Muslim Library

تفسير الطبري - سورة آل عمران - الآية 159

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) (آل عمران) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه } فَبِرَحْمَةٍ مِنْ اللَّه وَ " مَا " صِلَة , وَقَدْ بَيَّنْت وَجْه دُخُولهَا فِي الْكَلَام فِي قَوْله : { إِنَّ اللَّه لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِب مَثَلًا مَا بَعُوضَة فَمَا فَوْقهَا } 2 26 وَالْعَرَب تَجْعَل " مَا " صِلَة فِي الْمَعْرِفَة وَالنَّكِرَة , كَمَا قَالَ : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ } 4 155 وَالْمَعْنَى : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ . وَهَذَا فِي الْمَعْرِفَة , وَقَالَ فِي النَّكِرَة : { عَمَّا قَلِيل لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } 23 40 وَالْمَعْنَى : عَنْ قَلِيل . وَرُبَّمَا جُعِلَتْ اِسْمًا وَهِيَ فِي مَذْهَب صِلَة , فَيُرْفَع مَا بَعْدهَا أَحْيَانًا عَلَى وَجْه الصِّلَة , وَيُخْفَض عَلَى إِتْبَاع الصِّلَة مَا قَبْلهَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرنَا حُبّ النَّبِيّ مُحَمَّد إِيَّانَا إِذَا جُعِلَتْ غَيْر صِلَة رُفِعَتْ بِإِضْمَارِ هُوَ , وَإِنْ خُفِضَتْ أُتْبِعَتْ مِنْ فَأَعْرَبَتْهُ , فَذَلِكَ حُكْمه عَلَى مَا وَصَفْنَا مَعَ النَّكِرَات , فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ الصِّلَة مَعْرِفَة , كَانَ الْفَصِيح مِنْ الْكَلَام الْإِتْبَاع , كَمَا قِيلَ : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ } 4 155 وَالرَّفْع جَائِز فِي الْعَرَبِيَّة . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي قَوْله : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ } قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6459 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ } يَقُول : فَبِرَحْمَةٍ مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ .

وَأَمَّا قَوْله : { وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْفَظِّ : الْجَافِي , وَبِالْغَلِيظِ الْقَلْب : الْقَاسِي الْقَلْب غَيْر ذِي رَحْمَة وَلَا رَأْفَة , وَكَذَلِكَ صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَمَا وَصَفَهُ اللَّه : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم } 9 128 فَتَأْوِيل الْكَلَام : فَبِرَحْمَةِ اللَّه يَا مُحَمَّد وَرَأْفَته بِك , وَبِمَنْ آمَنَ بِك مِنْ أَصْحَابك , لِنْت لَهُمْ لِتُبَّاعِك وَأَصْحَابك فَسَهَّلْت لَهُمْ خَلَائِقك , وَحَسَّنْت لَهُمْ أَخْلَاقك , حَتَّى اِحْتَمَلْت أَذَى مَنْ نَالَك مِنْهُمْ أَذَاهُ , وَعَفَوْت عَنْ ذِي الْجُرْم مِنْهُمْ جُرْمه , وَأَغْضَبْت عَنْ كَثِير مِمَّنْ لَوْ جَفَوْت بِهِ , وَأَغْلَظْت عَلَيْهِ , لَتَرَكَك فَفَارَقَك , وَلَمْ يَتَّبِعك , وَلَا مَا بُعِثْت بِهِ مِنْ الرَّحْمَة , وَلَكِنَّ اللَّه رَحِمَهُمْ وَرَحِمَك مَعَهُمْ , فَبِرَحْمَةٍ مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ . كَمَا : 6460 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } إِي وَاَللَّه , لَطَهَّرَهُ اللَّه مِنْ الْفَظَاظَة وَالْغِلْظَة , وَجَعَلَهُ قَرِيبًا رَحِيمًا بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَعْت مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاة : " لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظ وَلَا صَخُوب فِي الْأَسْوَاق , وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلهَا , وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَح " . 6461 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , بِنَحْوِهِ . 6462 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِي قَوْله : { فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } قَالَ : ذَكَرَ لِينَهُ لَهُمْ , وَصَبْره عَلَيْهِمْ لِضَعْفِهِمْ , وَقِلَّة صَبْرهمْ عَلَى الْغِلْظَة لَوْ كَانَتْ مِنْهُ فِي كُلّ مَا خَالَفُوا فِيهِ مِمَّا اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَة نَبِيّهمْ . وَأَمَّا قَوْله : { لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَتَفَرَّقُوا عَنْك . كَمَا : 6463 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جَرِيج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَوْله : { لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } قَالَ : اِنْصَرَفُوا عَنْك . 6464 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك } أَيْ لَتَرَكُوك .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } فَتَجَاوَزْ يَا مُحَمَّد عَنْ تُبَّاعك وَأَصْحَابك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِك , وَبِمَا جِئْت بِهِ مِنْ عِنْدِي , مَا نَالَك مِنْ أَذَاهُمْ وَمَكْرُوه فِي نَفْسك . { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وَادْعُ رَبّك لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ لِمَا أَتَوْا مِنْ جُرْم , وَاسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ عُقُوبَة مِنْهُ . كَمَا : 6465 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } : أَيْ فَتَجَاوَزْ عَنْهُمْ , { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } ذُنُوب مَنْ فَارَقَ مِنْ أَهْل الْإِيمَان مِنْهُمْ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله أَمَرَ تَعَالَى ذِكْره نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشَاوِرهُمْ , وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يُشَاوِرهُمْ فِيهِ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابه فِي مَكَايِد الْحَرْب وَعِنْد لِقَاء الْعَدُوّ , تَطْيِيبًا مِنْهُ بِذَلِكَ أَنْفُسهمْ , وَتَأَلُّفًا لَهُمْ عَلَى دِينهمْ , وَلِيَرَوْا أَنَّهُ يَسْمَع مِنْهُمْ وَيَسْتَعِين بِهِمْ , وَإِنْ كَانَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَغْنَاهُ بِتَدْبِيرِهِ لَهُ أُمُوره وَسِيَاسَته إِيَّاهُ وَتَقْوِيمه أَسْبَابه عَنْهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6466 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَوَكِّلِينَ } أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشَاوِر أَصْحَابه فِي الْأُمُور , وَهُوَ يَأْتِيه وَحْي السَّمَاء , لِأَنَّهُ أَطْيَب لِأَنْفُسِ الْقَوْم , وَإِنَّ الْقَوْم إِذَا شَاوَرَ بَعْضهمْ بَعْضًا , وَأَرَادُوا بِذَلِكَ وَجْه اللَّه عَزَمَ لَهُمْ عَلَى أَرْشَده . 6467 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } قَالَ : أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى أَنْ يُشَاوِر أَصْحَابه فِي الْأُمُور , وَهُوَ يَأْتِيه الْوَحْي مِنْ السَّمَاء لِأَنَّهُ أَطْيَب لِأَنْفُسِهِمْ . 6468 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } أَيْ لِتُرِيهِمْ أَنَّك تَسْمَع مِنْهُمْ وَتَسْتَعِين بِهِمْ وإِنْ كُنْت عَنْهُمْ غَنِيًّا , تُؤَلِّفهُمْ بِذَلِكَ عَلَى دِينهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ لَهُ الرَّأْي وَأَصْوَب الْأُمُور فِي التَّدْبِير , لِمَا عَلِمَ فِي الْمَشُورَة تَعَالَى ذِكْره مِنْ الْفَضْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6469 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَة بْن نُبَيْط , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , قَوْله : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } قَالَ : مَا أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَشُورَةِ إِلَّا لِمَا عَلِمَ فِيهَا مِنْ الْفَضْل . 6470 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ إِيَاس بْن دَغْفَل , عَنْ الْحَسَن : مَا شَاوَرَ قَوْم قَطُّ , إِلَّا هُدُوا لِأَرْشَدِ أُمُورهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَمَرَهُ اللَّه بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابه فِيمَا أَمَرَهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ فِيهِ , مَعَ إِغْنَائِهِ بِتَقْوِيمِهِ إِيَّاهُ , وَتَدْبِيره أَسْبَابه عَنْ آرَائِهِمْ , لِيَتَّبِعَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَعْده , فِيمَا حَزَبَهُمْ مِنْ أَمْر دِينهمْ , وَيَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فِي ذَلِكَ , وَيَحْتَذُوا الْمِثَال الَّذِي رَأَوْهُ يَفْعَلهُ فِي حَيَاته مِنْ مُشَاوَرَته فِي أُمُوره مَعَ الْمَنْزِلَة الَّتِي هُوَ بِهَا مِنْ اللَّه أَصْحَابه وَتُبَّاعه فِي الْأَمْر , يَنْزِل بِهِمْ مِنْ أَمْر دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ , فَيَتَشَاوَرُوا بَيْنهمْ , ثُمَّ يُصْدِرُوا عَمَّا اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَلَؤُهُمْ ; لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا تَشَاوَرُوا فِي أُمُور دِينهمْ مُتَّبِعِينَ الْحَقّ فِي ذَلِكَ , لَمْ يُخَلِّهِمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ لُطْفه , وَتَوْفِيقه لِلصَّوَابِ مِنْ الرَّأْي وَالْقَوْل فِيهِ . قَالُوا : وَذَلِكَ نَظِير قَوْله عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي مَدَحَ بِهِ أَهْل الْإِيمَان : { وَأَمْرهمْ شُورَى بَيْنهمْ } 42 38 ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6471 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه الْعَنْبَرِيّ , قَالَ : قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة فِي قَوْله : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر } قَالَ : هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَشَاوَرُوا فِيمَا لَمْ يَأْتِهِمْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أَثَر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابه , فِيمَا حَزَبَهُ مِنْ أَمْر عَدُوّهُ وَمَكَايِد حَرْبه , تَأَلُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ تَكُنْ بَصِيرَته بِالْإِسْلَامِ الْبَصِيرَة الَّتِي يُؤْمَن عَلَيْهِ مَعَهَا فِتْنَة الشَّيْطَان , وَتَعْرِيفًا مِنْهُ أُمَّته مَا فِي الْأُمُور الَّتِي تَحْزُبهُمْ مِنْ بَعْده وَمَطْلَبهَا , لِيَقْتَدُوا بِهِ فِي ذَلِكَ عِنْد النَّوَازِل الَّتِي تَنْزِل بِهِمْ , فَيَتَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنهمْ , كَمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلهُ . فَأَمَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ اللَّه كَانَ يُعَرِّفهُ مَطَالِب وُجُوه مَا حَزَبَهُ مِنْ الْأُمُور بِوَحْيِهِ أَوْ إِلْهَامه إِيَّاهُ صَوَاب ذَلِكَ . وَأَمَّا أُمَّته , فَإِنَّهُمْ إِذَا تَشَاوَرُوا مُسْتَنِّينَ بِفِعْلِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى تَصَادُق وَتَأَخٍّ لِلْحَقِّ وَإِرَادَة جَمِيعهمْ لِلصَّوَابِ , مِنْ غَيْر مَيْل إِلَى هَوًى , وَلَا حَيْد عَنْ هُدًى ; فَاَللَّه مُسَدِّدهمْ وَمُوَفِّقهمْ .

وَأَمَّا قَوْله : { فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَإِذَا صَحَّ عَزْمك بِتَثْبِيتِنَا إِيَّاكَ وَتَسْدِيدنَا لَك فِيمَا نَابَك وَحَزَبَك مِنْ أَمْر دِينك وَدُنْيَاك , فَامْضِ لِمَا أَمَرْنَاك بِهِ عَلَى مَا أَمَرْنَاك بِهِ , وَافَقَ ذَلِكَ آرَاء أَصْحَابك وَمَا أَشَارُوا بِهِ عَلَيْك أَوْ خَالَفَهَا , وَتَوَكَّلْ فِيمَا تَأْتِي مِنْ أُمُورك وَتَدَع وَتُحَاوِل أَوْ تُزَاوِل عَلَى رَبّك , فَثِقْ بِهِ فِي كُلّ ذَلِكَ , وَارْضَ بِقَضَائِهِ فِي جَمِيعه دُون آرَاء سَائِر خَلْقه وَمَعُونَتهمْ , فَإِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَوَكِّلِينَ , وَهُمْ الرَّاضُونَ بِقَضَائِهِ , وَالْمُسْتَسْلِمُونَ لِحُكْمِهِ فِيهِمْ , وَافَقَ ذَلِكَ مِنْهُمْ هَوًى أَوْ خَالَفَهُ . كَمَا : 6472 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَوَكِّلِينَ } فَإِذَا عَزَمْت : أَيْ عَلَى أَمْر جَاءَك مِنِّي , أَوْ أَمْر مِنْ دِينك فِي جِهَاد عَدُوّك , لَا يُصْلِحك وَلَا يُصْلِحهُمْ إِلَّا ذَلِكَ , فَامْضِ عَلَى مَا أُمِرْت بِهِ , عَلَى خِلَاف مَنْ خَالَفَك , وَمُوَافَقَة مَنْ وَافَقَك , وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه : أَيْ اِرْضَ بِهِ مِنْ الْعِبَاد , إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَوَكِّلِينَ . 6473 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا عَزَمَ عَلَى أَمْر أَنْ يَمْضِي فِيهِ , وَيَسْتَقِيم عَلَى أَمْر اللَّه , وَيَتَوَكَّل عَلَى اللَّه . 6474 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } . .. الْآيَة , أَمَرَهُ اللَّه إِذَا عَزَمَ عَلَى أَمْر أَنْ يَمْضِي فِيهِ وَيَتَوَكَّل عَلَيْهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • منهج في إعداد خطبة الجمعة

    منهج في إعداد خطبة الجمعة : قال المؤلف - حفظه الله - « هذه كلمات في إعداد الخطبة وصفات الخطيب. حرصت أن تكون شاملة لخصائص الخطيب والخطبة ووجوه التأثير في الخطبة وإحسان إعدادها مقدما لذلك بمقدمة في مهمة الخطيب الشاقة وتعريف الخطبة وأنواعها وبيان أثرها ».

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142649

    التحميل:

  • دروس عقدية مستفادة من الحج

    دروس عقدية مستفادة من الحج: كتابٌ استخلص فيه المؤلف - حفظه الله - ثلاثة عشر درسًا من الدروس المتعلقة بالعقيدة المستفادة من عبادة الحج.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316770

    التحميل:

  • التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث

    التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث : كتاب في 219 صفحة طبع عام 1412هـ جعله مؤلفه أحد علوم الحديث ويعبر عنه بـ: لا يصح في الباب شيء ونحوها. ذكرها بعض العلماء في مضامين كتبهم وأول من ألف فيها على استقلال –فيما يعلم الشيخ- الموصلي ت 622هـ ومن بعده تخريج له أو تعقيب أو اختصار فجمع الشيخ ما فيها وأضاف لها ما وقف عليه وجعل مسائله على كتب وأبواب الفقه وما خرج عنها جعله في كتاب جامع وقد دعاه إلى جمع هذا الكتاب تقريب العلم لطلابه حتى ينتقلوا من قليله لكثيرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169195

    التحميل:

  • إبطال التنديد باختصار شرح كتاب التوحيد

    إبطال التنديد باختصار شرح كتاب التوحيد : يعتبر كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - من عُمَدِ كتب الاعتقاد في باب توحيد الإلهية في عصره وما بعده إلى عصرنا الحديث, حيث لقي رواجاً وقبولاً كبيراً, وانتفع به مالا يحصيه إلا الله كثرة في العالم أجمع, ومازال العلماء له شارحين ومبينين ومعلمين. وقد كان من بين أفضل شروحه, شرح حفيد المؤلف سليمان بن عبد الله له, إلا إنه لم يتم في كتابه الشهير بـ "تيسير العزيز الحميد " وفي هذا الكتاب الذي بين أيدينا "إبطال التنديد" قام المؤلف - يرحمه الله - بالتعليق على كتاب التوحيد, مكثراً في نقولاته, وعزوه من شرح حفيد المؤلف المذكور قريباً، مع بعض الزيادات. وقد انتهى الشيخ حمد بن عتيق من تأليف هذا الكتاب في اليوم السابع من شهر شوال سنة 1255هـ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291873

    التحميل:

  • كتاب النبوات

    كتاب النبوات : يبحث في طرق إثبات النبوة، والمعجزة، والكرامة، والفرق بينها وبين خوارق العادات، وفق معتقد أهل السنة والجماعة. وفيه ردّ على المخالفين في هذا الباب؛ من أشعرية، ومعتزلة، وفلاسفة، مع ذكر مذاهبهم، وبيان أدلتهم. وقد فصّل شيخ الإسلام - رحمه الله - فيه القول، وأطال النفس: فَعَرَضَ أقوال الأشاعرة بالتفصيل، وردّ عليها. واهتمّ حين عَرْضِه لأقوال الأشاعرة، بأقوال الشخصية الثانية في المذهب الأشعري، ألا وهو القاضي أبو بكر الباقلاني، حيث انتقده في كتابه " البيان "، وردّ على أقواله، وناقشها، ومحّصها، وبيَّن مجانبتها للصواب، وكرَّ على ما بُنيت عليه هذه الأقوال من قواعد فنسفها نسفاً، ووضّح لازمها، والنتيجة التي تفضي إليها، محذّراً بذلك منها ومن اعتقادها. وكتاب " النبوات" لم يقتصر على مباحث النبوات، والفروق بين المعجزة والكرامة، وبين ما يظهر على أيدي السحرة والكهان وأمثالهم من خوارق. بل كما هي عادة شيخ الإسلام - رحمه الله -، كان يردّ على الخصوم، ويُبيِّن المضائق والمزالق التي أودت بهم إليها أقوالهم الباطلة، ويوضّح المآزق التي أوقعتهم بها أصولهم الهابطة النازلة.

    المدقق/المراجع: عبد العزيز بن صالح الطويان

    الناشر: موقع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة www.iu.edu.sa - دار أضواء السلف للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272842

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة