكِلُهُ لَا يُقَال : أَنْعَمَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ فِيهِ هَلَاكَ رُوحِهِ . ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء , وَهُوَ قَوْل الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ . وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْهُمْ سَيْف السُّنَّة وَلِسَان الْأُمَّة الْقَاضِي أَبُو بَكْر : إِلَى أَنَّ اللَّه أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا . قَالُوا : وَأَصْل النِّعْمَة مِنْ النَّعْمَة بِفَتْحِ النُّون , وَهِيَ لِين الْعَيْش ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ " [ الدُّخَان : 27 ] . يُقَال : دَقِيق نَاعِم , إِذَا بُولِغَ فِي طَحْنه وَأُجِيدَ سَحْقه . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْكُفَّار أَنْ يَشْكُرُوهُ وَعَلَى جَمِيع الْمُكَلَّفِينَ فَقَالَ : " فَاذْكُرُوا آلَاء اللَّه " [ الْأَعْرَاف : 74 ] . " وَاشْكُرُوا لِلَّهِ " [ الْبَقَرَة : 172 ] وَالشُّكْر لَا يَكُون إِلَّا عَلَى نِعْمَة . وَقَالَ : " وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك " [ الْقَصَص : 77 ] وَهَذَا خِطَاب لِقَارُون . وَقَالَ : " وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة " [ النَّحْل : 112 ] الْآيَة . فَنَبَّهَ سُبْحَانه أَنَّهُ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَة دُنْيَاوِيَّة فَجَحَدُوهَا . وَقَالَ : " يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا " [ النَّحْل : 83 ] وَقَالَ : " يَا أَيّهَا النَّاس اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ " [ فَاطِر : 3 ] . وَهَذَا عَامّ فِي الْكُفَّار وَغَيْرهمْ . فَأَمَّا إِذَا قَدَّمَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا فِيهِ سُمّ فَقَدْ رَفَقَ بِهِ فِي الْحَال ; إِذْ لَمْ يُجَرِّعهُ السُّمّ بَحْتًا ; بَلْ دَسَّهُ فِي الْحَلَاوَة , فَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يُقَال : قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ , وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالنِّعَم ضَرْبَانِ : نِعَم نَفْع وَنِعَم دَفْع ; فَنِعَم النَّفْع مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ فَنُون اللَّذَّات , وَنِعَم الدَّفْع مَا صَرَفَ عَنْهُمْ مِنْ أَنْوَاع الْآفَات . فَعَلَى هَذَا قَدْ أَنْعَمَ عَلَى الْكُفَّار نِعَم الدَّفْع قَوْلًا وَاحِدًا ; وَهُوَ مَا زُوِيَ عَنْهُمْ مِنْ الْآلَام وَالْأَسْقَام , وَلَا خِلَاف بَيْنهمْ فِي أَنَّهُ لَمْ يُنْعِم عَلَيْهِمْ نِعْمَة دِينه . وَالْحَمْد لِلَّهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المفطرات المعاصرة

    المفطرات المعاصرة : فلما فرغ الشيخ خالد بن علي المشيقح - حفظه الله - من شرح كتاب الصيام من زاد المستقنع، شرع في بيان بعض المفطرات المعاصرة التي استجدت في هذا الوقت، فبيّنها وبيّن الراجح من أقوال العلماء ... فشكر الله للشيخ ونفع به الإسلام والمسلمين وغفر له ...

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/174487

    التحميل:

  • شبهات حول السنة

    شبهات حول السنة: هذا الكتاب إسهام كريم من العلامة الكبير الشيخ عبد الرزّاق عفيفي في نصرة السنَّة النبويَّة، كتبه قديما في تفنيد شبهات أعدائها وخصومها، فرحمه اللّه رحمة واسعة ورفع درجاته وأعلى منزلته.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2697

    التحميل:

  • جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم

    جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم : هذا كتاب فرد في معناه، لم يسبق الإمام ابن القيم إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها؛ بَيَّن فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وصحيحها من حسنها ومعلولها، وبين ما في معلولها من العلل بياناً شافياً ، ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه، وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد، ثم في مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، ومحالها، ثم الكلام في مقدار الواجب منها، واختلاف أهل العلم فيه، وترجيح الراجح وتزييف المزيف.

    المدقق/المراجع: زائد بن أحمد النشيري

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265604

    التحميل:

  • إتحاف شباب الإسلام بأحكام الغسل من الجنابة والاحتلام

    إتحاف شباب الإسلام بأحكام الغسل من الجنابة والإحتلام : في هذه الرسالة بيان موجبات الغسل من الجنابة وصفته وأحكامه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209164

    التحميل:

  • الميسر المفيد في علم التجويد

    الميسر المفيد في علم التجويد: كتابٌ يتناول بالشرح والتعليق قواعد وأحكام علم التجويد على رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، وقد ضمَّنه المؤلف العديدَ من الجداول التي شملت تعريف معظم مصطلحات علم التجويد، والأمثلة والتمارين المحلولة على كل حكم من أحكام التجويد على حدة، وتمرينًا محلولاً على استخراج أحكام التجويد من سورة البلد كنموذج؛ كونها تشتمل على مختلف أحكام التجويد، وضمَّنه كذلك تنبيهات بشأن الأخطاء الشائعة في تلاوة القرآن الكريم، وألحق بالكتاب ملحقين: أحدهما: فضائل وآداب تلاوة القرآن الكريم، والآخر: مقترحات طرق حفظ القرآن الكريم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320902

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة