Muslim Library

تفسير الطبري - سورة آل عمران - الآية 135

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) (آل عمران) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } أَنَّ الْجَنَّة الَّتِي وَصَفَ صِفَتهَا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ , الْمُنْفِقِينَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء , وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة وَجَمِيع هَذِهِ النُّعُوت مِنْ صِفَة الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَجَنَّة عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } . كَمَا 6222 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } , ثُمَّ قَرَأَ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } . .. إِلَى { أَجْر الْعَامِلِينَ } فَقَالَ : إِنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لِنَعْتِ رَجُل وَاحِد . 6223 - حَدَّثَنَا اِبْن حَمِيد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } قَالَ : هَذَانِ ذَنْبَانِ : الْفَاحِشَة ذَنْب , وَظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَنْب . وَأَمَّا الْفَاحِشَة فَهِيَ صِفَة لِمَتْرُوكٍ , وَمَعْنَى الْكَلَام : وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فِعْلَة فَاحِشَة . وَمَعْنَى الْفَاحِشَة : الْفِعْلَة الْقَبِيحَة الْخَارِجَة عَمَّا أَذِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ . وَأَصْل الْفُحْش الْقُبْح وَالْخُرُوج عَنْ الْحَدّ وَالْمِقْدَار فِي كُلّ شَيْء , وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّوِيلِ الْمُفْرِط الطُّول : إِنَّهُ لَفَاحِش الطُّول , يُرَاد بِهِ : قَبِيح الطُّول , خَارِج عَنْ الْمِقْدَار الْمُسْتَحْسَن ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلْكَلَامِ الْقَبِيح غَيْر الْقَصْد : كَلَام فَاحِش , وَقِيلَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ : أَفْحَشَ فِي كَلَامه : إِذَا نَطَقَ بِفُحْشٍ . وَقِيلَ : إِنَّ الْفَاحِشَة فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنِيّ بِهَا الزِّنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6224 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْعَظِيم , قَالَ : ثنا حِبَّان , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ ثَابِت , عَنْ جَابِر : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } قَالَ : زَنَى الْقَوْم وَرَبّ الْكَعْبَة . 6225 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } أَمَّا الْفَاحِشَة : فَالزِّنَا . وَقَوْله : { أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } يَعْنِي بِهِ : فَعَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ غَيْر الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِهَا . وَاَلَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ رُكُوبهمْ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه مَا أَوْجَبُوا لَهَا بِهِ عُقُوبَته . كَمَا : 6226 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } قَالَ : الظُّلْم مِنْ الْفَاحِشَة , وَالْفَاحِشَة مِنْ الظُّلْم . وَقَوْله : { ذَكَرُوا اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ ذَكَرُوا وَعِيد اللَّه عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ . { فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } يَقُول : فَسَأَلُوا رَبّهمْ أَنْ يَسْتُر عَلَيْهِمْ ذُنُوبهمْ بِصَفْحِهِ لَهُمْ عَنْ الْعُقُوبَة عَلَيْهَا . { وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } يَقُول : وَهَلْ يَغْفِر الذُّنُوب : أَيْ يَعْفُو عَنْ رَاكِبهَا فَيَسْتُرهَا عَلَيْهِ إِلَّا اللَّه ؟ { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } يَقُول : وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبهمْ الَّتِي أَتَوْهَا , وَمَعْصِيَتهمْ الَّتِي رَكِبُوهَا { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يَقُول : لَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبهمْ عَامِدِينَ لِلْمُقَامِ عَلَيْهَا , وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه قَدْ تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا , وَأَوْعَدَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَة , مَنْ رَكِبَهَا . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ خُصُوصًا بِتَخْفِيفِهَا وَيُسْرهَا أُمَّتَنَا مِمَّا كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل مُمْتَحَنَة بِهِ مِنْ عَظِيم الْبَلَاء فِي ذُنُوبهَا . 6227 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء بْن أَبَى رَبَاح : أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , بَنُو إِسْرَائِيل أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنَّا , كَانُوا إِذَا أَذْنَبَ أَحَدهمْ أَصْبَحَتْ كَفَّارَة ذَنْبه مَكْتُوبَة فِي عَتَبَة بَابه : اِجْدَعْ أُذُنك , اِجْدَعْ أَنْفك , اِفْعَلْ ! فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ وَجَنَّة عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } . .. إِلَى قَوْله : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُخْبِركُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ " فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَات . 6228 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني عُمَر أَبِي خَلِيفَة الْعَبْدِيّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان , قَالَ : قَالَ اِبْن مَسْعُود : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل إِذَا أَذْنَبُوا , أَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابه الذَّنْب وَكَفَّارَته , فَأُعْطِينَا خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَة . 6229 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه } بَكَى إِبْلِيس فَزَعًا مِنْ هَذِهِ الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيس حِين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } بَكَى . 6230 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : سَمِعْت عُثْمَان مَوْلَى آل أَبِي عُقَيْل الثَّقَفِيّ , قَالَ : سَمِعْت عَلِيّ بْن رَبِيعَة , يُحَدِّث عَنْ رَجُل مِنْ فَزَارَة يُقَال لَهُ أَسْمَاء أَوْ اِبْن أَسْمَاء , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : كُنْت إِذَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا , نَفَعَنِي اللَّه بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعنِي , فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر - وَصَدَقَ أَبُو بَكْر - عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " مَا مِنْ عَبْد " قَالَ شُعْبَة : وَأَحْسِبهُ قَالَ " مُسْلِم يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه لِذَلِكَ الذَّنْب . .. " وَقَالَ شُعْبَة : وَقَرَأَ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : { مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ } { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , وَحَدَّثَنَا الْفَضْل بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ مِسْعَر وَسُفْيَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْمُغِيرَة الثَّقَفِيّ , عَنْ عَلِيّ بْن رَبِيعَة الْوَالِبِيّ , عَنْ أَسْمَاء بْن الْحَكَم الْفَزَارِيّ , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ : كُنْت إِذَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّه بِمَا شَاءَ مِنْهُ , وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ غَيْره , اِسْتَحْلَفْته , فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْته ; وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر وَصَدَقَ أَبُو بَكْر أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ رَجُل يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأ , ثُمَّ يُصَلِّي " , قَالَ أَحَدهمَا : " رَكْعَتَيْنِ " وَقَالَ الْآخَر : " ثُمَّ يُصَلِّي وَيَسْتَغْفِر اللَّه إِلَّا غُفِرَ لَهُ " . * - حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بَكَّار , قَالَ : ثني سَعْد بْن سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ , عَنْ أَخِيهِ , عَنْ جَدّه عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنَّهُ قَالَ : مَا حَدَّثَنِي أَحَد عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا سَأَلْته أَنْ يُقْسِم لِي بِاَللَّهِ لَهُوَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَبَا بَكْر , فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَكْذِب . قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ عَبْد يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَقُوم عِنْد ذِكْر ذَنْبه فَيَتَوَضَّأ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ , وَيَسْتَغْفِر اللَّه مِنْ ذَنْبه ذَلِكَ إِلَّا غَفَرَ اللَّه لَهُ " . وَأَمَّا قَوْله { ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } فَإِنَّهُ كَمَا بَيَّنَّا تَأْوِيله ; وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ أَهْل التَّأْوِيل يَقُولُونَ . 6231 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } أَيْ إِنْ أَتَوْا فَاحِشَة { أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } بِمَعْصِيَةٍ ذَكَرُوا نَهْي اللَّه عَنْهَا , وَمَا حَرَّمَ اللَّه عَنْهَا , فَاسْتَغْفَرُوا لَهَا , وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا هُوَ . وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } فَإِنَّ اِسْم اللَّه مَرْفُوع , وَلَا جَحْد قَبْله , وَإِنَّمَا يُرْفَع مَا بَعْد إِلَّا بِإِتْبَاعِهِ مَا قَبْله إِذَا كَانَ نَكِرَة وَمَعَهُ جَحْد , كَقَوْلِ الْقَائِل : مَا فِي الدَّار أَحَد إِلَّا أَخُوك ; فَأَمَّا إِذَا قِيلَ : قَامَ الْقَوْم إِلَّا أَبَاك , فَإِنَّ وَجْه الْكَلَام فِي الْأَب النَّصْب . وَ " مَنْ " بِصِلَتِهِ فِي قَوْله : { وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } مَعْرِفَة فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ رَفْعًا , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَهَلْ يَغْفِر الذُّنُوب أَحَد , أَوْ مَا يَغْفِر الذُّنُوب أَحَد إِلَّا اللَّه , فَرُفِعَ مَا بَعْد إِلَّا مِنْ اللَّه عَلَى تَأْوِيل الْكَلَام , لَا عَلَى لَفْظه .

وَأَمَّا قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل الْإِصْرَار وَمَعْنَى الْكَلِمَة ; فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يَثْبُتُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ الذُّنُوب , وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُمْ تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا , كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6232 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَإِيَّاكُمْ وَالْإِصْرَار , فَإِنَّمَا هَلَكَ الْمُصِرُّونَ الْمَاضُونَ قُدُمًا , لَا يَنْهَاهُمْ مَخَافَة اللَّه عَنْ حَرَام حَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ , وَلَا يَتُوبُونَ مِنْ ذَنْب أَصَابُوهُ , حَتَّى أَتَاهُمْ الْمَوْت وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ : قُدُمًا قُدُمًا فِي مَعَاصِي اللَّه , لَا يَنْهَاهُمْ مَخَافَة اللَّه حَتَّى جَاءَهُمْ أَمْر اللَّه . 6233 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { لَا يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أَيْ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى مَعْصِيَتِي , كَفِعْلِ مَنْ أَشْرَكَ بِي فِيمَا عَمِلُوا بِهِ مِنْ كُفْر بِي . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يُوَاقِعُوا الذَّنْب إِذَا هَمُّوا بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6234 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } قَالَ : إِتْيَان الْعَبْد ذَنْبًا إِصْرَارًا حَتَّى يَتُوب . 6235 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } قَالُوا : لَمْ يُوَاقِعُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْإِصْرَار : السُّكُوت عَلَى الذَّنْب , وَتَرْك الِاسْتِغْفَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6236 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أَمَّا يُصِرُّوا : فَيَسْكُتُوا وَلَا يَسْتَغْفِرُوا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدنَا قَوْل مَنْ قَالَ : الْإِصْرَار الْإِقَامَة عَلَى الذَّنْب عَامِدًا , أَوْ تَرْك التَّوْبَة مِنْهُ . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : الْإِصْرَار عَلَى الذَّنْب : هُوَ مُوَاقَعَته ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَدَحَ بِتَرْكِ الْإِصْرَار عَلَى الذَّنْب مَوَاقِع الذَّنْب , فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ; وَلَوْ كَانَ الْمُوَاقِع الذَّنْب مُصِرًّا بِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهُ , لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِغْفَارِ وَجْه مَفْهُوم , لِأَنَّ الِاسْتِغْفَار مِنْ الذَّنْب إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَة مِنْهُ وَالنَّدَم , وَلَا يُعْرَف لِلِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَنْب لَمْ يُوَاقِعهُ صَاحِبه وَجْه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا أَصَرَّ مَنْ اِسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ مَرَّة " . 6237 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحُسَيْن بْن يَزِيد السَّبِيعِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْحَمِيد الْحِمَّانِيّ , عَنْ عُثْمَان بْن وَاقِد , عَنْ أَبِي نَصِيرَة , عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْر , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَوْ كَانَ مُوَاقِع الذَّنْب مُصِرًّا , لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ " مَا أَصَرَّ مَنْ اِسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ مَرَّة " مَعْنًى , لِأَنَّ مُوَاقَعَة الذَّنْب , إِذَا كَانَتْ هِيَ الْإِصْرَار , فَلَا يُزِيل الِاسْم الَّذِي لَزِمَهُ مَعْنَى غَيْره , كَمَا لَا يُزِيل عَنْ الزَّانِي اِسْم زَانٍ , وَعَنْ الْقَاتِل اِسْم قَاتِل تَوْبَته مِنْهُ , وَلَا مَعْنَى غَيْرهَا , وَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْخَبَر أَنَّ الْمُسْتَغْفِر مِنْ ذَنْبه غَيْر مُصِرّ عَلَيْهِ , فَمَعْلُوم بِذَلِكَ أَنَّ الْإِصْرَار غَيْر الْمُوَاقَعَة , وَأَنَّهُ الْمُقَام عَلَيْهِ عَلَى مَا قُلْنَا قَبْل .

وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْلهمْ : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6238 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا , ثُمَّ أَقَامُوا فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَتَوْا مَعْصِيَة اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6239 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ : يَعْلَمُونَ مَا حَرَّمْت عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَة غَيْرِي . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • البينة العلمية في القرآن

    البينة العلمية في القرآن: رسالة مختصرة تُبيِّن عظمة القرآن الكريم وفضله، وبيان أنه أعظم معجزة لخير الرسل محمد - عليه الصلاة والسلام -، مع إظهار شيءٍ مما ورد فيه من آياتٍ بيِّناتٍ تدل على إعجازه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339049

    التحميل:

  • المفيد في التعامل مع المسلم الجديد

    في هذا الكتاب جمع لما تيسَّر من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وطريقته في التعامل مع المسلم الجديد، لعله يستفيد منه الداعية والمدعو في هذا الباب ويكون سبباً للتثبيت على هذا الدين ورسوخ القدم فيه.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339983

    التحميل:

  • وجوب التثبت من الأخبار واحترام العلماء

    في هذه الرسالة بين المؤلف وجوب التثبت من الأخبار واحترام العلماء وبيان مكانتهم في الأمة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314811

    التحميل:

  • الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية

    (الحجاب) .. (Hijab) .. (Hijeb) .. كلمة صارت عَلَمًا على الإسلام في الإعلام الغربي والشرقي... وهذا من فضل الله جلّ وعلا على نساء المسلمين إذ أخذن بشريعة الطهر لمّا غرق العالم في بحر الفتنة... الحجاب .. فريضة ربّانيّة في الإسلام .. بلا ريب .. أراد العالمانيون خلعها من جذورها الممتدة في أعماق نصوص القرآن والسنّة .. قالوا في الحجاب كلّ قول مشين .. نثروا شبهاتهم .. نبشوا في أرض الفتنة, وزرعوا دعواتهم إلى السفور .. فكان في الكتاب الذي بين يديك الرد! الحجاب .. شعار العفّة ..عنوان انتماء ترفعه كلّ مسلمة على هدى من ربّها .. وهو ليس اختراعًا مُحدثًا ولا اختلاقًا مفترى .. إنّه دعوة كلّ الأنبياء ..! قيل .. الحجاب بدعة إسلاميّة لم تعرفها اليهوديّة .. فكان الرد! قيل .. الحجاب شريعة تردّها الكنيسة .. وترفضها الأسفار المقدسة .. فكان الرد! في زمن العدوان على الحجاب .. نستعلن بالحجة القاهرة .. من قرآننا .. ومن كتب اليهود .. وأقوال أحبارهم .. ومن كتب النصارى .. ومؤلّفات أعلامهم .. ومن نبض الكيان الإنساني السوي الذي تجمدت أطرافه من زمهرير الإباحيّة والسفور .. هي رحلة قصيرة .. على متن البيان والبرهان .. لمن كان له قلب .. أو ألقى السمع وهو شهيد .. زادُها الحجّة الصريحة .. والبيّنة الفصيحة .. بعيدًا عن الخطابات الإنشائيّة التي لا تروي غلّة الغليل ولا تهدي من ضلّ المسير. لأننا نحترم عقل المرأة أيًّا كان دينها .. كان هذا الكتاب!

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/292206

    التحميل:

  • قصة البشرية

    قصة البشرية : هذا الكتاب يعرفك بدين الإسلام الذي ختم الله به الأديان، وارتضاه لجميع عباده، وأمرهم بالدخول فيه. وسيتضح لك من خلاله عظمة هذا الدين، وصحة ما جاء به، وصلاحه لكل زمان، ومكان، وأمة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117066

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة