Muslim Library

تفسير الطبري - سورة آل عمران - الآية 118

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) (آل عمران) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , { لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } يَقُول : لَا تَتَّخِذُوا أَوْلِيَاء وَأَصْدِقَاء لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ دُونكُمْ , يَقُول : مِنْ دُون أَهْل دِينكُمْ وَمِلَّتكُمْ , يَعْنِي مِنْ غَيْر الْمُؤْمِنِينَ . وَإِنَّمَا جَعَلَ الْبِطَانَة مَثَلًا لِخَلِيلِ الرَّجُل فَشَبَّهَهُ بِمَا وَلِيَ بَطْنه مِنْ ثِيَابه لِحُلُولِهِ مِنْهُ فِي اِطِّلَاعه عَلَى أَسْرَاره , وَمَا يَطْوِيه عَنْ أَبَاعِده وَكَثِير مِنْ أَقَارِبه , مَحَلّ مَا وَلِيَ جَسَده مِنْ ثِيَابه , فَنَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ الْكُفَّار بِهِ أَخِلَّاء وَأَصْفِيَاء ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ لَهُمْ مُنْطَوُونَ مِنْ الْغِشّ وَالْخِيَانَة , وَبَغْيهمْ إِيَّاهُمْ الْغَوَائِل , فَحَذَّرَهُمْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ عَنْ مُخَالَّتهمْ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } يَعْنِي لَا يَسْتَطِيعُونَ شَرًّا , مِنْ أَلَوْت أَلْوًا , يُقَال : مَا أَلَا فُلَان كَذَا , أَيْ مَا اِسْتَطَاعَ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : جَهْرَاء لَا تَأْلُو إِذَا هِيَ أَظْهَرَتْ بَصَرًا وَلَا مِنْ عَيْلَة تُغْنِينِي يَعْنِي لَا تَسْتَطِيع عِنْد الظُّهْر إِبْصَارًا . وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } الْبِطَانَة الَّتِي نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اِتِّخَاذهَا مِنْ دُونهمْ , فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْبِطَانَة لَا تَتْرُككُمْ طَاقَتهَا خَبَالًا : أَيْ لَا تَدَع جَهْدهَا فِيمَا أَوْرَثَكُمْ الْخَبَال . وَأَصْل الْخَبَال وَالْخَبَال : الْفَسَاد , ثُمَّ يُسْتَعْمَل فِي مَعَادِن كَثِيرَة يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أُصِيبَ بِخَبَلٍ - أَوْ جِرَاح " . وَأَمَّا قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَدُّوا عَنَتكُمْ , يَقُول : يَتَمَنَّوْنَ لَكُمْ الْعَنَت وَالشَّرّ فِي دِينكُمْ وَمَا يَسُوءكُمْ وَلَا يَسُرّكُمْ . ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا حُلَفَاءَهُمْ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل النِّفَاق مِنْهُمْ , وَيُصَادِفُونَهُمْ الْمَوَدَّة بِالْأَسْبَابِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنهمْ فِي جَاهِلِيَّتهمْ قَبْل الْإِسْلَام , فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَأَنْ يَسْتَنْصِحُوهُمْ فِي شَيْء مِنْ أُمُورهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6075 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنْ الْيَهُود لِمَا كَانَ بَيْنهمْ مِنْ الْجِوَار وَالْحِلْف فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ , فَنَهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ تَخَوُّفَ الْفِتْنَة عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } إِلَى قَوْله : { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه } 6076 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } فِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَوَلَّوْهُمْ . 6077 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَدْخِلُوا الْمُنَافِقِينَ أَوْ يُؤَاخُوهُمْ , أَيْ يَتَوَلَّوْهُمْ مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ . 6078 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } هُمْ الْمُنَافِقُونَ . 6079 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار . قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } يَقُول : لَا تَسْتَدْخِلُوا الْمُنَافِقِينَ , تَتَوَلَّوْهُمْ دُون الْمُؤْمِنِينَ . 6080 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَا : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام بْن حَوْشَب , عَنْ الْأَزْهَر بْن رَاشِد , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْل الشِّرْك , وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " قَالَ : فَلَمْ نَدْرِ مَا ذَلِكَ حَتَّى أَتَوْا الْحَسَن فَسَأَلُوهُ , فَقَالَ : نَعَمْ , أَمَّا قَوْله : " لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " , فَإِنَّهُ يَقُول : لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ " مُحَمَّد " ; وَأَمَّا قَوْله : " وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْل الشِّرْك " , فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْمُشْرِكِينَ , يَقُول : لَا تَسْتَشِيرُوهُمْ فِي شَيْء مِنْ أُمُوركُمْ . قَالَ : قَالَ الْحَسَن : وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه , ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } . 6081 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } أَمَّا الْبِطَانَة : فَهُمْ الْمُنَافِقُونَ . 6082 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } . .. الْآيَة , قَالَ : لَا يَسْتَدْخِل الْمُؤْمِن الْمُنَافِق دُون أَخِيهِ . 6083 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } . .. الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , وَقَرَأَ قَوْله : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } . .. الْآيَة . وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل قَوْله { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ مَعْنَاهُ : وَدُّوا مَا ضَلَلْتُمْ عَنْ دِينكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6084 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ . : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } يَقُول : مَا ضَلَلْتُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 6085 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } يَقُول فِي دِينكُمْ , يَعْنِي : أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ تَعْنَتُوا فِي دِينكُمْ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } فَجَاءَ بِالْخَبَرِ عَنْ الْبِطَانَة بِلَفْظِ الْمَاضِي فِي مَحَلّ الْحَال وَالْقَطْع بَعْد تَمَام الْخَبَر , وَالْحَالَات الَّتِي لَا تَكُون إِلَّا بِصُوَرِ الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال الْمُسْتَقْبَلَة دُون الْمَاضِيَة مِنْهَا ؟ قِيلَ : لَيْسَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْت مِنْ أَنَّ قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } حَال مِنْ الْبِطَانَة , وَإِنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْهُمْ ثَانٍ , مُنْقَطِع عَنْ الْأَوَّل غَيْر مُتَّصِل بِهِ . وَإِنَّمَا تَأْوِيل الْكَلَام : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة صِفَتهمْ كَذَا صِفَتهمْ كَذَا . فَالْخَبَر عَنْ الصِّفَة الثَّانِيَة غَيْر مُتَّصِل بِالصِّفَةِ الْأُولَى , وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ صِفَة شَخْص وَاحِد . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } مِنْ صِلَة الْبِطَانَة , وَقَدْ وُصِلَتْ بِقَوْلِهِ : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } فَلَا وَجْه لِصِلَةٍ أُخْرَى بَعْد تَمَام الْبِطَانَة بِصِلَتِهِ , وَلَكِنَّ الْقَوْل فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا قَبْل مِنْ أَنَّ قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } خَبَر مُبْتَدَأ عَنْ الْبِطَانَة غَيْر الْخَبَر الْأَوَّل , وَغَيْر حَال مِنْ الْبِطَانَة وَلَا قُطِعَ مِنْهَا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَدْ بَدَتْ بَغْضَاء هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ , يَعْنِي بِأَلْسِنَتِهِمْ . وَاَلَّذِي بَدَا لَهُمْ مِنْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ إِقَامَتهمْ عَلَى كُفْرهمْ , وَعَدَاوَتهمْ مَنْ خَالَفَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الضَّلَالَة , فَذَلِكَ مِنْ أَوْكَد الْأَسْبَاب مِنْ مُعَادَاتهمْ أَهْل الْإِيمَان , لِأَنَّ ذَلِكَ عَدَاوَة عَلَى الدِّين , وَالْعَدَاوَة عَلَى الدِّين , الْعَدَاوَة الَّتِي لَا زَوَال لَهَا إِلَّا بِانْتِقَالِ أَحَد الْمُتَعَادِيَيْنِ إِلَى مِلَّة الْآخَر مِنْهُمَا , وَذَلِكَ اِنْتِقَال مِنْ هُدًى إِلَّا ضَلَالَة كَانَتْ عِنْد الْمُنْتَقِل إِلَيْهَا ضَلَالَة قَبْل ذَلِكَ , فَكَانَ فِي إِبْدَائِهِمْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمُقَامهمْ عَلَيْهِ أَبْيَن الدَّلَالَة لِأَهْلِ الْإِيمَان عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَغْضَاء وَالْعَدَاوَة . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } قَدْ بَدَتْ بَغْضَاؤُهُمْ لِأَهْلِ الْإِيمَان إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْل الْكُفْر بِإِطْلَاعِ بَعْضهمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ . وَزَعَمَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة أَنَّ الَّذِينَ عَنَوْا بِهَذِهِ الْآيَة : أَهْل النِّفَاق , دُون مَنْ كَانَ مُصَرِّحًا بِالْكُفْرِ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل الشِّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 6086 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } يَقُول : قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاه الْمُنَافِقِينَ إِلَى إِخْوَانهمْ مِنْ الْكُفَّار , مِنْ غِشّهمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله وَبُغْضهمْ إِيَّاهُمْ . 6087 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } يَقُول : مِنْ أَفْوَاه الْمُنَافِقِينَ . وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَة قَوْل لَا مَعْنًى لَهُ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إِنَّمَا نَهَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا بِطَانَة مِمَّنْ قَدْ عُرِفُوهُ بِالْغِشِّ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله , وَالْبَغْضَاء إِمَّا بِأَدِلَّةِ ظَاهِرَة دَالَّة عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتهمْ , وَإِمَّا بِإِظْهَارِ الْمَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ الْعَدَاوَة وَالشَّنَآن وَالْمُنَاصَبَة لَهُمْ . فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتُوهُ مَعْرِفَة أَنَّهُ الَّذِي نَهَاهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُخَالَّته وَمُبَاطَنَتِهِ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُونُوا نَهَوْا عَنْ مُخَالَّته وَمُصَادَقَته إِلَّا بَعْد تَعْرِيفهمْ إِيَّاهُمْ , إِمَّا بِأَعْيَانِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ , وَإِمَّا بِصِفَاتٍ قَدْ عَرَفُوهُمْ بِهَا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ إِبْدَاء الْمُنَافِقِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ بَغْضَاء الْمُؤْمِنِينَ إِلَى إِخْوَانهمْ مِنْ الْكُفَّار , غَيْر مُدْرِك بِهِ الْمُؤْمِنُونَ مَعْرِفَة مَا هُمْ عَلَيْهِ لَهُمْ مَعَ إِظْهَارهمْ الْإِيمَان بِأَلْسِنَتِهِمْ لَهُمْ وَالتَّوَدُّد إِلَيْهِمْ , كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الَّذِي نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنُونَ عَنْ اِتِّخَاذهمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِطَانَة دُونهمْ , هُمْ الَّذِينَ قَدْ ظَهَرَتْ لَهُمْ بَغْضَاؤُهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَى مَا وَصَفَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ , فَعَرَفَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ بِالصِّفَةِ الَّتِي نَعَتَهُمْ اللَّه بِهَا , وَأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْره بِأَنَّهُمْ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مِمَّنْ كَانَ لَهُ ذِمَّة وَعَهْد مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه مِنْ أَهْل الْكِتَاب , لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا الْمُنَافِقِينَ لَكَانَ الْأَمْر فِيهِمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا , وَلَوْ كَانُوا الْكُفَّار مِمَّنْ قَدْ نَاصَبَ الْمُؤْمِنِينَ الْحَرْب , لَمْ يَكُنْ الْمُؤْمِنُونَ مُتَّخِذِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ مَعَ اِخْتِلَاف بِلَادهمْ وَافْتِرَاق أَمْصَارهمْ , وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ كَانُوا بَيْن أَظْهُر الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَيَّام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِمَّنْ كَانَ لَهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد وَعَقْد مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل . وَالْبَغْضَاء : مَصْدَر , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " قَدْ بَدَا الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ " , عَلَى وَجْه التَّذْكِير , وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ وَلَفْظه لَفْظ الْمُؤَنَّث , لِأَنَّ الْمَصَادِر تَأْنِيثهَا لَيْسَ بِالتَّأْنِيثِ اللَّازِم , فَيَجُوز تَذْكِير مَا خَرَجَ مِنْهَا عَلَى لَفْظ الْمُؤَنَّث وَتَأْنِيثه , كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة } 11 67 وَكَمَا قَالَ : { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَة مِنْ رَبّكُمْ } 6 157 وَفِي مَوْضِع آخَر : { وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة } 11 94 { وَجَاءَتْكُمْ بَيِّنَة مِنْ رَبّكُمْ } 7 73 , 85 وَقَالَ : { مِنْ أَفْوَاههمْ } وَإِنَّمَا بَدَا مَا بَدَا مِنْ الْبَغْضَاء بِأَلْسِنَتِهِمْ , لِأَنَّ الْمَعْنِيّ بِهِ الْكَلَام الَّذِي ظَهَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مِنْ أَفْوَاههمْ , فَقَالَ : قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاَلَّذِي تُخْفِي صُدُورهمْ , يَعْنِي صُدُور هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَاهُمْ عَنْ اِتِّخَاذهمْ بِطَانَة فَتُخْفِيه عَنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَكْبَر , يَقُول : أَكْبَر مِمَّا قَدْ بَدَا لَكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ أَفْوَاههمْ مِنْ الْبَغْضَاء وَأَعْظَم . كَمَا : 6088 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر } يَقُول : وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر مِمَّا قَدْ أَبْدَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ . 6089 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر } يَقُول : مَا تُكِنّ صُدُورهمْ أَكْبَر مِمَّا قَدْ أَبْدَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْآيَات , يَعْنِي بِالْآيَاتِ : الْعِبَر , قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ مِنْ أَمْر هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ نَهَيْنَاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ مَا تَعْتَبِرُونَ وَتَتَّعِظُونَ بِهِ مِنْ أَمْرهمْ , { إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } يَعْنِي : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنْ اللَّه مَوَاعِظه وَأَمْره وَنَهْيه , وَتَعْرِفُونَ مَوَاقِع نَفْع ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَبْلَغ عَائِدَته عَلَيْكُمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • معالم في طريق طلب العلم

    معالم في طريق طلب العلم : رسالة قيمة تحتوي على بعض الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، مع بعض ما يستعين به على التحصيل ويتحلى به في حياته، وبعض السبل والوسائل التي تمكنه من نيل المطلوب، وما يتجنبه من الأخلاق الدنيئة والسمات الرذيلة، وغير ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307785

    التحميل:

  • التعليق المختصر على القصيدة النونية

    التعليق المختصر على القصيدة النونية المسماة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية للعلامة ابن قيم الجوزية - رحمه الله -، وهي قصيدة انتصر فيها لعقيدة السلف الصالح، ورد فيها على مخالفيهم، ونقض حججهم وكشف شبهاتهم وتمويهاتهم. ولم يدع الناظم - رحمه الله - أصلاً من أصول عقيدة السلف إلا بينه، وأفاض في ذكره، ولم يترك بدعة كبرى أو مبتدعاً خطيراً إلا تناوله ورد عليه؛ فغدا هذا الكتاب - النظم - أشبه ما يكون - بالموسوعة الجامعة لعيون عقائد أهل السنة، والرد على أعدائها من جهال وضلال وأهل أهواء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205557

    التحميل:

  • التقصير في حقوق الجار

    التقصير في حقوق الجار : من الروابط التي دعمها الإسلام، وأوصى بمراعاتها، وشدد في الإبقاء عليها، رابطة الجوار، تلك الرابطة العظيمة التي فرط كثير من الناس فيها، ولم يرعوها حق رعايتها. والحديث في الصفحات التالية سيكون حول التقصير في حق الجار، وقبل ذلك سيتم الحديث عن تعريف الجار، وحدِّه، وحقِّه، ووصاية الإسلام به، ثم بعد ذلك يتم الحديث عن مظاهر التقصير في حق الجار مع محاولة علاج تلك المظاهر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172582

    التحميل:

  • التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم

    هذا البحث ( التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم ) بين الباحث صوراً من تطاول البشر على الله سبحانه وتعالى، وصوراً من تطاول أهل الكتاب على الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، كما تطرق البحث إلى تطاول الكفار على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في عهده الشريف، وتبين أن التطاول عليه صلى الله عليه وسلم من قبل أهل الكتاب له أسباب جوهرية ذكرها القرآن الكريم وبينها غاية البيان، وهذا من عظمة هذا القرآن الكريم، ولم يتناول البحث الوسائل والأساليب التي تتحقق بها هذه الأسباب؛ لأنها أدوات لها غير مؤثرة بنفسها، وظهر أيضاً أن الأسباب المعاصرة التي تدعو أهل الكتاب للتطاول على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هي الأسباب السابقة مضافاً إليها بعض الأسباب التي استجدت مما تضمنه هذا البحث.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/257581

    التحميل:

  • تذكير البشر بأحكام السفر

    تذكير البشر بأحكام السفر : لما كان كثير من الناس قد يجهلون أحكام العبادات وآداب المسافر في السفر جمعت ما تيسر في هذه الرسالة من أحكام المسافر وآدابه من حين أن يخرج من بيته إلى السفر إلى أن يرجع وما ينبغي له أن يقوله ويفعله في سفره فذكرت آداب السفر القولية والفعلية، ورخص السفر، وأحكام قصر الصلاة وجمعها للمسافر مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209174

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة