Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 175

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (175) (آل عمران) mp3
قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : الْمَعْنَى يُخَوِّفكُمْ أَوْلِيَاءَهُ ; أَيْ بِأَوْلِيَائِهِ , أَوْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ ; فَحَذَفَ حَرْف الْجَرّ وَوَصَلَ الْفِعْل إِلَى الِاسْم فَنَصَبَ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : " لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا " [ الْكَهْف : 2 ] أَيْ لِيُنْذَركُمْ بِبَأْسٍ شَدِيد ; أَيْ يُخَوِّف الْمُؤْمِن بِالْكَافِرِ . وَقَالَ الْحَسَن وَالسُّدِّيّ : الْمَعْنَى يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ الْمُنَافِقِينَ ; لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتَال الْمُشْرِكِينَ . فَأَمَّا أَوْلِيَاء اللَّه فَإِنَّهُمْ لَا يَخَافُونَهُ إِذَا خَوَّفَهُمْ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد هَذَا الَّذِي يُخَوِّفكُمْ بِجَمْعِ الْكُفَّار شَيْطَان مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس ; إِمَّا نُعَيْم بْن مَسْعُود أَوْ غَيْره , عَلَى الْخِلَاف فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ .



أَيْ لَا تَخَافُوا الْكَافِرِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْله : " إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ " . أَوْ يَرْجِع إِلَى الْأَوْلِيَاء إِنْ قُلْت : إِنَّ الْمَعْنَى يُخَوِّف بِأَوْلِيَائِهِ أَيْ يُخَوِّفكُمْ أَوْلِيَاءَهُ .



أَيْ خَافُونِي فِي تَرْك أَمْرِي إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِوَعْدِي . وَالْخَوْف فِي كَلَام الْعَرَب الذُّعْر . وَخَاوَفَنِي فُلَان فَخِفْته , أَيْ كُنْت أَشَدّ خَوْفًا مِنْهُ . وَالْخَوْفَاء الْمَفَازَة لَا مَاء بِهَا . وَيُقَال : نَاقَة خَوْفَاء وَهِيَ الْجَرْبَاء . وَالْخَافَة كَالْخَرِيطَةِ مِنْ الْأَدَم يُشْتَار فِيهَا الْعَسَل . قَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : اِجْتَمَعَ بَعْض الصِّدِّيقِينَ إِلَى إِبْرَاهِيم الْخَلِيل فَقَالُوا : مَا الْخَوْف ؟ فَقَالَ : لَا تَأْمَن حَتَّى تَبْلُغ الْمَأْمَن . قَالَ سَهْل : وَكَانَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم إِذَا مَرَّ بِكِيرٍ يُغْشَى عَلَيْهِ ; فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب ذَلِكَ ; فَقَالَ : إِذَا أَصَابَهُ ذَلِكَ فَأَعْلِمُونِي . فَأَصَابَهُ فَأَعْلَمُوهُ , فَجَاءَهُ فَأَدْخَلَ يَده فِي قَمِيصه فَوَجَدَ حَرَكَته عَالِيَة فَقَالَ : أَشْهَد أَنَّ هَذَا أَخْوَف أَهْل زَمَانكُمْ . فَالْخَائِف مِنْ اللَّه تَعَالَى هُوَ أَنْ يَخَاف أَنْ يُعَاقِبهُ إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة ; وَلِهَذَا قِيلَ : لَيْسَ الْخَائِف الَّذِي يَبْكِي وَيَمْسَح عَيْنَيْهِ , بَلْ الْخَائِف الَّذِي يَتْرُك مَا يَخَاف أَنْ يُعَذَّب عَلَيْهِ . فَفَرَضَ اللَّه تَعَالَى عَلَى الْعِبَاد أَنْ يَخَافُوهُ فَقَالَ : وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَقَالَ : " وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ " . وَمَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَوْفِ فَقَالَ : " يَخَافُونَ رَبّهمْ مِنْ فَوْقهمْ " [ النَّحْل : 50 ] . وَلِأَرْبَابِ الْإِشَارَات فِي الْخَوْف عِبَارَات مَرْجِعهَا إِلَى مَا ذَكَرْنَا . قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو عَلِيّ الدَّقَّاق : دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْر بْن فُورك رَحِمَهُ اللَّه عَائِدًا , فَلَمَّا رَآنِي دَمَعَتْ عَيْنَاهُ , فَقُلْت لَهُ : إِنَّ اللَّه يُعَافِيك وَيَشْفِيك . فَقَالَ لِي : أَتَرَى أَنِّي أَخَاف مِنْ الْمَوْت ؟ إِنَّمَا أَخَاف مِمَّا وَرَاء الْمَوْت . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَع مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاء وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطّ مَا فِيهَا مَوْضِع أَرْبَع أَصَابِع إِلَّا وَمَلَك وَاضِع جَبْهَته سَاجِدًا لِلَّهِ وَاَللَّه لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَات وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَات تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّه وَاَللَّهِ لَوَدِدْت أَنِّي كُنْت شَجَرَة تُعْضَد " . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَيُرْوَى مِنْ غَيْر هَذَا الْوَجْه أَنَّ أَبَا ذَرّ قَالَ : ( لَوَدِدْت أَنِّي كُنْت شَجَرَة تُعْضَد ) . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح ثلاثة الأصول [ آل الشيخ ]

    شرح ثلاثة الأصول : سلسلة مفرغة من الدروس التي ألقاها فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - والثلاثة الأصول وأدلتها هي رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/285590

    التحميل:

  • السبحة تاريخها وحكمها

    قال المؤلف: أحتسب عند الله تعالى تحرير القول في السبحة من جميع جوانبه، بجمع المرويات، وبيان درجتها، وجمع كلام العلماء في تاريخها، وتاريخ حدوثها في المسلمين، وأن العرب لم تعرف في لغتها شيئاً اسمه: ((السُّبْحَة)) في هذا المعنى، وفي ((خلاصة التحقيق)) بيان حكمها في التعبد لِعَدِّ الذِّكر، أو في العادة واللَّهْو، حتى يُعلم أنها وسيلة محدثة لِعَدِّ الذِّكر، ومجاراة لأهل الأهواء، فَتَشَبُّهٌ بأهل الملل الأخرى، وَمِنِ اسْتِبْدَالِ الأَدْنَى بالذي هو خير، وقاعدة الشرع المطهر: تحريم التشبه بالكفار في تعبداتهم وفيما هو من خصائصهم من عاداتهم.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385302

    التحميل:

  • مختصر أحكام الجنائز

    لما كان للميت بعد وفاته أحكام شرعية، من تغسيل وتكفين وحمل ودفن؛ كانت هذه الرسالة المختصرة حتى يتمكن من يقوم بتنفيذ هذه الأحكام تأديتها على بصيرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314797

    التحميل:

  • صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة المسافر بيّنت فيها: مفهوم السفر والمسافر، وأنواع السفر، وآدابه، والأصل في قصر الصلاة في السفر، وأنه أفضل من الإتمام، ومسافة قصر الصلاة في السفر، وأن المسافر يقصر إذا خرج عن جميع عامر بيوت قريته، ومدى إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة، وقصر الصلاة في منى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج، وجواز التطوع على المركوب في السفر، وأن السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر، وحكم صلاة المقيم خلف المسافر، والمسافر خلف المقيم، وحكم نية القصر والجمع والموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ورخص السفر، وأحكام الجمع، وأنواعه، ودرجاته، سواء كان ذلك في السفر أو الحضر .. ».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1925

    التحميل:

  • الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة

    الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة: يتكون الكتاب من عدة فصول، تبين الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة في مرحلة الطفولة، ثم مرحلة المراهقة. الفصل الأول: التنشئة الإيمانية والجسمية للفتاة المسلمة. الفصل الثاني: التنشئة الوجدانية والفكرية للفتاة المسلمة. الفصل الثالث: التنشئة الجمالية والاجتماعية للفتاة المسلمة. الفصل الرابع: مقومات شخصية الوالدين اللازمة لتنشئة الفتاة المسلمة.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205663

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة