Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 178

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (178) (آل عمران) mp3
الْإِمْلَاء طُول الْعُمْر وَرَغَد الْعَيْش . وَالْمَعْنَى : لَا يَحَسَبَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُخَوِّفُونَ الْمُسْلِمِينَ ; فَإِنَّ اللَّه قَادِر عَلَى إِهْلَاكهمْ , وَإِنَّمَا يَطُول أَعْمَارهمْ لِيَعْمَلُوا بِالْمَعَاصِي , لَا لِأَنَّهُ خَيْر لَهُمْ . وَيُقَال : " أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ " بِمَا أَصَابُوا مِنْ الظَّفَر يَوْم أُحُد لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَيْرًا لِأَنْفُسِهِمْ ; وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِيَزْدَادُوا عُقُوبَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ أَحَد بَرّ وَلَا فَاجِر إِلَّا وَالْمَوْت خَيْر لَهُ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَرًّا فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا عِنْد اللَّه خَيْر لِلْأَبْرَارِ " [ آل عِمْرَان : 198 ] وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَقَدْ قَالَ اللَّه : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَعَاصِم " لَا يَحَسَبَنَّ " بِالْيَاءِ وَنَصْب السِّين . وَقَرَأَ حَمْزَة : بِالتَّاءِ وَنَصْب السِّين . وَالْبَاقُونَ : بِالْيَاءِ وَكَسْر السِّين . فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَاَلَّذِينَ فَاعِلُونَ . أَيْ فَلَا يَحَسَبَنَّ الْكُفَّار . و " أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْر لِأَنْفُسِهِمْ " تَسُدّ مَسَدّ الْمَفْعُولَيْنِ . و " مَا " بِمَعْنَى الَّذِي , وَالْعَائِد مَحْذُوف , و " خَيْر " خَبَر " أَنَّ " . وَيَجُوز أَنْ تُقَدَّر " مَا " وَالْفِعْل مَصْدَرًا ; وَالتَّقْدِير وَلَا يَحَسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ إِمْلَاءَنَا لَهُمْ خَيْر لِأَنْفُسِهِمْ . وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَالْفِعْل هُوَ الْمُخَاطَب , وَهُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . و " الَّذِينَ " نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول الْأَوَّل لِتَحْسَب . وَأَنَّ وَمَا بَعْدهَا بَدَل مِنْ الَّذِينَ , وَهِيَ تَسُدّ مَسَدّ الْمَفْعُولَيْنِ , كَمَا تَسُدّ لَوْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا . وَلَا يَصْلُح أَنْ تَكُون " أَنَّ " وَمَا بَعْدهَا مَفْعُولًا ثَانِيًا لِتَحْسَب ; لِأَنَّ الْمَفْعُول الثَّانِي فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الْأَوَّل فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ حَسِبَ وَأَخَوَاتهَا دَاخِلَة عَلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر ; فَيَكُون التَّقْدِير ; وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْر . هَذَا قَوْل الزَّجَّاج . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : لَوْ صَحَّ هَذَا لَقَالَ " خَيْرًا " بِالنَّصْبِ ; لِأَنَّ " أَنَّ " تَصِير بَدَلًا مِنْ " الَّذِينَ كَفَرُوا " ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا تَحْسَبَنَّ إِمْلَاء الَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرًا ; فَقَوْله " خَيْرًا " هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي لِحَسِبَ . فَإِذًا لَا يَجُوز أَنْ يُقْرَأ " لَا تَحْسَبَنَّ " بِالتَّاءِ إِلَّا أَنْ تُكْسَر " إِنَّ فِي " أَنَّمَا " وَتُنْصَب خَيْرًا , وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ عَنْ حَمْزَة , وَالْقِرَاءَة عَنْ حَمْزَة بِالتَّاءِ ; فَلَا تَصِحّ هَذِهِ الْقِرَاءَة إِذًا . وَقَالَ الْفَرَّاء وَالْكِسَائِيّ : قِرَاءَة حَمْزَة جَائِزَة عَلَى التَّكْرِير ; تَقْدِيره وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِي كَفَرُوا , وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرًا , فَسَدَّتْ " أَنَّ " مَسَدّ الْمَفْعُولَيْنِ لِتَحْسَب الثَّانِي , وَهِيَ وَمَا عَمِلَتْ مَفْعُول ثَانٍ لِتَحْسَب الْأَوَّل . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَهَذَا قَرِيب مِمَّا ذَكَرَهُ الزَّجَّاج فِي دَعْوَى الْبَدَل , وَالْقِرَاءَة صَحِيحَة . فَإِذًا غَرَض أَبِي عَلِيّ تَغْلِيط الزَّجَّاج . قَالَ النَّحَّاس : وَزَعَمَ أَبُو حَاتِم أَنَّ قِرَاءَة حَمْزَة بِالتَّاءِ هُنَا , وَقَوْله : " وَلَا يَحَسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ " [ آل عِمْرَان : 180 ] لَحْن لَا يَجُوز . وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَة . قُلْت : وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِمَا تَقَدَّمَ بَيَانه مِنْ الْإِعْرَاب , وَلِصِحَّةِ الْقِرَاءَة وَثُبُوتهَا نَقْلًا . وَقَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب " إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ " بِكَسْرِ إِنَّ فِيهِمَا جَمِيعًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقِرَاءَة يُحْيِي حَسَنَة . كَمَا تَقُول : حَسِبْتُ عَمْرًا أَبُوهُ خَالِد . قَالَ أَبُو حَاتِم وَسَمِعْت الْأَخْفَش يَذْكُر كَسْر " إِنَّ " يَحْتَجّ بِهِ لِأَهْلِ الْقَدَر ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ . وَيَجْعَل عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير " وَلَا يَحَسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْر لِأَنْفُسِهِمْ " . قَالَ : وَرَأَيْت فِي مُصْحَف فِي الْمَسْجِد الْجَامِع قَدْ زَادُوا فِيهِ حَرْفًا فَصَارَ " إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ إِيمَانًا " فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَعْقُوب الْقَارِئ فَتَبَيَّنَ اللَّحْن فَحَكَّهُ . وَالْآيَة نَصّ فِي بُطْلَان مَذْهَب الْقَدَرِيَّة ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُطِيل أَعْمَارهمْ لِيَزْدَادُوا الْكُفْر بِعَمَلِ الْمَعَاصِي , وَتَوَالِي أَمْثَاله عَلَى الْقَلْب . كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي ضِدّه وَهُوَ الْإِيمَان . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مَا مِنْ بَرّ وَلَا فَاجِر إِلَّا وَالْمَوْت خَيْر لَهُ ثُمَّ تَلَا " إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا لَهُمْ إِثْمًا " وَتَلَا " وَمَا عِنْد اللَّه خَيْر لِلْأَبْرَارِ " أَخْرَجَهُ رَزِين .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • كيف تحسب زكاة مالك؟

    كيف تحسب زكاة مالك؟ : كتاب في الأحكام الفقهية للزكاة يحتوي على المباحث الآتية: الفصل الأول: أحكام زكاة المال. الفصل الثاني: كيفية حساب زكاة المال مع نماذج تطبيقية. الفصل الثالث: أحكام مصارف الزكاة الشرعية. الفصل الرابع: أحكام وحساب زكاة الفطر. الفصل الخامس: تساؤلات معاصرة عامة حول الزكاة والإجابة عليها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193835

    التحميل:

  • حمَلة رسالة الإسلام الأولون

    حملة رسالة الإسلام الأولون: قال المراجع للرسالة: «فهذه رسالة لطيفة مركزة تعالج موضوعًا مهمًا، وتوضح حقائق تاريخية صادقة عن الجيل الأول، وتجلى صورتهم الواقعية وما كانوا عليه من المحبة والألفة، وصدق الديانة والرغبة في نشر الحق والخير والهدى بين عباد الله. كما أنها تشير في إجمال إلى ما تعرض له تاريخ الصدر الأول من تشويه لصورته الناصعة، وتحريف لواقعه الجميل على أيدي أقوام أعمى الله بصائرهم عن الحق، وامتلأت قلوبهم من الحقد والغل على خيار خلق الله، أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضى عن أصحابه، ففرقوا بينهم، وجعلوهم شيعًا وأحزابًا، وهذا لعمر الحق محض افتراء وكذب وبهتان، وتزوير لحقائق التاريخ. والواقع المثالي الذي كانوا عليه يكذب ذلك، ولذا مكَّنهم الله ونصرهم ونشر الخير على أيديهم في مشارق الأرض ومغاربها، وفي سنوات معدودة وصلت جيوش الخليفة الثاني لرسول الله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى نهر جيحون بل قطعت النهر مرارًا، وفتحت أرمينية كلها في خلافة عثمان بن عفان وكذا أفريقية. وقد رأيت إعادة نشرها وتيسير وصولها إلى أيدي الباحثين والقراء مع التعليق عليها، وتوثيق نصوصها، ووضع عناوين لمباحثها مما يساعد على فهمها، وقدمت بين يدي ذلك بتعريف موجز لكاتبها السيد محب الدين الخطيب - عليه رحمة الله -، ودراسة موجزة لموضوعها، وميزت تعليقات المؤلف عن تعليقاتي بوضع كلمة «محب» بعد تعليقات المؤلف». - التعليق والتقديم للشيخ: محمد بن صامل السلمي - حفظه الله -.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345930

    التحميل:

  • العلم والتربية والتعليم

    العلم والتربية والتعليم : في هذه الرسالة بيان طرق التعلم وأسباب فهم الدروس وتربية الأبناء كما يجب أن تكون وبيان مسئولية المدرس وكونه تحمل مسئولية كبرى وأمانة عظمى سيسأل عنها أمام الله يوم القيامة نحو طلبته وبيان واجب الآباء نحو الأبناء من التربية والقدوة الحسنة والتعليم النافع والكلام الطيب والأدب الحسن. وبيان مسئولية الطالب تجاه مدرسية وزملائه ووالديه بالبر والإحسان والأدب والأخلاق الطيبة. كما اشتملت هذه الرسالة على الحث على اختيار الجليس الصالح المطيع لله ورسوله والقائم بحقوق الله وحقوق عباده حيث إن المرء معتبر بقرينه وسوف يكون على دين خليله فلينظر من يخالل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209117

    التحميل:

  • مفتاح دعوة الرسل

    مفتاح دعوة الرسل: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن تربية النفوس وتزكيتها أمر مهم غفل عنه أمة من الناس، ومع انتشار الخير وكثرة من يسلك طريق الاستقامة إلا أن البعض يروم الصواب ولا يجده وينشد الجادة ويتيه عنها، وقد انبرى لهم الشيطان فاتخذ هؤلاء مطية ومركبًا يسير بهم في لجة الرياء والسمعة والعجب. ولخطورة الأمر وعظمه وردت الجم وأدليت بدلوي ونزعت نزعًا لا أدعي كماله وحسبي منه اجتهاد مقصر ومحبة الخير لي وللمسلمين. وهذا هو الجزء «السابع عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟!» تحت عنوان: «مفتاح دعوة الرسل»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229615

    التحميل:

  • قصة كاملة لم يؤلفها بشر

    قصة كاملة لم يؤلفها بشر : في هذه الرسالة واقعة أغرب من القصص، ما ألفها أديب قصصي، ولا عمل فيها خيال روائي، بل ألَّفَتْها الحياة، فجاءت بأحداثها ومصادفاتها، وبداياتها وخواتيمها، أبلغ مما ألف القصاص من الأدباء.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265570

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة