Muslim Library

تفسير الطبري - سورة آل عمران - الآية 79

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) (آل عمران) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَر , وَالْبَشَر : جَمْع بَنِي آدَم , لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , مِثْل الْقَوْم وَالْخَلْق , وَقَدْ يَكُون اِسْمًا لِوَاحِدٍ . { أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب } يَقُول : أَنْ يُنَزِّل اللَّه عَلَيْهِ كِتَابه , { وَالْحُكْم } يَعْنِي : وَيُعَلِّمهُ فَصْل الْحِكْمَة , { وَالنُّبُوَّة } يَقُول : وَيُعْطِيه النُّبُوَّة , { ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } يَعْنِي : ثُمَّ يَدْعُو النَّاس إِلَى عِبَادَة نَفْسه دُون اللَّه , وَقَدْ آتَاهُ اللَّه مَا آتَاهُ مِنْ الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة , وَلَكِنْ إِذَا آتَاهُ اللَّه ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْعِلْم بِاَللَّهِ , وَيَحْدُوهُمْ عَلَى مَعْرِفَة شَرَائِع دِينه , وَأَنْ يَكُونُوا رُؤَسَاء فِي الْمَعْرِفَة بِأَمْرِ اللَّه وَنَهْيه , وَأَئِمَّة فِي طَاعَته وَعِبَادَته بِكَوْنِهِمْ مُعَلِّمِي النَّاس الْكِتَاب , وَبِكَوْنِهِمْ دَارِسِيهِ . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَدْعُونَا إِلَى عِبَادَتك ؟ كَمَا : 5769 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة

أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ أَبُو رَافِع الْقُرَظِيّ حِين اِجْتَمَعَتْ الْأَحْبَار مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْل نَجْرَان عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام : أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّد أَنْ نَعْبُدك كَمَا تَعْبُد النَّصَارَى عِيسَى اِبْن مَرْيَم ؟ فَقَالَ رَجُل مِنْ أَهْل نَجْرَان نَصْرَانِيّ , يُقَال لَهُ الرَّئِيس : أَوَ ذَاكَ تُرِيد مِنَّا يَا مُحَمَّد وَإِلَيْهِ تَدْعُونَا ؟ أَوْ كَمَا قَالَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَعَاذ اللَّه أَنْ نَعْبُد غَيْر اللَّه , أَوْ نَأْمُر بِعِبَادَةِ غَيْره , مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي , وَلَا بِذَلِكَ أَمَرَنِي " . أَوْ كَمَا قَالَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة } . .. الْآيَة , إِلَى قَوْله بَعْد : { إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ أَبُو رَافِع الْقُرَظِيّ , فَذَكَرَ نَحْوه . 5770 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْل : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } يَقُول : مَا كَانَ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة يَأْمُر عِبَاده أَنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا مِنْ دُون اللَّه . 5771 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 5772 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ يَهُود يَتَعَبَّدُونَ النَّاس مِنْ دُون رَبّهمْ , بِتَحْرِيفِهِمْ كِتَاب اللَّه عَنْ مَوْضِعه , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } ثُمَّ يَأْمُر النَّاس بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَلَكِنْ يَقُول لَهُمْ : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ , فَتَرَكَ الْقَوْل اِسْتِغْنَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : كُونُوا حُكَمَاء عُلَمَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5773 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : حُكَمَاء عُلَمَاء . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : حُكَمَاء عُلَمَاء . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد

, قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } : حُكَمَاء عُلَمَاء . 5774 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : كُونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء . 5775 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : فُقَهَاء . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِم , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : فُقَهَاء . 5776 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : كُونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِي رَزِين فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : عُلَمَاء حُكَمَاء . قَالَ مَعْمَر : قَالَ قَتَادَة . 5777 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } أَمَّا الرَّبَّانِيُّونَ : فَالْحُكَمَاء الْفُقَهَاء . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الرَّبَّانِيُّونَ : الْفُقَهَاء الْعُلَمَاء , وَهُمْ فَوْق الْأَحْبَار . 5778 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } يَقُول : كُونُوا حُكَمَاء فُقَهَاء . 5779 - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة الثُّمَالِيّ , عَنْ يَحْيَى بْن عُقَيْل فِي قَوْله الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار , قَالَ : الْفُقَهَاء الْعُلَمَاء . * - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْله . * - حَدَّثَنِي اِبْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْأَشْقَر , قَالَ : ثنا أَبُو كُدَيْنَة , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : كُونُوا حُكَمَاء فُقَهَاء . 5780 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } يَقُول : كُونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ الْحُكَمَاء الْأَتْقِيَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5781 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن عِيَاض , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : حُكَمَاء أَتْقِيَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ وُلَاة النَّاس وَقَادَتهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5782 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت اِبْن زَيْد يَقُول فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : الرَّبَّانِيُّونَ : الَّذِينَ يَرُبُّونَ النَّاس وُلَاة هَذَا الْأَمْر , يَرُبُّونَهُمْ : يَلُونَهُمْ . وَقَرَأَ : { لَوْلَا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار } 5 63 قَالَ : الرَّبَّانِيُّونَ : الْوُلَاة , وَالْأَحْبَار : الْعُلَمَاء . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي الرَّبَّانِيِّينَ أَنَّهُمْ جَمْع رَبَّانِيّ , وَأَنَّ الرَّبَّانِيّ الْمَنْسُوب إِلَى الرَّبَّان : الَّذِي يَرُبّ النَّاس , وَهُوَ الَّذِي يُصْلِح أُمُورهمْ وَيَرُبّهَا , وَيَقُوم بِهَا , وَمِنْهُ قَوْل عَلْقَمَة بْن عَبْدَة : وَكُنْت اِمْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْك رِبَابَتِي وَقَبْلك رَبَّتْنِي فَضِعْت رُبُوب يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " رَبَّتْنِي " : وَلِيَ أَمْرِي وَالْقِيَام بِهِ قَبْلك مَنْ يَرُبّهُ وَيُصْلِحهُ , فَلَمْ يُصْلِحُوهُ , وَلَكِنَّهُمْ أَضَاعُونِي فَضِعْت , يُقَال مِنْهُ : رَبَّ أَمْرِي فُلَان فَهُوَ يَرُبّهُ رَبًّا وَهُوَ رَابُّهُ , فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَة فِي مَدْحه قِيلَ : هُوَ رَبَّان , كَمَا يُقَال : هُوَ نَعْسَان , مِنْ قَوْلهمْ : نَعِسَ يَنْعَس , وَأَكْثَر مَا يَجِيء مِنْ الْأَسْمَاء عَلَى فَعْلَان مَا كَانَ مِنْ الْأَفْعَال مَاضِيه عَلَى فَعِلَ مِثْل قَوْلهمْ : هُوَ سَكْرَان وَعَطْشَان وَرَيَّان , مِنْ سَكِرَ يَسْكَر , وَعَطِشَ يَعْطَش , وَرَوِيَ يَرْوَى , وَقَدْ يَجِيء مِمَّا كَانَ مَاضِيه عَلَى فَعَلَ يَفْعُل , نَحْو مَا قُلْنَا مِنْ نَعَسَ يَنْعُس , وَرَبَّ يَرُبّ . فَإِذَا كَانَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا , وَكَانَ الرَّبَّان مَا ذَكَرْنَا , وَالرَّبَّانِيّ : هُوَ الْمَنْسُوب إِلَى مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْت , وَكَانَ الْعَالِم بِالْفِقْهِ وَالْحِكْمَة مِنْ الْمُصْلِحِينَ , يَرُبّ أُمُور النَّاس بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُمْ الْخَيْر , وَدُعَائِهِمْ إِلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَتهمْ , وَكَانَ كَذَلِكَ الْحَكِيم التَّقِيّ لِلَّهِ , وَالْوَلِيّ الَّذِي يَلِي أُمُور النَّاس عَلَى الْمِنْهَاج الَّذِي وَلِيَهُ الْمُقْسِطُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ أُمُور الْخَلْق بِالْقِيَامِ فِيهِمْ , بِمَا فِيهِ صَلَاح عَاجِلهمْ وَآجِلهمْ , وَعَائِدَة النَّفْع عَلَيْهِمْ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ ; كَانُوا جَمِيعًا مُسْتَحِقِّينَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } . فَالرَّبَّانِيُّونَ إِذًا , هُمْ عِمَاد النَّاس فِي الْفِقْه وَالْعِلْم وَأُمُور الدِّين وَالدُّنْيَا , وَلِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد : " وَهُمْ فَوْق الْأَحْبَار " , لِأَنَّ الْأَحْبَار هُمْ الْعُلَمَاء . وَالرَّبَّانِيّ : الْجَامِع إِلَى الْعِلْم وَالْفِقْه , الْبَصَر بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِير , وَالْقِيَام بِأُمُورِ الرَّعِيَّة , وَمَا يُصْلِحهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَدِينهمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب , وَبِمَا كُنْتُمْ

تَدْرُسُونَ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْحِجَاز وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ : " بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " بِفَتْحِ التَّاء وَتَخْفِيف اللَّام , يَعْنِي : بِعِلْمِكُمْ الْكِتَاب , وَدِرَاسَتكُمْ إِيَّاهُ وَقِرَاءَتكُمْ . وَاعْتَلُّوا لِاخْتِيَارِهِمْ قِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ , بِأَنَّ الصَّوَاب لَوْ كَانَ التَّشْدِيد فِي اللَّام وَضَمّ التَّاء , لَكَانَ الصَّوَاب فِي " تَدْرُسُونَ " بِضَمِّ التَّاء وَتَشْدِيد الرَّاء . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب } بِضَمِّ التَّاء مِنْ تُعَلِّمُونَ وَتَشْدِيد اللَّام , بِمَعْنَى : بِتَعْلِيمِكُمْ النَّاس الْكِتَاب , وَدِرَاسَتكُمْ إِيَّاهُ . وَاعْتَلُّوا لِاخْتِيَارِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ وَصَفَهُمْ بِالتَّعْلِيمِ فَقَدْ وَصَفَهُمْ بِالْعِلْمِ , إِذْ لَا يُعَلِّمُونَ إِلَّا بَعْد عِلْمهمْ بِمَا يُعَلِّمُونَ . قَالُوا : وَلَا مَوْصُوف بِأَنَّهُ يَعْلَم , إِلَّا وَهُوَ مَوْصُوف بِأَنَّهُ عَالِم . قَالُوا : فَأَمَّا الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ عَالِم , فَغَيْر مَوْصُوف بِأَنَّهُ مُعَلِّم غَيْره . قَالُوا : فَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ , أَبْلَغهمَا فِي مَدْح الْقَوْم , وَذَلِكَ وَصْفهمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس الْكِتَاب . كَمَا : 5783 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَرَأَ : " بِمَا كُنْت تَعْلَمُونَ الْكِتَاب وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ " مُخَفَّفَة بِنَصَبِ التَّاء . وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَة : مَا عَلَّمُوهُ حَتَّى عَلِمُوهُ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِضَمِّ التَّاء وَتَشْدِيد اللَّام , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَ الْقَوْم بِأَنَّهُمْ أَهْل عِمَاد لِلنَّاسِ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ , وَأَهْل إِصْلَاح لَهُمْ وَلِأُمُورِهِمْ وَتَرْبِيَة , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْل مِنْ مَعْنَى الرَّبَّانِيّ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ صَارُوا أَهْل إِصْلَاح لِلنَّاسِ , وَتَرْبِيَة لَهُمْ بِتَعْلِيمِهِمْ إِيَّاهُمْ كِتَاب رَبّهمْ . وَدِرَاسَتهمْ إِيَّاهُ : تِلَاوَته , وَقَدْ قِيلَ : دِرَاسَتهمْ الْفِقْه . وَأَشْبَهَ التَّأْوِيلَيْنِ بِالدِّرَاسَةِ مَا قُلْنَا مِنْ تِلَاوَة الْكِتَاب , لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْله : { تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب } , وَالْكِتَاب : هُوَ الْقُرْآن , فَلَأَنْ تَكُون الدِّرَاسَة مَعْنِيًّا بِهَا دِرَاسَة الْقُرْآن أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُون مَعْنِيًّا بِهَا دِرَاسَة الْفِقْه الَّذِي لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5784 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ يَحْيَى بْن آدَم : قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا : كَانَ عَاصِم يَقْرَؤُهَا : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب } قَالَ : الْقُرْآن , { وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } قَالَ : الْفِقْه . فَمَعْنَى الْآيَة : وَلَكِنْ يَقُول لَهُمْ : كُونُوا أَيّهَا النَّاس سَادَة النَّاس وَقَادَتهمْ فِي أَمْر دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ , رَبَّانِيِّينَ بِتَعْلِيمِكُمْ إِيَّاهُمْ كِتَاب اللَّه , وَمَا فِيهِ مِنْ حَلَال وَحَرَام , وَفَرْض وَنَدْب , وَسَائِر مَا حَوَاهُ مِنْ مَعَانِي أُمُور دِينهمْ , وَبِتِلَاوَتِكُمْ إِيَّاهُ وَدِرَاسَتِكُمُوهُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • من مشاهد القيامة وأهوالها وما يلقاه الإنسان بعد موته

    في هذه الرسالة التحذير من الافتتان والاغترار بالدنيا الفانية والإعراض عن الآخرة الباقية، ثم ذكر بعض أهوال يوم القيامة، ثم ذكر وصف جنات النعيم وأهلها، ثم ذكر أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209203

    التحميل:

  • قضايا تهم المرأة

    قضايا تهم المرأة : فقد رأيت أن أفرد من كتابي «الثمار اليانعة من الكلمات الجامعة» قضايا تهم المرأة، ونحو ربها ودينها ودنياها وآخرتها في الحث «على الزواج وبيان فوائده» والتحذير من غلاء المهور وبيان أضراره، وذكر العلاقات بين الزوجين في نظر الإسلام، وإباحة تعدد الزوجات في الإسلام، ووجوب الحجاب على المرأة المسلمة صيانة لها، وبيان ما يلزم المحدة على زوجها من الأحكام (وذكر خطورة الاختلاط بين الرجال والنساء غير المحارم). (وصفات نساء الجنة) (وصفات نساء النار، والحث على وقاية الأنفس والأهل من النار). «وبيان حكم مصافحة المرأة الأجنبية التي ليس محرما». «وبيان أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس». «وما جاء في زكاة الحلي، وبيان تحريم تبرج النساء، واختلاطهن بالرجال والأمر بالحجاب، وأن النساء على النصف من الرجال في بعض الأحكام، وذكر نقد مساواة المرأة بالرجل على ضوء الإسلام».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209159

    التحميل:

  • 90 مسألة في الزكاة

    90 مسألة في الزكاة: ذكر المؤلف في هذه الرسالة أكثر من تسعين مسألة في الزكاة تحت التقسيم التالي: 1- حكم الزكاة. 2- وعيد تاركي الزكاة. 3- حكم تارك الزكاة. 4- من أسرار الزكاة. 5- من فوائد الزكاة. 6- الصدقات المستحبة. 7- أحكام الزكاة. 8- شروط وجوب الزكاة. 9- زكاة الأنعام. 10- زكاة الحبوب والثمار. 11- زكاة الذهب والفضة. 12- زكاة المال المدخر. 13- زكاة عروض التجارة. 14- زكاة الأراضي. 15- زكاة الدين. 16- إخراج الزكاة وتأخيرها. 17- أهل الزكاة المستحقين لها. 18- إعطاء الأقارب من الزكاة. 19- أحكام متفرقة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287883

    التحميل:

  • خلاصة في علم الفرائض

    رسالة تحتوي على بيان بعض أحكام المواريث باختصار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335002

    التحميل:

  • روائع البيان في إعجاز القرآن

    روائع البيان في إعجاز القرآن: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فعندما أُسنِد إليَّ تدريس (إعجاز القرآن) بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، أعددتُ بحثًا للطلاب في ذلك، ثم بدَا لي أن أُعيد النظرَ فيه وأضعه في كتابٍ كي يستفيدَ منه المُسلِمون، فقمتُ بعمل هذا الكتابِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384408

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة