Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 140

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) (آل عمران) mp3
الْقَرْح الْجُرْح . وَالضَّمّ وَالْفَتْح فِيهِ لُغَتَانِ عَنْ الْكِسَائِيّ

وَالْأَخْفَش ; مِثْل عُقْر وَعَقْر . الْفَرَّاء : هُوَ بِالْفَتْحِ الْجُرْح , وَبِالضَّمِّ أَلَمه . وَالْمَعْنَى : إِنْ يَمْسَسْكُمْ يَوْم أُحُد قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْم يَوْم بَدْر قَرْحٌ مِثْله . وَقَرَأَ مُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع " قَرَحٌ " بِفَتْحِ الْقَاف وَالرَّاء عَلَى الْمَصْدَر .



قِيلَ : هَذَا فِي الْحَرْب , تَكُون مَرَّة لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَنْصُر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ دِينه , وَمَرَّة لِلْكَافِرِينَ إِذَا عَصَى الْمُؤْمِنُونَ لِيَبْتَلِيَهُمْ وَيُمَحِّصَ ذُنُوبهمْ ; فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْصُوا فَإِنَّ حِزْب اللَّه هُمْ الْغَالِبُونَ . وَقِيلَ : " نُدَاوِلهَا بَيْن النَّاس " مِنْ فَرَح وَغَمّ وَصِحَّة وَسَقَم وَغِنًى وَفَقْر . وَالدَّوْلَة الْكَرَّة ; قَالَ الشَّاعِر : فَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ



مَعْنَاهُ , وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَاوَلَة لِيَرَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُنَافِق فَيَمِيزُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض ; كَمَا قَالَ : " وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْم اِلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّه وَلِيَعْلَم الْمُؤْمِنِينَ . وَلِيَعْلَم الَّذِينَ نَافَقُوا " [ آل عِمْرَان : 166 - 167 ] . وَقِيلَ : لِيَعْلَم صَبْر الْمُؤْمِنِينَ , الْعِلْم الَّذِي يَقَع عَلَيْهِ الْجَزَاء كَمَا عَلِمَهُ غَيْبًا قَبْل أَنْ كَلَّفَهُمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " هَذَا الْمَعْنَى .

فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى " وَيَتَّخِذ مِنْكُمْ شُهَدَاء " أَيْ يُكْرِمكُمْ بِالشَّهَادَةِ ; أَيْ لِيُقْتَلَ قَوْم فَيَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس بِأَعْمَالِهِمْ . وَقِيلَ : لِهَذَا قِيلَ شَهِيد : وَقِيلَ : سُمِّيَ شَهِيدًا لِأَنَّهُ مَشْهُود لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقِيلَ : سُمِّيَ شَهِيدًا لِأَنَّ أَرْوَاحهمْ اِحْتَضَرَتْ دَار السَّلَام , لِأَنَّهُمْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ , وَأَرْوَاح غَيْرهمْ لَا تَصِل إِلَى الْجَنَّة ; فَالشَّهِيد بِمَعْنَى الشَّاهِد أَيْ الْحَاضِر لِلْجَنَّةِ , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عَلَى مَا يَأْتِي وَالشَّهَادَة فَضْلهَا عَظِيم , وَيَكْفِيك فِي فَضْلهَا قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ " [ التَّوْبَة : 111 ] الْآيَة . " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم . تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسكُمْ " إِلَى قَوْله : " ذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم " [ الصَّفّ : 10 - 11 - 12 ] وَفِي صَحِيح الْبُسْتِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يَجِد الشَّهِيد مِنْ الْقَتْل إِلَّا كَمَا يَجِد أَحَدكُمْ مِنْ الْقُرْحَة ) . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ رَاشِد بْن سَعْد عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , مَا بَال الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورهمْ إِلَّا الشَّهِيد ؟ قَالَ : ( كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوف عَلَى رَأْسه فِتْنَة ) . وَفِي الْبُخَارِيّ : " مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْم أُحُد " مِنْهُمْ حَمْزَة وَالْيَمَان وَالنَّضْر بْن أَنَس وَمُصْعَب بْن عُمَيْر , حَدَّثَنِي عَمْرو بْن عَلِيٍّ أَنَّ مُعَاذ بْن هِشَام قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَة قَالَ : مَا نَعْلَم حَيًّا مِنْ أَحْيَاء الْعَرَب أَكْثَر شَهِيدًا أَعَزّ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْأَنْصَار . قَالَ قَتَادَة : وَحَدَّثَنَا أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْم أَحَد سَبْعُونَ , وَيَوْم بِئْر مَعُونَة سَبْعُونَ , وَيَوْم الْيَمَامَة سَبْعُونَ . قَالَ : وَكَانَ بِئْر مَعُونَة عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَوْم الْيَمَامَة عَلَى عَهْد أَبِي بَكْر يَوْم مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب . وَقَالَ أَنَس : أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَلِيٍّ بْن أَبِي طَالِب وَبِهِ نَيِّف وَسِتُّونَ جِرَاحَة مِنْ طَعْنَة وَضَرْبَة وَرَمْيَة , فَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحهَا وَهِيَ تَلْتَئِم بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى كَأَنْ لَمْ تَكُنْ . الثَّانِيَة : فِي قَوْله تَعَالَى : " وَيَتَّخِذ مِنْكُمْ شُهَدَاء " دَلِيل عَلَى أَنَّ الْإِرَادَة غَيْر الْأَمْر كَمَا يَقُول أَهْل السُّنَّة ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى نَهَى الْكُفَّار عَنْ قَتْل الْمُؤْمِنِينَ : حَمْزَة وَأَصْحَابه وَأَرَادَ قَتْلهمْ , وَنَهَى آدَم عَنْ أَكْل الشَّجَرَة وَأَرَادَهُ فَوَاقَعَهُ آدَم , وَعَكْسه أَنَّهُ أَمَرَ إِبْلِيس بِالسُّجُودِ وَلَمْ يُرِدْهُ فَامْتَنَعَ مِنْهُ ; وَعَنْهُ وَقَعَتْ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ الْحَقّ : " وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّه اِنْبِعَاثهمْ فَثَبَّطَهُمْ " [ التَّوْبَة : 46 ] . وَإِنْ كَانَ قَدْ أَمَرَ جَمِيعهمْ بِالْجِهَادِ , وَلَكِنَّهُ خَلَقَ الْكَسَل وَالْأَسْبَاب الْقَاطِعَة عَنْ الْمَسِير فَقَعَدُوا . الثَّالِثَة : رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر فَقَالَ لَهُ : ( خَيِّرْ أَصْحَابك فِي الْأُسَارَى إِنْ شَاءُوا الْقَتْل وَإِنْ شَاءُوا الْفِدَاء عَلَى أَنْ يُقْتَل مِنْهُمْ عَام الْمُقْبِل مِثْلهمْ فَقَالُوا الْفِدَاء وَيُقْتَل مِنَّا ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث حَسَن . فَأَنْجَزَ اللَّه وَعْده بِشَهَادَةِ أَوْلِيَائِهِ بَعْد أَنْ خَيَّرَهُمْ فَاخْتَارُوا الْقَتْل . " وَاَللَّه لَا يُحِبّ الظَّالِمِينَ " أَيْ الْمُشْرِكِينَ , أَيْ وَإِنْ أَنَال الْكُفَّار مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ لَا يُحِبّهُمْ , وَإِنْ أَحَلَّ أَلَمًا بِالْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يُحِبّ الْمُؤْمِنِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال

    آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال : مشروع مبارك - إن شاء الله - يهدف إلى جمع مؤلفات الإمام ابن القيم - رحمه الله -، وقد تميز المشروع بتوفير أفضل النسخ الخطية من مكتبات العالم، والسير على طريقة سويّة مقتصدة في التعليق والتحقيق، وخدمة كل كتاب بمقدمة موعبة وفهارس مفصّلة كاشفة، وقد تم التحقيق بواسطة عددٍ من طلبة العلم المحققين، بعد إخضاع العمل للمراجعة والتحكيم، والمشروع صدر تحت إشراف العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله -. - وقد طبع من المشروع ثمانية عشر كتابًا من مجموع مؤلفات الإمام، وهي كالآتي مع أسماء محققيها: 1- بدائع الفوائد (5مجلدات)، تحقيق: علي بن محمد العمران. 2- الوابل الصيب، تحقيق: عبدالرحمن بن حسن بن قائد. 3- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، تحقيق زائد بن أحمد النشيري. أربع رسائل في مجلد واحد هي: 4- الرسالة التبوكية. تحقيق: محمد عزير شمس. 5- رسالة في صيغ الحمد. تحقيق: عبدالله بن سالم البطاطي. 6- رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه. تحقيق: عبدالله بن محمد المديفر. 7- إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان. تحقيق: عبدالرحمن بن حسن بن قائد. 8- الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، المعروفة بـ (النونية). تحقيق: ناصر الحنيني، ومحمد العريفي، وآخرين. تنسيق: محمد أجمل الإصلاحي.(ثلاثة مجلدات).+ مجلد لمتن النونية مجردًا من الحواشي. 9-الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق: نايف الحمد.(مجلدان). 10- الفروسية المحمدية، تحقيق: زايد النشيري. 11- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، تحقيق: زايد النشيري.(مجلدان). 12- المنار المنيف في الصحيح والضعيف، تحقيق: يحيى بن عبدالله الثمالي. 13- طريق الهجرتين وباب السعادتين، تحقيق: محمد أجمل الإصلاحي (مجلدان). 14- التبيان في أيمان القرآن، تحقيق: عبدالله بن سالم البطاطي. 15- هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، تحقيق: عثمان جمعة ضميرية. 16- عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، تحقيق: إسماعيل غازي مرحبا. 17- الداء والدواء، تحقيق: محمد أجمل الإصلاحي. 18- الفوائد، تحقيق: محمد عزير شمس.

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265592

    التحميل:

  • عيون الأثر في المغازي والسير

    عيون الأثر في المغازي والسير: كتاب يحتوي على بيان غزوات وسرايا النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141384

    التحميل:

  • العلاقة بين التشيع والتصوف

    العلاقة بين التشيع والتصوف : رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه من كلية الدعوة وأصول الدين من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية, وتتناول فرق الشيعة والصوفية, ونشأة كل منهما وأثرهما في التاريخ الإسلامي, والعلاقة بينهما.

    الناشر: موقع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة www.iu.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/280390

    التحميل:

  • الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    لمعة الاعتقاد : رسالة مختصرة للعلامة ابن قدامة المقدسي - رحمه الله - بين فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، والقدر، واليوم الآخر، وما يجب تجاه الصحابة، والموقف من أهل البدع، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان معانيها، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - رحمه الله - في كتابه الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد.

    الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313420

    التحميل:

  • الإرهاب والغلو [ دراسة في المصطلحات والمفاهيم]

    الإرهاب والغلو : فقد ملأت قضية ما يسمى بـ ( الإرهاب ) الدنيا، وشغلت الناس، وأصبحت حديثا مشتركًا بكل اللغات، وعلى اختلاف الحضارات، ولكن وإن نطق الجميع بالكلمة فإنهم مختلفون في تحديد معناها، فلا تكاد تعريفات (الإرهاب) تقع تحت الحصر، وكل مقرّ بنسبية المصطلح، وعدم تحدده وعدم الاتفاق على معناه، ومع أن الجميع يدعى للإسهام في حرب ( الإرهاب ) وتلك معضلة كبرى، توجب على العقلاء أن يدرسوا الأمر إذ كان همًا عامًا. إن ديننا دينٌ تميز فيما تميز به بدقة ألفاظه، وتحدد معانيها وبناء الأحكام على ذلك، فليس أمة عنيت بنصوص وحيها فدرست الألفاظ ومعانيها، دراسةً لغويةً ودراسة يتتبعُ فيها استعمالات الشارع لتلك الألفاظ كهذه الأمة. أما وقد شاع هذا المصطلح فإن هذه الدراسة دراسة قصد بها بيان المصطلحات المتعلقة بهذا الموضوع، وأثرها في الصراع الحضاري بين الأمم توصلًا إلى معرفة تأريخها واستعمالاتها، وما ذكر عند الناس في معناها، ثم ذكر الألفاظ الشرعية المستعملة في هذا الباب، والمهمات المناطة بالدعاة وطلاب العلم في تحرير مثل هذه المصطلحات. وكل هذه المعاني عظيمة الأهمية، توجب مزيدًا من الاهتمام ولكن هذا جهد يؤمل أن يتبع بجهود.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116860

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة