Muslim Library

تفسير الطبري - سورة آل عمران - الآية 159

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) (آل عمران) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه } فَبِرَحْمَةٍ مِنْ اللَّه وَ " مَا " صِلَة , وَقَدْ بَيَّنْت وَجْه دُخُولهَا فِي الْكَلَام فِي قَوْله : { إِنَّ اللَّه لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِب مَثَلًا مَا بَعُوضَة فَمَا فَوْقهَا } 2 26 وَالْعَرَب تَجْعَل " مَا " صِلَة فِي الْمَعْرِفَة وَالنَّكِرَة , كَمَا قَالَ : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ } 4 155 وَالْمَعْنَى : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ . وَهَذَا فِي الْمَعْرِفَة , وَقَالَ فِي النَّكِرَة : { عَمَّا قَلِيل لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } 23 40 وَالْمَعْنَى : عَنْ قَلِيل . وَرُبَّمَا جُعِلَتْ اِسْمًا وَهِيَ فِي مَذْهَب صِلَة , فَيُرْفَع مَا بَعْدهَا أَحْيَانًا عَلَى وَجْه الصِّلَة , وَيُخْفَض عَلَى إِتْبَاع الصِّلَة مَا قَبْلهَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرنَا حُبّ النَّبِيّ مُحَمَّد إِيَّانَا إِذَا جُعِلَتْ غَيْر صِلَة رُفِعَتْ بِإِضْمَارِ هُوَ , وَإِنْ خُفِضَتْ أُتْبِعَتْ مِنْ فَأَعْرَبَتْهُ , فَذَلِكَ حُكْمه عَلَى مَا وَصَفْنَا مَعَ النَّكِرَات , فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ الصِّلَة مَعْرِفَة , كَانَ الْفَصِيح مِنْ الْكَلَام الْإِتْبَاع , كَمَا قِيلَ : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ } 4 155 وَالرَّفْع جَائِز فِي الْعَرَبِيَّة . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي قَوْله : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ } قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6459 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ } يَقُول : فَبِرَحْمَةٍ مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ .

وَأَمَّا قَوْله : { وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْفَظِّ : الْجَافِي , وَبِالْغَلِيظِ الْقَلْب : الْقَاسِي الْقَلْب غَيْر ذِي رَحْمَة وَلَا رَأْفَة , وَكَذَلِكَ صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَمَا وَصَفَهُ اللَّه : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم } 9 128 فَتَأْوِيل الْكَلَام : فَبِرَحْمَةِ اللَّه يَا مُحَمَّد وَرَأْفَته بِك , وَبِمَنْ آمَنَ بِك مِنْ أَصْحَابك , لِنْت لَهُمْ لِتُبَّاعِك وَأَصْحَابك فَسَهَّلْت لَهُمْ خَلَائِقك , وَحَسَّنْت لَهُمْ أَخْلَاقك , حَتَّى اِحْتَمَلْت أَذَى مَنْ نَالَك مِنْهُمْ أَذَاهُ , وَعَفَوْت عَنْ ذِي الْجُرْم مِنْهُمْ جُرْمه , وَأَغْضَبْت عَنْ كَثِير مِمَّنْ لَوْ جَفَوْت بِهِ , وَأَغْلَظْت عَلَيْهِ , لَتَرَكَك فَفَارَقَك , وَلَمْ يَتَّبِعك , وَلَا مَا بُعِثْت بِهِ مِنْ الرَّحْمَة , وَلَكِنَّ اللَّه رَحِمَهُمْ وَرَحِمَك مَعَهُمْ , فَبِرَحْمَةٍ مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ . كَمَا : 6460 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } إِي وَاَللَّه , لَطَهَّرَهُ اللَّه مِنْ الْفَظَاظَة وَالْغِلْظَة , وَجَعَلَهُ قَرِيبًا رَحِيمًا بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَعْت مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاة : " لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظ وَلَا صَخُوب فِي الْأَسْوَاق , وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلهَا , وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَح " . 6461 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , بِنَحْوِهِ . 6462 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِي قَوْله : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } قَالَ : ذَكَرَ لِينَهُ لَهُمْ , وَصَبْره عَلَيْهِمْ لِضَعْفِهِمْ , وَقِلَّة صَبْرهمْ عَلَى الْغِلْظَة لَوْ كَانَتْ مِنْهُ فِي كُلّ مَا خَالَفُوا فِيهِ مِمَّا اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَة نَبِيّهمْ . وَأَمَّا قَوْله : { لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَتَفَرَّقُوا عَنْك . كَمَا : 6463 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جَرِيج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَوْله : { لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } قَالَ : اِنْصَرَفُوا عَنْك . 6464 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } أَيْ لَتَرَكُوك .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } فَتَجَاوَزْ يَا مُحَمَّد عَنْ تُبَّاعك وَأَصْحَابك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِك , وَبِمَا جِئْت بِهِ مِنْ عِنْدِي , مَا نَالَك مِنْ أَذَاهُمْ وَمَكْرُوه فِي نَفْسك . { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وَادْعُ رَبّك لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ لِمَا أَتَوْا مِنْ جُرْم , وَاسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ عُقُوبَة مِنْهُ . كَمَا : 6465 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } : أَيْ فَتَجَاوَزْ عَنْهُمْ , { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } ذُنُوب مَنْ فَارَقَ مِنْ أَهْل الْإِيمَان مِنْهُمْ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله أَمَرَ تَعَالَى ذِكْره نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشَاوِرهُمْ , وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يُشَاوِرهُمْ فِيهِ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابه فِي مَكَايِد الْحَرْب وَعِنْد لِقَاء الْعَدُوّ , تَطْيِيبًا مِنْهُ بِذَلِكَ أَنْفُسهمْ , وَتَأَلُّفًا لَهُمْ عَلَى دِينهمْ , وَلِيَرَوْا أَنَّهُ يَسْمَع مِنْهُمْ وَيَسْتَعِين بِهِمْ , وَإِنْ كَانَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَغْنَاهُ بِتَدْبِيرِهِ لَهُ أُمُوره وَسِيَاسَته إِيَّاهُ وَتَقْوِيمه أَسْبَابه عَنْهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6466 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَوَكِّلِينَ } أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشَاوِر أَصْحَابه فِي الْأُمُور , وَهُوَ يَأْتِيه وَحْي السَّمَاء , لِأَنَّهُ أَطْيَب لِأَنْفُسِ الْقَوْم , وَإِنَّ الْقَوْم إِذَا شَاوَرَ بَعْضهمْ بَعْضًا , وَأَرَادُوا بِذَلِكَ وَجْه اللَّه عَزَمَ لَهُمْ عَلَى أَرْشَده . 6467 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } قَالَ : أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى أَنْ يُشَاوِر أَصْحَابه فِي الْأُمُور , وَهُوَ يَأْتِيه الْوَحْي مِنْ السَّمَاء لِأَنَّهُ أَطْيَب لِأَنْفُسِهِمْ . 6468 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } أَيْ لِتُرِيهِمْ أَنَّك تَسْمَع مِنْهُمْ وَتَسْتَعِين بِهِمْ وإِنْ كُنْت عَنْهُمْ غَنِيًّا , تُؤَلِّفهُمْ بِذَلِكَ عَلَى دِينهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ لَهُ الرَّأْي وَأَصْوَب الْأُمُور فِي التَّدْبِير , لِمَا عَلِمَ فِي الْمَشُورَة تَعَالَى ذِكْره مِنْ الْفَضْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6469 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَة بْن نُبَيْط , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , قَوْله : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } قَالَ : مَا أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَشُورَةِ إِلَّا لِمَا عَلِمَ فِيهَا مِنْ الْفَضْل . 6470 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ إِيَاس بْن دَغْفَل , عَنْ الْحَسَن : مَا شَاوَرَ قَوْم قَطُّ , إِلَّا هُدُوا لِأَرْشَدِ أُمُورهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَمَرَهُ اللَّه بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابه فِيمَا أَمَرَهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ فِيهِ , مَعَ إِغْنَائِهِ بِتَقْوِيمِهِ إِيَّاهُ , وَتَدْبِيره أَسْبَابه عَنْ آرَائِهِمْ , لِيَتَّبِعَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَعْده , فِيمَا حَزَبَهُمْ مِنْ أَمْر دِينهمْ , وَيَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فِي ذَلِكَ , وَيَحْتَذُوا الْمِثَال الَّذِي رَأَوْهُ يَفْعَلهُ فِي حَيَاته مِنْ مُشَاوَرَته فِي أُمُوره مَعَ الْمَنْزِلَة الَّتِي هُوَ بِهَا مِنْ اللَّه أَصْحَابه وَتُبَّاعه فِي الْأَمْر , يَنْزِل بِهِمْ مِنْ أَمْر دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ , فَيَتَشَاوَرُوا بَيْنهمْ , ثُمَّ يُصْدِرُوا عَمَّا اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَلَؤُهُمْ ; لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا تَشَاوَرُوا فِي أُمُور دِينهمْ مُتَّبِعِينَ الْحَقّ فِي ذَلِكَ , لَمْ يُخَلِّهِمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ لُطْفه , وَتَوْفِيقه لِلصَّوَابِ مِنْ الرَّأْي وَالْقَوْل فِيهِ . قَالُوا : وَذَلِكَ نَظِير قَوْله عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي مَدَحَ بِهِ أَهْل الْإِيمَان : { وَأَمْرهمْ شُورَى بَيْنهمْ } 42 38 ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6471 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه الْعَنْبَرِيّ , قَالَ : قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة فِي قَوْله : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } قَالَ : هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَشَاوَرُوا فِيمَا لَمْ يَأْتِهِمْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أَثَر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابه , فِيمَا حَزَبَهُ مِنْ أَمْر عَدُوّهُ وَمَكَايِد حَرْبه , تَأَلُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ تَكُنْ بَصِيرَته بِالْإِسْلَامِ الْبَصِيرَة الَّتِي يُؤْمَن عَلَيْهِ مَعَهَا فِتْنَة الشَّيْطَان , وَتَعْرِيفًا مِنْهُ أُمَّته مَا فِي الْأُمُور الَّتِي تَحْزُبهُمْ مِنْ بَعْده وَمَطْلَبهَا , لِيَقْتَدُوا بِهِ فِي ذَلِكَ عِنْد النَّوَازِل الَّتِي تَنْزِل بِهِمْ , فَيَتَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنهمْ , كَمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلهُ . فَأَمَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ اللَّه كَانَ يُعَرِّفهُ مَطَالِب وُجُوه مَا حَزَبَهُ مِنْ الْأُمُور بِوَحْيِهِ أَوْ إِلْهَامه إِيَّاهُ صَوَاب ذَلِكَ . وَأَمَّا أُمَّته , فَإِنَّهُمْ إِذَا تَشَاوَرُوا مُسْتَنِّينَ بِفِعْلِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى تَصَادُق وَتَأَخٍّ لِلْحَقِّ وَإِرَادَة جَمِيعهمْ لِلصَّوَابِ , مِنْ غَيْر مَيْل إِلَى هَوًى , وَلَا حَيْد عَنْ هُدًى ; فَاَللَّه مُسَدِّدهمْ وَمُوَفِّقهمْ .

وَأَمَّا قَوْله : { فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَإِذَا صَحَّ عَزْمك بِتَثْبِيتِنَا إِيَّاكَ وَتَسْدِيدنَا لَك فِيمَا نَابَك وَحَزَبَك مِنْ أَمْر دِينك وَدُنْيَاك , فَامْضِ لِمَا أَمَرْنَاك بِهِ عَلَى مَا أَمَرْنَاك بِهِ , وَافَقَ ذَلِكَ آرَاء أَصْحَابك وَمَا أَشَارُوا بِهِ عَلَيْك أَوْ خَالَفَهَا , وَتَوَكَّلْ فِيمَا تَأْتِي مِنْ أُمُورك وَتَدَع وَتُحَاوِل أَوْ تُزَاوِل عَلَى رَبّك , فَثِقْ بِهِ فِي كُلّ ذَلِكَ , وَارْضَ بِقَضَائِهِ فِي جَمِيعه دُون آرَاء سَائِر خَلْقه وَمَعُونَتهمْ , فَإِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَوَكِّلِينَ , وَهُمْ الرَّاضُونَ بِقَضَائِهِ , وَالْمُسْتَسْلِمُونَ لِحُكْمِهِ فِيهِمْ , وَافَقَ ذَلِكَ مِنْهُمْ هَوًى أَوْ خَالَفَهُ . كَمَا : 6472 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَوَكِّلِينَ } فَإِذَا عَزَمْت : أَيْ عَلَى أَمْر جَاءَك مِنِّي , أَوْ أَمْر مِنْ دِينك فِي جِهَاد عَدُوّك , لَا يُصْلِحك وَلَا يُصْلِحهُمْ إِلَّا ذَلِكَ , فَامْضِ عَلَى مَا أُمِرْت بِهِ , عَلَى خِلَاف مَنْ خَالَفَك , وَمُوَافَقَة مَنْ وَافَقَك , وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه : أَيْ اِرْضَ بِهِ مِنْ الْعِبَاد , إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَوَكِّلِينَ . 6473 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا عَزَمَ عَلَى أَمْر أَنْ يَمْضِي فِيهِ , وَيَسْتَقِيم عَلَى أَمْر اللَّه , وَيَتَوَكَّل عَلَى اللَّه . 6474 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } . .. الْآيَة , أَمَرَهُ اللَّه إِذَا عَزَمَ عَلَى أَمْر أَنْ يَمْضِي فِيهِ وَيَتَوَكَّل عَلَيْهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب

    أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب: هذه رسالةٌ جامعةٌ في ذكر جانب مهم من جوانب سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ألا هو: خُلُقه - عليه الصلاة والسلام - في الحرب، وبيان شمائله وصفاته العلِيَّة في تعامُله مع الكفار.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334429

    التحميل:

  • حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته

    حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته : فإنه مما يجب على المرء أن يكون النبي الكريم - صلوات ربي وسلامه عليه - أحب إليه من الخلق كله. ولهذا ثمرات عظيمة في الدنيا والآخرة، لكن كثيراً من مدعي حبه - صلى الله عليه وسلم - يفرطون فيه، كما أن الكثيرين يحصرون مفهومه في أضيق نطاق؛ لذا كانت هذه الرسالة التي تبين أهمية النبي - صلى الله عليه وسلم - وثمراته، وحقيقته، وذلك من خلال التساؤلات التالية: • ماحكم حب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟ • ما ثمراته في الدارين؟ • ما علامات حبه صلى الله عليه وسلم؟ وكيف كان الصحابة - رضي الله عنهم - في ضوء هذه العلامات؟ وكيف نحن؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338843

    التحميل:

  • الأربعون النووية

    الأربعون النووية: متن مشهور، اشتمل على اثنين وأربعين حديثاً محذوفة الإسناد في فنون مختلفة من العلم، كل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث؛ لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات؛ وقد سميت بالأربعين في مباني الإسلام وقواعد الأحكام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/5271

    التحميل:

  • تعظيم الحرم

    هذا البحث يتناول مكانة الحرم في الكتاب والسنة ، و وينقسم إلى عدة مباحث أولها : بناء البيت العتيق، وآخرها: منع غير المسلمين من دخول الحرم . وقد تضمن هذا البحث المستند الشرعي لبناء البيت العتيق وتحريمه ، وبماذا تميز الحرم عن غيره، كما حاول البحث الإجابة على التساؤل الذي يتردد كثيرا وهو: لماذا يمنع الإسلام غير المسلمين من دخول الحرم؟؟، وبين البحث أن الشرائع الثلاث كلها تحرم وتمنع غير أتباعها من دخول أماكن العبادة، وفند البحث الشبهة القائلة بأن المسلمين يمارسون تفرقة عنصرية مع غيرهم بسبب اعتقادهم نجاسة الكفار، وأوضح البحث أن غير المسلم نجس نجاسة حكمية في الشريعة الإسلامية، بينما غير اليهودي وغير النصراني نجس نجاسة ذاتية في الديانة اليهودية والنصرانية، بل تشددت هاتان الديانتان فجعلتا الكافر ينجس المكان الذي يحل فيه والزمان الذي يعيش فيه . وبيّن البحث أن المملكة العربية السعودية – حينما تمنع غير المسلمين من دخول الحرم- فإنما تقوم بواجبها الشرعي أداء لأمانة الولاية الدينية التي جعلها الله لها على هذا المكان المعظّم ، كما تقوم به - أيضا - التزاما إداريا أمام العالم الإسلامي الذي رأى فيها خير قائم على هذا المكان، فالعالم الإسلامي يشكر لها هذا القيام الشرعي، ولا يأذن لها ولا لغيرها بأن يستباح من الحرم ما حرمه الله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/256033

    التحميل:

  • كيفية دعوة عصاة المسلمين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    كيفية دعوة عصاة المسلمين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف: «فهذه رسالة مختصرة في «كيفية دعوة عصاة المسلمين إلى الله تعالى»؛ بيّنتُ فيها بإيجاز الأساليبَ والوسائلَ والطرقَ المناسبة في كيفية دعوتهم إلى الله تعالى على حسب أحوالهم، وعقولهم، ومجتمعاتهم».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338065

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة