Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 172

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) (آل عمران) mp3
" الَّذِينَ " فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى الِابْتِدَاء , وَخَبَره " مِنْ بَعْد مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْح " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع خَفْض , بَدَلًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , أَوْ مِنْ " الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا " . " اِسْتَجَابُوا " بِمَعْنَى أَجَابُوا وَالسِّين وَالتَّاء زَائِدَتَانِ . وَمِنْهُ قَوْله : فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْد ذَاكَ مُجِيب وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر قَالَ : قَالَتْ لِي عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : كَانَ أَبُوك مِنْ الَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول مِنْ بَعْد مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْح . لَفْظ مُسْلِم . وَعَنْهُ عَائِشَة : يَا اِبْن أُخْتِي كَانَ أَبَوَاك - تَعْنِي الزُّبَيْر وَأَبَا بَكْر - مِنْ الَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول مِنْ بَعْد مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْح . وَقَالَتْ : لَمَّا اِنْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أُحُد وَأَصَابَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا فَقَالَ : ( مَنْ يَنْتَدِب لِهَؤُلَاءِ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ بِنَا قُوَّةً ) قَالَ فَانْتَدَبَ أَبُو بَكْر وَالزُّبَيْر فِي سَبْعِينَ ; فَخَرَجُوا فِي آثَار الْقَوْم , فَسَمِعُوا بِهِمْ وَانْصَرَفُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّه وَفَضْل . وَأَشَارَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا إِلَى مَا جَرَى فِي غَزْوَة حَمْرَاء الْأَسَد , وَهِيَ عَلَى نَحْو ثَمَانِيَة أَمْيَال مِنْ الْمَدِينَة ; وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي يَوْم الْأَحَد , وَهُوَ الثَّانِي مِنْ يَوْم أُحُد , نَادَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاس بِاتِّبَاعِ الْمُشْرِكِينَ , وَقَالَ : ( لَا يَخْرُج مَعَنَا إِلَّا مَنْ شَهِدَهَا بِالْأَمْسِ ) فَنَهَضَ مَعَهُ مِائَتَا رَجُل مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . فِي الْبُخَارِيّ فَقَالَ : ( مَنْ يَذْهَب فِي إِثْرهمْ ) فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا . قَالَ : كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَالزُّبَيْر عَلَى مَا تَقَدَّمَ , حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاء الْأَسَد , مُرْهِبًا لِلْعَدُوِّ ; فَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ الْمُثْقَل بِالْجِرَاحِ لَا يَسْتَطِيع الْمَشْي وَلَا يَجِد مَرْكُوبًا , فَرُبَّمَا يُحْمَل عَلَى الْأَعْنَاق ; وَكُلّ ذَلِكَ اِمْتِثَال لِأَمْرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَغْبَة فِي الْجِهَاد . وَقِيلَ : إِنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْد الْأَشْهَل كَانَا مُثْخَنَيْنِ بِالْجِرَاحِ ; يَتَوَكَّأ أَحَدهمَا عَلَى صَاحِبه , وَخَرَجَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَلَمَّا وَصَلُوا حَمْرَاء الْأَسَد , لَقِيَهُمْ نُعَيْم بْن مَسْعُود فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْش قَدْ جَمَعُوا جُمُوعهمْ , وَأَجْمَعُوا رَأْيهمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوا إِلَى الْمَدِينَة فَيَسْتَأْصِلُوا أَهْلهَا ; فَقَالُوا مَا أَخْبَرَنَا اللَّه عَنْهُمْ : " حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " . وَبَيْنَا قُرَيْش قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ مَعْبَد الْخُزَاعِيّ , وَكَانَتْ خُزَاعَة حُلَفَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَيْبَة نُصْحه , وَكَانَ قَدْ رَأَى حَال أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ ; وَلَمَّا رَأَى عَزْمَ قُرَيْش عَلَى الرُّجُوع لِيَسْتَأْصِلُوا أَهْل الْمَدِينَة اِحْتَمَلَهُ خَوْف ذَلِكَ , وَخَالَصَ نُصْحه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه عَلَى أَنْ خَوَّفَ قُرَيْشًا بِأَنْ قَالَ لَهُمْ : قَدْ تَرَكْت مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه بِحَمْرَاء الْأَسَد فِي جَيْش عَظِيم , قَدْ اِجْتَمَعَ لَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ , وَهُمْ قَدْ تَحَرَّقُوا عَلَيْكُمْ ; فَالنَّجَاء النَّجَاء ! فَإِنِّي أَنْهَاك عَنْ ذَلِكَ , فَوَاَللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْت أَنْ قُلْت فِيهِ أَبْيَاتًا مِنْ الشِّعْر . قَالَ : وَمَا قُلْت ؟ قَالَ : قُلْت : كَادَتْ تُهَدّ مِنْ الْأَصْوَات رَاحِلَتِي إِذْ سَالَتْ الْأَرْض بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيل تُرْدِي بِأُسْدٍ كِرَام لَا تَنَابِلَةٌ عِنْد اللِّقَاء وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ فَظَلْت عَدْوًا أَظُنّ الْأَرْضَ مَائِلَةً لَمَّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُول فَقُلْت وَيْل اِبْن حَرْبٍ مِنْ لِقَائِكُمُ إِذَا تَغَطْمَطَت الْبَطْحَاءُ بِالْخَيْلِ إِنِّي نَذِير لِأَهْلِ الْبَسْلِ ضَاحِيَة لِكُلِّ ذِي إِرْبَة مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ مِنْ جَيْش أَحْمَد لَا وَخْش قَنَابِله وَلَيْسَ يُوصَف مَا أَنْذَرْتُ بِالْقِيلِ قَالَ : فَثَنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَان وَمَنْ مَعَهُ , وَقَذَفَ اللَّه فِي قُلُوبهمْ الرُّعْب , وَرَجَعُوا إِلَى مَكَّة خَائِفِينَ مُسْرِعِينَ , وَرَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة مَنْصُورًا ; كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّه وَفَضْل لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء " [ آل عِمْرَان : 174 ] أَيْ قِتَال وَرُعْب . وَاسْتَأْذَنَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخُرُوج مَعَهُ فَأَذِنَ لَهُ . وَأَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنَّ الْأَجْر الْعَظِيم قَدْ تَحَصَّلَ لَهُمْ بِهَذِهِ الْقَفْلَة . وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّهَا غَزْوَة ) . هَذَا تَفْسِير الْجُمْهُور لِهَذِهِ الْآيَة . وَشَذَّ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى فَقَالَا : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة مِنْ قَوْله : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاس " إِلَى قَوْله : " عَظِيم " [ آل عِمْرَان : 173 - 174 ] إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَدْر الصُّغْرَى . وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَان فِي أُحُد , إِذْ قَالَ : مَوْعِدنَا بَدْر مِنْ الْعَام الْمُقْبِل . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُولُوا نَعَمْ ) فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ بَدْر , وَكَانَ بِهَا سُوق عَظِيم , فَأَعْطَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه دَرَاهِم ; وَقَرُبَ مِنْ بَدْر فَجَاءَهُ نُعَيْم بْن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ , فَأَخْبَرَهُ أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ اِجْتَمَعَتْ وَأَقْبَلَتْ لِحَرْبِهِ هِيَ وَمَنْ اِنْضَافَ إِلَيْهَا , فَأَشْفَقَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ , لَكِنَّهُمْ قَالُوا : " حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " فَصَمَّمُوا حَتَّى أَتَوْا بَدْرًا فَلَمْ يَجِدُوا أَحَدًا , وَوَجَدُوا السُّوق فَاشْتَرَوْا بِدَرَاهِمِهِمْ أُدْمًا وَتِجَارَة , وَانْقَلَبُوا وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا , وَرَبِحُوا فِي تِجَارَتهمْ ; فَلِذَلِكَ قَوْل تَعَالَى : " فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّه وَفَضْل " أَيْ وَفَضْل فِي تِلْكَ التِّجَارَات . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • النحو الواضح في قواعد اللغة العربية

    النحو الواضح في قواعد اللغة العربية: قال المؤلفان: « .. وقد نحونا في هذا الكتاب طريقة الاستنباط التي هي أكثر طرق التعليم قربًا إلى عقول الأطفال، وأثبتها أثرًا في نفوسهم، وأقربها إلى المنطق؛ لأنها خيرُ دافعٍ إلى التفكير والبحث، وتعرّف وجوه المُشابهة والمُخالفة بين الأشباه والأضداد؛ فقد أكثرنا من الأمثلة التي تستنبط منها القواعد، على طرازٍ حديثٍ لم يسبق له مثال .. ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371026

    التحميل:

  • الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع

    الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع: رسالة قيمة تبين أن كل من ابتدع شريعة في دين الله ولو بقصد حسن فإن بدعته هذه مع كونها ضلالة تعتبر طعنا في دين الله - عز وجل -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2051

    التحميل:

  • أخطاء عقدية

    جمع المؤلف في هذه الرسالة الأخطاء العقدية التي تقع من المسلمين، وقسمها إلى أربع مجموعات: الأولى: أخطاء في قضايا عامة. الثانية: أخطاء تتعلق بأنواع من الشركيات ونحوها. الثالثة: أخطاء تتعلق بالرقى والتمائم. الرابعة: أخطاء تتعلق بالألفاظ ونحوها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260199

    التحميل:

  • حكم الاحتفال بالمولد والرد على من أجازه

    حكم الاحتفال بالمولد والرد على من أجازه: رسالة في نقض شُبَه من يُجوِّز الاحتفال بالمولد النبوي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1959

    التحميل:

  • العدوان على المرأة في المؤتمرات الدولية

    العدوان على المرأة في المؤتمرات الدولية : دراسة تقويمية لهذه الطروحات تجاه المرأة، وأهم الخطط المقترحة فيها، مع نقدها. ملحوظة، هذا الكتاب مختصر من كتاب قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية دراسة نقدية في ضوء الإسلام، وهو منشور على هذا الرابط: http://www.islamhouse.com/p/205805

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205659

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة