Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 179

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) (آل عمران) mp3
قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : سَأَلَ الْمُؤْمِنُونَ أَنْ يُعْطَوْا عَلَامَة يُفَرِّقُونَ بِهَا بَيْن الْمُؤْمِن وَالْمُنَافِق ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَا كَانَ اللَّه لِيَذَر الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ الْآيَة . وَاخْتَلَفُوا مَنْ الْمُخَاطَب بِالْآيَةِ عَلَى أَقْوَال . فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ وَأَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ : الْخِطَاب لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ . أَيْ مَا كَانَ اللَّه لِيَذَر الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر وَالنِّفَاق وَعَدَاوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّ قُرَيْشًا مِنْ أَهْل مَكَّة قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُل مِنَّا تَزْعُم أَنَّهُ فِي النَّار , وَأَنَّهُ إِذَا تَرَكَ دِيننَا وَاتَّبَعَ دِينك قُلْت هُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ! فَأَخْبِرْنَا عَنْ هَذَا مِنْ أَيْنَ هُوَ ؟ وَأَخْبِرْنَا مَنْ يَأْتِيك مِنَّا ؟ وَمَنْ لَمْ يَأْتِك ؟ . فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " مَا كَانَ اللَّه لِيَذَر الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ " مِنْ الْكُفْر وَالنِّفَاق .



وَقِيلَ : هُوَ خِطَاب لِلْمُشْرِكِينَ . وَالْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْله : " لِيَذَر الْمُؤْمِنِينَ " مَنْ فِي الْأَصْلَاب وَالْأَرْحَام مِمَّنْ يُؤْمِن . أَيْ مَا كَانَ اللَّه لِيَذَر أَوْلَادكُمْ الَّذِينَ حَكَمَ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك , حَتَّى يُفَرِّق بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ ; وَعَلَى هَذَا " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُطْلِعَكُمْ " كَلَام مُسْتَأْنَف . وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَأَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ . أَيْ وَمَا كَانَ اللَّه لِيَذَركُمْ يَا مَعْشَر الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ اِخْتِلَاط الْمُؤْمِن بِالْمُنَافِقِ , حَتَّى يُمَيِّز بَيْنكُمْ بِالْمِحْنَةِ وَالتَّكْلِيف ; فَتَعْرِفُوا الْمُنَافِق الْخَبِيث , وَالْمُؤْمِن الطَّيِّب . وَقَدْ مَيَّزَ يَوْم أُحُد بَيْن الْفَرِيقَيْنِ . وَهَذَا قَوْل أَكْثَر أَهْل الْمَعَانِي .


يَا مَعْشَر الْمُؤْمِنِينَ . أَيْ مَا كَانَ اللَّه لِيُعَيِّن لَكُمْ الْمُنَافِقِينَ حَتَّى تَعْرِفُوهُمْ , وَلَكِنْ يَظْهَر ذَلِكَ لَكُمْ بِالتَّكْلِيفِ وَالْمِحْنَة , وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي يَوْم أُحُد ; فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ تَخَلَّفُوا وَأَظْهَرُوا الشَّمَاتَة , فَمَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ هَذَا الْغَيْب قَبْل هَذَا , فَالْآن قَدْ أَطْلَعَ اللَّه مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَام وَصَحْبه عَلَى ذَلِكَ . وَقِيلَ : مَعْنَى " لِيُطْلِعكُمْ " أَيْ وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعْلِمكُمْ مَا يَكُون مِنْهُمْ . فَقَوْله : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُطْلِعكُمْ عَلَى الْغَيْب " عَلَى هَذَا مُتَّصِل , وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلِينَ مُنْقَطِع . وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّار لَمَّا قَالُوا : لِمَ لَمْ يُوحَ إِلَيْنَا ؟ قَالَ : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْب " أَيْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقّ النُّبُوَّة , حَتَّى يَكُون الْوَحْي بِاخْتِيَارِكُمْ .


أَيْ يَخْتَار .

لِإِطْلَاعِ غَيْبه يُقَال : طَلَعْت عَلَى كَذَا وَاطَّلَعْت عَلَيْهِ , وَأَطْلَعْت عَلَيْهِ غَيْرِي ; فَهُوَ لَازِم وَمُتَعَدٍّ . وَقُرِئَ " حَتَّى يُمَيِّز " بِالتَّشْدِيدِ مِنْ مَيَّزَ , وَكَذَا فِي " الْأَنْفَال " وَهِيَ قِرَاءَة حَمْزَة . وَالْبَاقُونَ " يَمِيز " بِالتَّخْفِيفِ مِنْ مَازَ يَمِيز . يُقَال : مِزْت الشَّيْء بَعْضه مِنْ بَعْض أَمِيزُهُ مَيْزًا , وَمَيَّزْتُهُ تَمْيِيزًا . قَالَ أَبُو مُعَاذ : مِزْت الشَّيْء أَمِيزُهُ مَيْزًا إِذَا فَرَّقَتْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ . فَإِنْ كَانَتْ أَشْيَاء قُلْت : مَيَّزْتُهَا تَمْيِيزًا . وَمِثْله إِذَا جَعَلَتْ الْوَاحِد شَيْئَيْنِ قُلْت : فَرَّقَتْ بَيْنهمَا , مُخَفَّفًا ; وَمِنْهُ فَرَّقَ الشَّعْر . فَإِنْ جَعَلْتَهُ أَشْيَاء قُلْت : فَرَّقْتُهُ تَفْرِيقًا . قُلْت : وَمِنْهُ اِمْتَازَ الْقَوْم , تَمَيَّزَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض . وَيَكَاد يَتَمَيَّز : يَتَقَطَّع ; وَبِهَذَا فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى : " تَكَاد تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظ " [ الْمُلْك : 8 ] وَفِي الْخَبَر ( مَنْ مَازَ أَذًى عَنْ الطَّرِيق فَهُوَ لَهُ صَدَقَة ) .


يُقَال : إِنَّ الْكُفَّار لَمَّا سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَيِّن لَهُمْ مَنْ يُؤْمِن مِنْهُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه " فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله " يَعْنِي لَا تَشْتَغِلُوا بِمَا لَا يَعْنِيكُمْ , وَاشْتَغِلُوا بِمَا يَعْنِيكُمْ وَهُوَ الْإِيمَان . " فَآمِنُوا " أَيْ صَدِّقُوا , أَيْ عَلَيْكُمْ التَّصْدِيق لَا التَّشَوُّف إِلَى اِطِّلَاع الْغَيْب .


أَيْ الْجَنَّة . وَيُذْكَر أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْد الْحَجَّاج بْن يُوسُف الثَّقَفِيّ مُنَجِّمًا ; فَأَخَذَ الْحَجَّاج حَصَيَات بِيَدِهِ قَدْ عَرَفَ عَدَدهَا فَقَالَ لِلْمُنَجِّمِ : كَمْ فِي يَدِي ؟ فَحَسَبَ فَأَصَابَ الْمُنَجِّم . فَأَغْفَلَهُ الْحَجَّاج وَأَخَذَ حَصَيَات لَمْ يَعُدَّهُنَّ فَقَالَ لِلْمُنَجِّمِ : كَمْ فِي يَدِي ؟ فَحَسَبَ فَأَخْطَأَ , ثُمَّ حَسَبَ أَيْضًا فَأَخْطَأَ ; فَقَالَ : أَيّهَا الْأَمِير , أَظُنُّكَ لَا تَعْرِف عَدَد مَا فِي يَدك ؟ قَالَ لَا : قَالَ : فَمَا الْفَرْق بَيْنهمَا ؟ فَقَالَ : إِنَّ ذَاكَ أَحْصَيْته فَخَرَجَ عَنْ حَدّ الْغَيْب , فَحَسَبْت فَأَصَبْت , وَإِنَّ هَذَا لَمْ تَعْرِفْ عَدَدَهَا فَصَارَ غَيْبًا , وَلَا يَعْلَم الْغَيْب إِلَّا اللَّه تَعَالَى . وَسَيَأْتِي هَذَا الْبَاب فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • البدهيات في الحزب الأول من القرآن الكريم

    البدهيات في الحزب الأول من القرآن الكريم: هذه الرسالة تعتبر دراسة استقرائية تطبيقية للبدهيات في القرآن تكون توطئةً وتمهيدًا لمن أراد أن يخوض عباب بحر هذا الباب - البدهيات -، واقتصر فيها المؤلف على الحزب الأول من القرآن الكريم: من أول القرآن الكريم إلى نهاية الآية الرابعة والسبعين، وسماه: «البدهيات في الحزب الأول من القرآن الكريم».

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364115

    التحميل:

  • منهج في إعداد خطبة الجمعة

    منهج في إعداد خطبة الجمعة : قال المؤلف - حفظه الله - « هذه كلمات في إعداد الخطبة وصفات الخطيب. حرصت أن تكون شاملة لخصائص الخطيب والخطبة ووجوه التأثير في الخطبة وإحسان إعدادها مقدما لذلك بمقدمة في مهمة الخطيب الشاقة وتعريف الخطبة وأنواعها وبيان أثرها ».

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142649

    التحميل:

  • أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة

    أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : في هذا المؤلّف الوجيز يجد المسلم أصولَ العقيدة الإسلامية وأهـمَّ أسسـها وأبرزَ أصولها ومعالمها ممَّا لا غنى لمسلم عنه، ويجد ذلك كله مقرونا بدليله، مدعَّمًـا بشواهده، فهو كتاب مشتمل على أصول الإيمان، وهي أصول عظيمة موروثة عن الرسل، ظاهرة غاية الظهور، يمكن لكل مميِّز من صغـير وكبير أن يُدركها بأقصر زمان وأوجز مدَّة، والتوفيق بيد الله وحده. • ساهم في إعداد هذا الكتاب: الشيخ صالح بـن سعد السحيمي، والشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، والشيخ إبراهيم بن عامر الرحيلي - حفظهم الله -. • قام بمراجعته وصياغته: الشيخ علي بن محمد ناصر فقيهي، والشيخ أحمد بن عطية الغامدي - حفظهما الله -. • قدم له: معالي الوزير الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشـيخ - حفظه الله -.

    الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف www.qurancomplex.com - موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/79521

    التحميل:

  • القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : هذه الرسالة مكونة من مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة: - فالمقدمة تشتمل على ما يلي: 1- معنى المعروف والمنكر لغةً. 2- معنى المعروف والمنكر شرعًا. 3- المراد بالمعروف والمنكر عند اجتماعهما وانفراد أحدهما. 4- عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله. 5- واجب العلماء وتحذيرهم من التقصير في العمل. - والباب الأول: في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والفصل الثاني: في حكم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القادر. والفصل الثالث: في شروط المتصدي للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - والباب الثاني: في إنكار المنكر، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في كيفية الإنكار. والفصل الثاني: في درجات الإنكار. والفصل الثالث: في مرتبتي تغيير المنكر أو طريقي الدعوة إلى الله. - والباب الثالث: في الأحوال التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في الحال الأولى. والفصل الثاني: في الحال الثانية. والفصل الثالث: في الحال الثالثة. - والخاتمة تشتمل على ما يلي: 1- خطر المداهنة في دين الله. 2- الفرق بين المداراة والمداهنة. 3- الحكمة في مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 4- المفاسد المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 5- الحامل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144918

    التحميل:

  • الغصن الندي في سيرة الإمام الحسن بن علي

    الغصن الندي في سيرة الإمام الحسن بن علي: فإنّ الحديث عن سيرة أهل البيت وبيان فضلهم، وتعريفهم للناس بالصورة اللائقة لهم، والدفاع عنهم، لمن أبواب الخير التي يتقرب المسلم بها إلى ربه سبحانه وتعالى. وحديثنا في هذا البحث عن سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، ريحانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشبيهه وخَلقه وخُلقه، والحديث عن فضل أهل البيت ومآثرهم لا ينتهي لكن يكفينا أن نقتبس بعض أنوارهم ونتعرف على بعض سجاياهم وأفعالهم لتكون لنا نوراً نمشي في دربه، وقدوة صالحة نسير على نهجها.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/61482

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة