Muslim Library

تفسير الطبري - سورة آل عمران - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) (آل عمران) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْل اللَّه : " اللَّه " , فَإِنَّهُ عَلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : هُوَ الَّذِي يَأْلَههُ كُلّ شَيْء , وَيَعْبُدهُ كُلّ خَلْق . وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا كُرَيْب : 117 - حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس قَالَ : اللَّه ذُو الْأُلُوهِيَّة وَالْمَعْبُودِيَّة عَلَى خَلْقه أَجْمَعِينَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَهَلْ لِذَلِكَ فِي " فَعَلَ وَيَفْعَل " أَصْل كَانَ مِنْهُ بِنَاء هَذَا الِاسْم ؟ قِيلَ : أَمَّا سَمَاعًا مِنْ الْعَرَب فَلَا , وَلَكِنْ اِسْتِدْلَالًا . فَإِنْ قَالَ : وَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُلُوهِيَّة هِيَ الْعِبَادَة , وَأَنَّ الْإِلَه هُوَ الْمَعْبُود , وَأَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي فَعَلَ وَيَفْعَل ؟ قِيلَ : لَا تَمَانُع بَيْن الْعَرَب فِي الْحُكْم - لِقَوْلِ الْقَائِل يَصِف رَجُلًا بِعِبَادَةٍ وَيَطْلُب مِمَّا عِنْد اللَّه جَلَّ ذِكْره : تَأَلَّهَ فُلَان بِالصِّحَّةِ - وَلَا خِلَاف . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل رُؤْبَة بْن الْعَجَّاج : لِلَّهِ دَرّ الْغَانِيَات الْمُدَّهِ سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي يَعْنِي مِنْ تَعَبُّدِي وَطَلَبِي اللَّه بِعَمَلٍ . وَلَا شَكّ أَنَّ التَّأَلُّه " التَّفَعُّل " مِنْ : أَلِهَ يَأْلَه , وَأَنَّ مَعْنَى " أَلِهَ " إِذَا نُطِقَ بِهِ : عُبِدَ اللَّه . وَقَدْ جَاءَ مِنْهُ مَصْدَر يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْعَرَب قَدْ نَطَقَتْ مِنْهُ بِ " فَعَلَ يَفْعَل " بِغَيْرِ زِيَادَة . وَذَلِكَ مَا : 118 - حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ نَافِع بْن عُمَر , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّهُ قَرَأَ : { وَيَذَرك وَإِلَاهَتك } 7 127 قَالَ : عِبَادَتك , وَيُقَال : إِنَّهُ كَانَ يُعْبَد وَلَا يَعْبُد . * - وَحَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن الْحَسَن , عَنْ اِبْن عَبَّاس : " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " قَالَ : إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْن يُعْبَد وَلَا يَعْبُد . وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْد اللَّه يَقْرَؤُهَا وَمُجَاهِد . 119 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " قَالَ : وَعِبَادَتك . وَلَا شَكّ أَنَّ الْإِلَاهَة عَلَى مَا فَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد , مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل أَلِهَ اللَّه فُلَان إِلَاهَة , كَمَا يُقَال : عَبَدَ اللَّه فُلَان عِبَادَة , وَعَبَرَ الرُّؤْيَا عِبَارَة . فَقَدْ بَيَّنَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد هَذَا أَنَّ أَلِهَ : عَبَدَ , وَأَنَّ الْإِلَاهَة مَصْدَره . فَإِنْ قَالَ : فَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يُقَال لِمَنْ عَبَدَ اللَّه : أَلِهَهُ , عَلَى تَأْوِيل قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد , فَكَيْفَ الْوَاجِب فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال , إِذَا أَرَادَ الْمُخْبِر الْخَبَر عَنْ اِسْتِيجَاب اللَّه ذَلِكَ عَلَى عَبْده ؟ قِيلَ : أَمَّا الرِّوَايَة فَلَا رِوَايَة عِنْدنَا , وَلَكِنَّ الْوَاجِب عَلَى قِيَاس مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الَّذِي : 120 - حَدَّثَنَا بِهِ إِسْمَاعِيل بْن الْفَضْل , قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن يَحْيَى , عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة , عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَمِسْعَر بْن كِدَام , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عِيسَى أَسْلَمَتْهُ أُمّه إِلَى الْكُتَّاب لِيُعَلِّمَهُ , فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّم : اُكْتُبْ اللَّه , فَقَالَ لَهُ عِيسَى : أَتَدْرِي مَا اللَّه ؟ اللَّه إِلَه الْآلِهَة " . أَنْ يُقَال : اللَّه جَلَّ جَلَاله أَلِهَ الْعَبْد , وَالْعَبْد أَلِهَهُ . وَأَنْ يَكُون قَوْل الْقَائِل " اللَّه " مِنْ كَلَام الْعَرَب أَصْله " الْإِلَه" . فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعَ اِخْتِلَاف لَفْظَيْهِمَا ؟ قَالَ : كَمَا جَازَ أَنْ يَكُون قَوْله : { لَكِنَّا هُوَ اللَّه رَبِّي } 18 38 أَصْله : وَلَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّه رَبِّي كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِب وَتُقِلِّينَنِي لَكِنَّ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي يُرِيد : " لَكِنْ أَنَا إِيَّاكِ لَا أَقْلِي " فَحَذَفَ الْهَمْزَة مِنْ " أَنَا " , فَالْتَقَتْ نُون " أَنَا " " وَنُون " لَكِنْ " وَهِيَ سَاكِنَة , فَأُدْغِمَتْ فِي نُون أَنَا , فَصَارَتَا نُونًا مُشَدَّدَة , فَكَذَلِكَ اللَّه , أَصْله الْإِلَه , أُسْقِطَتْ الْهَمْزَة , الَّتِي هِيَ فَاء الِاسْم , فَالْتَقَتْ اللَّام الَّتِي هِيَ عَيْن الِاسْم , وَاللَّام الزَّائِدَة الَّتِي دَخَلَتْ مَعَ الْأَلِف الزَّائِدَة , وَهِيَ سَاكِنَة , فَأُدْغِمَتْ فِي الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ عَيْن الِاسْم , فَصَارَتَا فِي اللَّفْظ لَامًا وَاحِدَة مُشَدَّدَة , كَمَا وَصَفْنَا مِنْ قَوْل اللَّه : { لَكِنَّا هُوَ اللَّه رَبِّي }

مَعْنَى قَوْله : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } فَإِنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ أَخْبَرَ عِبَاده أَنَّ الْأُلُوهِيَّة خَاصَّة بِهِ دُون مَا سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَأَنَّ الْعِبَادَة لَا تَصْلُح وَلَا تَجُوز إِلَّا لَهُ لِانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ , وَتَوَحُّده بِالْأُلُوهِيَّةِ , وَأَنَّ كُلّ مَا دُونه فَمِلْكه , وَأَنَّ كُلّ مَا سِوَاهُ فَخَلْقه , لَا شَرِيك لَهُ فِي سُلْطَانه وَمُلْكه ; اِحْتِجَاجًا مِنْهُ تَعَالَى ذِكْره عَلَيْهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ إِذْ كَانَ كَذَلِكَ , فَغَيْر جَائِزَة لَهُمْ عِبَادَة غَيْره , وَلَا إِشْرَاك أَحَد مَعَهُ فِي سُلْطَانه , إِذْ كَانَ كُلّ مَعْبُود سِوَاهُ فَمُلْكه , وَكُلّ مُعَظَّم غَيْره فَخَلْقه , وَعَلَى الْمَمْلُوك إِفْرَاد الطَّاعَة لِمَالِكِهِ , وَصَرْف خِدْمَته إِلَى مَوْلَاهُ وَرَازِقه . وَمُعَرِّفًا مَنْ كَانَ مِنْ خَلْقه يَوْم أَنْزَلَ ذَلِكَ إِلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِتَنْزِيلِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِ

, وَإِرْسَاله بِهِ إِلَيْهِمْ عَلَى لِسَانه صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه , مُقِيمًا عَلَى عِبَادَة وَثَن أَوْ صَنَم أَوْ شَمْس أَوْ قَمَر أَوْ إِنْسِيّ أَوْ مَلَك أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي كَانَتْ بَنُو آدَم مُقِيمَة عَلَى عِبَادَته وَإِلَاهَته , وَمُتَّخِذَته دُون مَالِكه وَخَالِقه إِلَهًا وَرَبًّا , أَنَّهُ مُقِيم عَلَى ضَلَالَة , وَمُنْعَزِل عَنْ الْمَحَجَّة , وَرَاكِب غَيْر السَّبِيل الْمُسْتَقِيمَة بِصَرْفِهِ الْعِبَادَة إِلَى غَيْره وَلَا أَحَد لَهُ الْأُلُوهِيَّة غَيْره . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَة اِبْتَدَأَ اللَّه بِتَنْزِيلِهِ فَاتِحَتهَا بِاَلَّذِي اِبْتَدَأَ بِهِ مِنْ نَفْي الْأُلُوهِيَّة أَنْ يَكُون لِغَيْرِهِ وَوَصْفه نَفْسه بِاَلَّذِي وَصَفَهَا بِهِ اِبْتِدَائِهَا اِحْتِجَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى طَائِفَة مِنْ النَّصَارَى قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَجْرَان , فَحَاجُّوهُ فِي عِيسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , وَأَلْحَدُوا فِي اللَّه , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْرهمْ وَأَمْر عِيسَى مِنْ هَذِهِ السُّورَة نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ آيَة مِنْ أَوَّلهَا , اِحْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ كَانَ عَلَى مِثْل مَقَالَتهمْ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَبَوْا إِلَّا الْمُقَام عَلَى ضَلَالَتهمْ وَكُفْرهمْ , فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَة , فَأَبَوْا ذَلِكَ وَسَأَلُوا قَبُول الْجِزْيَة مِنْهُمْ , فَقَبِلَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ , وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلَادهمْ . غَيْر أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِيَّاهُمْ قَصَدَ بِالْحِجَاجِ , فَإِنَّ مَنْ كَانَ مَعْنَاهُ مِنْ سَائِر الْخَلْق مَعْنَاهُمْ فِي الْكُفْر بِاَللَّهِ , وَاِتِّخَاذ مَا سِوَى اللَّه رَبًّا وَإِلَهًا وَمَعْبُودًا , مَعْمُومُونَ بِالْحُجَّةِ الَّتِي حَجَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا نَزَلَتْ مِنْ هَذِهِ الْآيَات فِيهِ , وَمَحْجُوجُونَ فِي الْفُرْقَان الَّذِي فَرَقَ بِهِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنه وَبَيْنهمْ . ذِكْر الرِّوَايَة عَمَّنْ ذَكَرْنَا قَوْله فِي نُزُول اِفْتِتَاح هَذِهِ السُّورَة أَنَّهُ نَزَلَ فِي الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتهمْ مِنْ النَّصَارَى : 5136 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْد نَجْرَان , سِتُّونَ رَاكِبًا , فِيهِمْ أَرْبَعَة عَشَر رَجُلًا مِنْ أَشْرَافهمْ , فِي الْأَرْبَعَة عَشَر ثَلَاثَة نَفَر إِلَيْهِمْ يَئُول أَمْرهمْ : الْعَاقِب أَمِير الْقَوْم وَذُو رَأْيهمْ , وَصَاحِب مَشُورَتهمْ وَاَلَّذِي لَا يُصْدِرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيه , وَاسْمه عَبْد الْمَسِيح . وَالسَّيِّد ثُمَالهمْ , وَصَاحِب رَحْلهمْ وَمُجْتَمَعهمْ , وَاسْمه الْأَيْهَم . وَأَبُو حَارِثَة بْن عَلْقَمَة أَخُو بَكْر بْن وَائِل , أُسْقُفهمْ وَحَبْرهمْ وَإِمَامهمْ وَصَاحِب مِدْرَاسهمْ . وَكَانَ أَبُو حَارِثَة قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبهمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمه فِي دِينهمْ , فَكَانَتْ مُلُوك الرُّوم مِنْ أَهْل النَّصْرَانِيَّة قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ , وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِس , وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَات , لِمَا يَبْلُغهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمه وَاجْتِهَاده فِي دِينه . قَالَ اِبْن إِسْحَاق قَالَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي مَسْجِده حِين صَلَّى الْعَصْر , عَلَيْهِمْ ثِيَاب الْحِبَرَات جُبَب وَأَرْدِيَة فِي بِلْحَارِث بْن كَعْب . قَالَ : يَقُول بَعْض مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ : مَا رَأَيْنَا بَعْدهمْ وَفْدًا مِثْلهمْ . وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتهمْ , فَقَامُوا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَعُوهُمْ " ! فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِق . قَالَ : وَكَانَتْ تَسْمِيَة الْأَرْبَعَة عَشَر مِنْهُمْ الَّذِينَ يَئُول إِلَيْهِمْ أَمْرهمْ : الْعَاقِب وَهُوَ عَبْد الْمَسِيح , وَالسَّيِّد وَهُوَ الْأَيْهَم , وَأَبُو حَارِثَة بْن عَلْقَمَة أَخُو بَكْر بْن وَائِل , وَأَوْس , وَالْحَارِث , وَزَيْد , وَقَيْس , وَيَزِيد , وَنُبَيْه , وَخُوَيْلِد بْن عَمْرو , وَخَالِد , وَعَبْد اللَّه , وَيُحَنَّس ; فِي سِتِّينَ رَاكِبًا . فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَة بْن عَلْقَمَة , وَالْعَاقِبُ عَبْد الْمَسِيح , وَالْأَيْهَم السَّيِّد , وَهُمْ مِنْ النَّصْرَانِيَّة عَلَى دِين الْمَلِك مَعَ اِخْتِلَاف مِنْ أَمْرهمْ يَقُولُونَ : هُوَ اللَّه , وَيَقُولُونَ : هُوَ وَلَد اللَّه , وَيَقُولُونَ : هُوَ ثَالِث ثَلَاثَة , وَكَذَلِكَ قَوْل النَّصْرَانِيَّة . فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلهمْ : هُوَ اللَّه , بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى , وَيُبْرِئ الْأَسْقَام , وَيُخْبِر بِالْغُيُوبِ , وَيَخْلُق مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر , ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ فَيَكُون طَائِرًا , وَذَلِكَ كُلّه بِإِذْنِ اللَّه , لِيَجْعَلَهُ آيَة لِلنَّاسِ . وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلهمْ : إِنَّهُ وَلَد اللَّه , أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَمْ يَكُنْ لَهُ أَب يُعْلَم , وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْد بِشَيْءٍ لَمْ يَصْنَعهُ أَحَد مِنْ وَلَد آدَم مِنْ قَبْله . وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلهمْ : إِنَّهُ ثَالِث ثَلَاثَة , بِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" فَعَلْنَا " وَ " أَمَرْنَا " وَ " خَلَقْنَا " وَ " قَضَيْنَا " , فَيَقُولُونَ : لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إِلَّا " فَعَلْت " وَ " أَمَرْت " وَ " قَضَيْت " وَ " خَلَقْت " , وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمَرْيَم . فَفِي كُلّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآن , وَذَكَرَ اللَّه لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ قَوْلهمْ . فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ , قَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَسْلِمَا " ! قَالَا : قَدْ أَسْلَمْنَا . قَالَ : " إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا , فَأَسْلِمَا" ! قَالَا : بَلَى قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلك . قَالَ : " كَذَبْتُمَا , يَمْنَعكُمَا مِنْ الْإِسْلَام دُعَاؤُكُمَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدًا , وَعِبَادَتكُمَا الصَّلِيب , وَأَكْلكُمَا الْخِنْزِير " . قَالَا : فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّد , فَصَمَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا , فَلَمْ يُجِبْهُمَا , فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ , وَاخْتِلَاف أَمْرهمْ كُلّه , صَدْر سُورَة آل عِمْرَان إِلَى بِضْع وَثَمَانِينَ آيَة مِنْهَا , فَقَالَ : { اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم } فَافْتَتَحَ السُّورَة بِتَبْرِئَةِ نَفْسه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّا قَالُوا , وَتَوْحِيده إِيَّاهَا بِالْخَلْقِ وَالْأَمْر , لَا شَرِيك لَهُ فِيهِ , وَرَدًّا عَلَيْهِمْ مَا اِبْتَدَعُوا مِنْ الْكُفْر , وَجَعَلُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْدَاد , وَاحْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ فِي صَاحِبهمْ , لِيُعَرِّفهُمْ بِذَلِكَ ضَلَالَتهمْ , فَقَالَ : { اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } أَيْ لَيْسَ مَعَهُ شَرِيك فِي أَمْره . 5137 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { الم اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : إِنَّ النَّصَارَى أَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَخَاصَمُوهُ فِي عِيسَى اِبْن مَرْيَم , وَقَالُوا لَهُ : مَنْ أَبُوهُ ؟ وَقَالُوا عَلَى اللَّه الْكَذِب وَالْبُهْتَان , لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , لَمْ يَتَّخِذ صَاحِبَة وَلَا وَلَدًا . فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُون وَلَد إِلَّا وَهُوَ يُشْبِه أَبَاهُ ؟ " قَالُوا : بَلَى . قَالَ : " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبّنَا حَيّ لَا يَمُوت , وَأَنَّ عِيسَى يَأْتِي عَلَيْهِ الْفَنَاء ؟ " . قَالُوا : بَلَى . قَالَ : " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبّنَا قَيِّم عَلَى كُلّ شَيْء يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظهُ وَيَرْزُقهُ ؟ " . قَالَ : بَلَى . قَالَ : " فَهَلْ يَمْلِك عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ " . قَالُوا : لَا . قَالَ : " أَفَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء ؟ " . قَالُوا : بَلَى . قَالَ : " فَهَلْ يَعْلَم عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا مَا عُلِّمَ ؟ " قَالُوا : لَا . قَالَ : " فَإِنَّ رَبّنَا صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِم كَيْفَ شَاءَ , فَهَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ " . قَالُوا : بَلَى . قَالَ : " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبّنَا لَا يَأْكُل الطَّعَام وَلَا يَشْرَب الشَّرَاب وَلَا يُحْدِث الْحَدَث ؟ " . قَالُوا : بَلَى . قَالَ :" أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى حَمَلَتْهُ اِمْرَأَة كَمَا تَحْمِل الْمَرْأَة ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَع الْمَرْأَة وَلَدهَا , ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يُغَذَّى الصَّبِيّ , ثُمَّ كَانَ يَطْعَم الطَّعَام وَيَشْرَب الشَّرَاب وَيُحْدِث الْحَدَث ؟ " . قَالُوا : بَلَى . قَالَ : " فَكَيْفَ يَكُون هَذَا كَمَا زَعَمْتُمْ ؟ " . قَالَ : فَعَرَفُوا ثُمَّ أَبَوْا إِلَّا جُحُودًا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { الم اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم }

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْحَيّ الْقَيُّوم } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْأَمْصَار : { الْحَيّ الْقَيُّوم } . وَقَرَأَ ذَلِكَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْن مَسْعُود فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمَا : " الْحَيّ الْقَيُّوم " . وَذُكِرَ عَنْ عَلْقَمَة بْن قَيْس أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " الْحَيّ الْقَيِّم" . 5138 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَثَّام بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ أَبِي مَعْمَر , قَالَ : سَمِعْت عَلْقَمَة يَقْرَأ : " الْحَيّ الْقَيِّم" قُلْت : أَنْتَ سَمِعْته ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . * - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ أَبِي مَعْمَر , عَنْ عَلْقَمَة , مِثْله . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَة خِلَاف ذَلِكَ , وَهُوَ مَا : 5139 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا شَيْبَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ أَبِي مَعْمَر , عَنْ عَلْقَمَة أَنَّهُ قَرَأَ : " الْحَيّ الْقَيَّام " . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا يَجُوز غَيْرهَا عِنْدنَا فِي ذَلِكَ , مَا جَاءَتْ بِهِ قِرَاءَة الْمُسْلِمِينَ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا عَنْ غَيْر تَشَاعُر وَلَا تَوَاطُؤ وَارِثَة , وَمَا كَانَ مُثْبَتًا فِي مَصَاحِفهمْ , وَذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ { الْحَيّ الْقَيُّوم } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْحَيّ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { الْحَيّ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : أَنَّهُ وَصَفَ نَفْسه بِالْبَقَاءِ , وَنَفَى الْمَوْت الَّذِي يَجُوز عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ خَلْقه عَنْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5140 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { الْحَيّ } الَّذِي لَا يَمُوت , وَقَدْ مَاتَ عِيسَى وَصُلِبَ فِي قَوْلهمْ , يَعْنِي فِي قَوْل الْأَحْبَار الَّذِينَ حَاجُّوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَصَارَى أَهْل نَجْرَان . 5141 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { الْحَيّ } قَالَ : يَقُول : حَيّ لَا يَمُوت . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى { الْحَيّ } الَّذِي عَنَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَة وَوَصَفَ بِهِ نَفْسه , أَنَّهُ الْمُتَيَسِّر لَهُ تَدْبِير كُلّ مَا أَرَادَ وَشَاءَ , لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء أَرَادَهُ , وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمَنْ لَا تَدْبِير لَهُ مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ لَهُ الْحَيَاة الدَّائِمَة الَّتِي لَمْ تَزَلْ لَهُ صِفَة , وَلَا تَزَال كَذَلِكَ . وَقَالُوا : إِنَّمَا وَصَفَ نَفْسه بِالْحَيَاةِ , لِأَنَّ لَهُ حَيَاة كَمَا وَصَفَهَا بِالْعِلْمِ لِأَنَّ لَهَا عِلْمًا , وَبِالْقُدْرَةِ لِأَنَّ لَهَا قُدْرَة . وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُ وَصَفَ نَفْسه بِالْحَيَاةِ الدَّائِمَة الَّتِي لَا فَنَاء لَهَا وَلَا اِنْقِطَاع , وَنَفَى عَنْهَا مَا هُوَ حَالّ بِكُلِّ ذِي حَيَاة مِنْ خَلْقه , مِنْ الْفَنَاء , وَانْقِطَاع الْحَيَاة عِنْد مَجِيء أَجَله , فَأَخْبَرَ عِبَاده أَنَّهُ الْمُسْتَوْجِب عَلَى خَلْقه الْعِبَادَة وَالْأُلُوهَة , وَالْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت , وَلَا يَبِيد كَمَا يَمُوت كُلّ مَنْ اِتَّخَذَ مِنْ دُونه رَبًّا , وَيَبِيد كُلّ مَنْ اِدَّعَى مِنْ دُونه

إِلَهًا , وَاحْتَجَّ عَلَى خَلْقه بِأَنَّ مَنْ كَانَ يَبِيد فَيَزُول وَيَمُوت فَيَفْنَى , فَلَا يَكُون إِلَهًا يَسْتَوْجِب أَنْ يُعْبَد دُون الْإِلَه الَّذِي لَا يَبِيد وَلَا يَمُوت , وَأَنَّ الْإِلَه : هُوَ الدَّائِم الَّذِي لَا يَمُوت وَلَا يَبِيد وَلَا يَفْنَى , وَذَلِكَ اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْقَيُّوم } قَدْ ذَكَرْنَا اِخْتِلَاف الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ وَاَلَّذِي نَخْتَار مِنْهُ , وَمَا الْعِلَّة الَّتِي مِنْ أَجْلهَا اِخْتَرْنَا مَا اِخْتَرْنَا مِنْ ذَلِكَ . فَأَمَّا تَأْوِيل جَمِيع الْوُجُوه الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْقُرَّاء قَرَأَتْ بِهَا فَمُتَقَارِب , وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلّه : الْقَيِّم بِحِفْظِ كُلّ شَيْء وَرِزْقه وَتَدْبِيره وَتَصْرِيفه فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ مِنْ تَغْيِير وَتَبْدِيل وَزِيَادَة وَنَقْص . كَمَا : 5142 - مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { الْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : الْقَائِم عَلَى كُلّ شَيْء . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 5143 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { الْقَيُّوم } قَيِّم عَلَى كُلّ شَيْء يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظهُ وَيَرْزُقهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ الْقِيَام عَلَى مَكَانه , وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْقِيَام الدَّائِم الَّذِي لَا زَوَال مَعَهُ وَلَا اِنْتِقَال , وَأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا نَفَى عَنْ نَفْسه بِوَصْفِهَا بِذَلِكَ التَّغَيُّر وَالتَّنَقُّل مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان وَحُدُوث التَّبَدُّل الَّذِي يَحْدُث فِي الْآدَمِيِّينَ وَسَائِر خَلْقه غَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5144 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عُمَر بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { الْقَيُّوم } الْقَائِم عَلَى مَكَانه مِنْ سُلْطَانه فِي خَلْقه لَا يَزُول , وَقَدْ زَالَ عِيسَى فِي قَوْلهمْ - يَعْنِي فِي قَوْل الْأَحْبَار الَّذِينَ حَاجُّوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل نَجْرَان فِي عِيسَى - عَنْ مَكَانه الَّذِي كَانَ بِهِ وَذَهَبَ عَنْهُ إِلَى غَيْره . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ , مَا قَالَهُ مُجَاهِد وَالرَّبِيع , وَأَنَّ ذَلِكَ وَصْف مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَفْسه بِأَنَّهُ الْقَائِم بِأَمْرِ كُلّ شَيْء فِي رِزْقه وَالدَّفْع عَنْهُ , وَكِلَاءَته وَتَدْبِيره وَصَرْفه فِي قُدْرَته , مِنْ قَوْل الْعَرَب : فُلَان قَائِم بِأَمْرِ هَذِهِ الْبَلْدَة , يَعْنِي بِذَلِكَ : الْمُتَوَلِّي تَدْبِير أَمْرهَا . فَالْقَيُّوم إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ " الْفَيْعُول " مِنْ قَوْل الْقَائِل : اللَّه يَقُوم بِأَمْرِ خَلْقه , وَأَصْله الْقَيْوُوم , غَيْر أَنَّ الْوَاو الْأُولَى مِنْ الْقَيُّوم لَمَّا سَبَقَتْهَا يَاء سَاكِنَة وَهِيَ مُتَحَرِّكَة قُلِبَتْ يَاء , فَجُعِلَتْ هِيَ وَالْيَاء الَّتِي قَبْلهَا يَاء مُشَدَّدَة , لِأَنَّ الْعَرَب كَذَلِكَ تَفْعَل بِالْوَاوِ الْمُتَحَرِّكَة إِذَا تَقَدَّمَتْهَا يَاء سَاكِنَة . وَأَمَّا الْقَيَّام , فَإِنَّ أَصْله الْقَيْوَام , وَهُوَ الْفَيْعَال , مِنْ قَامَ يَقُوم , سَبَقَتْ الْوَاو الْمُتَحَرِّكَة مِنْ قَيْوَام يَاء سَاكِنَة , فَجُعِلَتَا جَمِيعًا يَاء مُشَدَّدَة . وَلَوْ أَنَّ الْقَيُّوم فَعُّول , كَانَ الْقَوُّوم , وَلَكِنَّهُ الْفَيْعُول , وَكَذَلِكَ الْقَيَّام لَوْ كَانَ الْفَعَّال لَكَانَ الْقَوَّام , كَمَا قِيلَ : الصَّوَّام وَالْقَوَّام , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ } 5 8 وَلَكِنَّهُ الْفَعَّال فَقَالَ : الْقَيَّام . وَأَمَّا الْقَيِّم فَهُوَ الْفَيْعِل مِنْ قَامَ يَقُوم , سَبَقَتْ الْوَاو الْمُتَحَرِّكَة يَاء سَاكِنَة فَجُعِلَتَا يَاء مُشَدَّدَة , كَمَا قِيلَ : فُلَان سَيِّد قَوْمه , مِنْ سَادَ يَسُود , وَهَذَا طَعَام جَيِّد مِنْ جَادَ يَجُود , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ قَصْد الْمُبَالَغَة فِي الْمَدْح , فَكَانَ الْقَيُّوم وَالْقَيَّام وَالْقَيِّم أَبْلَغ فِي الْمَدْح مِنْ الْقَائِم . وَإِنَّمَا كَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَخْتَار قِرَاءَته إِنْ شَاءَ اللَّه " الْقَيَّام " , لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَالِب عَلَى مَنْطِق أَهْل الْحِجَاز فِي ذَوَات الثَّلَاثَة مِنْ الْيَاء وَالْوَاو , فَيَقُولُونَ لِلرَّجُلِ الصَّوَّاغ : الصَّيَّاغ , وَيَقُولُونَ لِلرَّجُلِ الْكَثِير الدَّوَرَان الدَّيَّار . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لَا تَذَر عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } 71 26 إِنَّمَا هُوَ " دَوَّارًا " " فَعَّالًا " مِنْ دَارَ يَدُور , وَلَكِنَّهَا نَزَلَتْ بِلُغَةِ أَهْل الْحِجَاز , وَأَقَرَّتْ كَذَلِكَ فِي الْمُصْحَف .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • معرفة الله

    معرفة الله: من هو الله؟ أصل الكلمة: لفظ اسم [الله] - جل جلاله - أصلها عربي، استعملها العرب قبل الإسلام والله جل جلاله الإله الأعلى لا شريك له الذي آمن به العرب في فترة الجاهلية قبل الإسلام لكن بعضهم عبد معه آلهة أخرى وآخرون أشركوا الأصنام في عبادته.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370722

    التحميل:

  • شرح منهج الحق [ منظومة في العقيدة والأخلاق ]

    شرح منهج الحق [ منظومة في العقيدة والأخلاق ]: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «فهذه أبياتٌ عظيمةٌ ومنظومةٌ نافعةٌ للإمام العلامة الفقيه المُفسِّر المُحقِّق عبد الله بن ناصر بن عبد الله بن ناصر ابن سعدي - رحمه الله تعالى وغفر له -، حَوَت خيرًا كثيرًا، وفوائدَ عظيمةً في بيان «المنهج الحق» الذي ينبغي أن يلزَمَه المُسلمُ عقيدةً وعبادةً وخُلُقًا، وقد نظَمَها - رحمه الله - في وقتٍ مُبكِّر من حياته .. وقرَّرَ فيها من المعاني العَظيمة والحقائق الجليلة، والتفاصيل النافعة التي لا غِنَى للمُسلم عنها، ولم يرِد تسميةٌ لها من ناظِمها - رحمه الله -، وإنما أُخِذ هذا الاسمُ من قوله في مُستهلِّها: «فيا سائلاً عن مهجِ الحقِّ»، وقد بدأها - رحمه الله بحثِّ من يرجُو لنفسه السعادةَ وينشُدُ لها الفوزَ في الدنيا والآخرة أن يُحسِنَ التأمُّلَ في مضامينها وما حوَتْه من خيرٍ عظيمٍ».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381123

    التحميل:

  • إني آنست نارًا [ خطوة في طريق الحق ]

    إني آنست نارًا [ خطوة في طريق الحق ]: قال المؤلف: «وهذا الكتيب المختصر عبارة عن نقاط أو مبادئ استفدتها من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد دلَّل عليها أهل العلم وقرروها. وهذه المبادئ يتمكن المسلم بواسطتها من تمييز الحق ومعرفته، ليسهل عليه اتباعه، وقد ضربت على أغلبها أمثلة من الواقع لتيسير فهمها واستيعابها وتطبيقها. كما أني رددتُ من خلال هذه النقاط على بعض الشبهات الرئيسية التي يتعلَّق بها المتطرفون برد عام يصلح لهدم الشبهة وفروعها - بإذن الله تعالى -، وأعرضت عن التفاصيل».

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339665

    التحميل:

  • شرح لمعة الاعتقاد [ صالح آل الشيخ ]

    لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد : رسالة مختصرة للعلامة ابن قدامة المقدسي - رحمه الله - بين فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، والقدر، واليوم الآخر، وما يجب تجاه الصحابة، والموقف من أهل البدع، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها ومنهم معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313434

    التحميل:

  • أربعون مجلسًا في صحبة الحبيب صلى الله عليه وسلم

    يتناول الحديث عن سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وخلقه وشمائله وهديه من خلال 42 مجلسا يتضمن الحديث عن سيرته وحياته الطيبة، وحقوقه على الأمة، وهديه في رمضان,وعبادته، وصدقه وأمانته، وعدله، وعفوه وكرمه، ورفقه بالأمة، ورحمته بالمرأة،والطفل، والعبيد والخدم، والحيوانات والجمادات، ومعيشته، وشجاعته...

    الناشر: موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191037

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة