Muslim Library

تفسير الطبري - سورة آل عمران - الآية 117

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) (آل عمران) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ أَصَابَتْ حَرْث قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّه وَلَكِنْ أَنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : شَبَه مَا يُنْفِق الَّذِينَ كَفَرُوا : أَيْ شَبَه مَا يَتَصَدَّق بِهِ الْكَافِر مِنْ مَاله , فَيُعْطِيه مَنْ يُعْطِيه عَلَى وَجْه الْقُرْبَة إِلَى رَبّه , وَهُوَ لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه جَاحِد وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَذِّب فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْر نَافِع مَعَ كُفْره , وَأَنَّهُ مُضْمَحِلّ عِنْد حَاجَته إِلَيْهِ ذَاهِب بَعْد الَّذِي كَانَ يَرْجُوَا مِنْ عَائِدَة نَفْعه عَلَيْهِ , كَشَبَهِ رِيح فِيهَا بَرْد شَدِيد { أَصَابَتْ } هَذِهِ الرِّيح الَّتِي فِيهَا الْبَرْد الشَّدِيد { حَرْث قَوْم } يَعْنِي زَرْع قَوْم , قَدْ أَمَّلُوا إِدْرَاكه , وَرَجَوْا رِيعه وَعَائِدَة نَفْعه , { ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } يَعْنِي أَصْحَاب الزَّرْع , عَصَوْا اللَّه , وَتَعَدَّوْا حُدُوده { فَأَهْلَكَتْهُ } يَعْنِي فَأَهْلَكَتْ الرِّيح الَّتِي فِيهَا الصِّرّ زَرْعهمْ ذَلِكَ , بَعْد الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَمَل , وَرَجَاء عَائِدَة نَفْعه عَلَيْهِمْ . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَكَذَلِكَ فَعَلَ اللَّه بِنَفَقَةِ الْكَافِر وَصَدَقَته فِي حَيَاته حِين يَلْقَاهُ يُبْطِل ثَوَابهَا , وَيَقُول رَجَاءَهُ مِنْهَا . وَخَرَجَ الْمَثَل لِلنَّفَقَةِ , وَالْمُرَاد بِالْمَثَلِ : صَنِيع اللَّه بِالنَّفَقَةِ , فَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْله : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } فَهُوَ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي مِثْله مِنْ قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نَارًا } 2 17 وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : مَثَل إِبْطَال اللَّه أَجْر مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا , كَمَثَلِ رِيح صِرّ . وَإِنَّمَا جَازَ تَرْك ذِكْر إِبْطَال اللَّه أَجْر ذَلِكَ لِدَلَالَةِ آخِر الْكَلَام عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْله : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } وَلِمَعْرِفَةِ السَّامِع ذَلِكَ مَعْنَاهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى النَّفَقَة الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ النَّفَقَة الْمَعْرُوفَة فِي النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6065 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ ثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا } قَالَ : نَفَقَة الْكَافِر فِي الدُّنْيَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ قَوْله الَّذِي يَقُولهُ بِلِسَانِهِ مِمَّا لَا يُصَدِّقهُ بِقَلْبِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6066 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ أَصَابَتْ حَرْث قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ فَأَهْلَكَتْهُ } يَقُول : مَثَل مَا يَقُول فَلَا يُقْبَل مِنْهُ كَمَثَلِ هَذَا الزَّرْع إِذَا زَرَعَهُ الْقَوْم الظَّالِمُونَ , فَأَصَابَهُ رِيح فِيهَا صِرّ أَصَابَته فَأَهْلَكَتْهُ . فَكَذَلِكَ أَنْفَقُوا فَأَهْلَكَهُمْ شِرْكهمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَبْل . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا تَأْوِيل الْحَيَاة الدُّنْيَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة مِنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا الصِّرّ , فَإِنَّهُ شِدَّة الْبَرْد , وَذَلِكَ بِعُصُوفٍ مِنْ الشَّمَال فِي إِعْصَار الطَّلّ وَالْأَنْدَاء فِي صَبِيحَة مُعْتِمَة بِعَقِبِ لَيْلَة مُصْحِيَة . كَمَا : 6067 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ عُثْمَان بْن غِيَاث , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : بَرْد شَدِيد . 6068 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ اِبْن عَبَّاس : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : بَرْد شَدِيد وَزَمْهَرِير . 6069 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { رِيح فِيهَا صِرّ } يَقُول : بَرْد . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : الصِّرّ : الْبَرْد . 6070 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } : أَيْ بَرْد شَدِيد . 6071 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 6072 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي الصِّرّ : الْبَرْد الشَّدِيد . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } يَقُول : رِيح فِيهَا بَرْد . 6073 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : صِرّ بَارِدَة أَهْلَكَتْ حَرْثهمْ . قَالَ : وَالْعَرَب تَدْعُوهَا الضَّرِيب : تَأْتِي الرِّيح بَارِدَة فَتُصْبِح ضَرِيبًا قَدْ أَحْرَقَ الزَّرْع , تَقُول : " قَدْ ضُرِبَ اللَّيْلَة " أَصَابَهُ ضَرِيب تِلْكَ الصِّرّ الَّتِي أَصَابَتْهُ . 6074 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : رِيح فِيهَا بَرْد . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا فَعَلَ اللَّه بِهَؤُلَاءِ الْكُفَّار مَا فَعَلَ بِهِمْ , مِنْ إِحْبَاطه ثَوَاب أَعْمَالهمْ , وَإِبْطَاله أُجُورهَا ظُلْمًا مِنْهُ لَهُمْ , يَعْنِي : وَضْعًا مِنْهُ لِمَا فَعَلَ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِعه وَعِنْد غَيْر أَهْله , بَلْ وَضَعَ فِعْله ذَلِكَ فِي مَوْضِعه , وَفَعَلَ بِهِمْ مَا هُمْ أَهْله , لِأَنَّ عَمَلهمْ الَّذِي عَمِلُوهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ , وَهُمْ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ دَائِنُونَ وَلِأَمْرِهِ مُتَّبِعُونَ , وَلِرُسُلِهِ مُصَدِّقُونَ . بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ , وَلِأَمْرِهِ مُخَالِفُونَ , وَلِرُسُلِهِ مُكَذِّبُونَ , بَعْد تَقَدُّم مِنْهُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَا يَقْبَل عَمَلًا مِنْ عَامِل إِلَّا مَعَ إِخْلَاص التَّوْحِيد لَهُ , وَالْإِقْرَار بِنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ , وَتَصْدِيق مَا جَاءُوهُمْ بِهِ , وَتَوْكِيده الْحُجَج بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ . فَلَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ مَا فَعَلَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْره فِي ذَلِكَ بَعْد الْإِعْذَار إِلَيْهِ مِنْ إِحْبَاط وَافِر عَمَله لَهُ ظَالِمًا , بَلْ الْكَافِر هُوَ الظَّالِم نَفْسه لِإِكْسَابِهَا مِنْ مَعْصِيَة اللَّه وَخِلَاف أَمْره مَا أَوْرَدَهَا بِهِ نَار جَهَنَّم وَأَصْلَاهَا بِهِ سَعِير سَقَر .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أحكام الجمعة والعيدين والأضحية

    في هذه الرسالة بيان بعض أحكام الجمعة والعيدين والأضحية وبعض فضائل عشر ذي الحجة ويوم عرفة وفضل العمل الصالح فيه وفضل أيام التشريق وأنواع الأذكار المشروعة فيها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209169

    التحميل:

  • من الزيادات الضعيفة في المتون الصحيحة

    من الزيادات الضعيفة في المتون الصحيحة : هذا البحث يُعنى بالبحث في الأحاديث المتكلّم في بعض ألفاظها وبخاصة فيما يتعلق بالزيادات في متون الأحاديث.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233545

    التحميل:

  • من عمل صالحًا فلنفسه

    من عمل صالحًا فلنفسه: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الأمة - ولله الحمد - تزخر بأهل الأعمال الصالحة والأفعال الطيبة، وهذه مجموعة مختارة من قصص سمعتها لأخبار السائرين إلى الدار الآخرة، كتبتها للاقتداء والتأسي، وترك الغفلة وبذل الوسع في طاعة الله عز وجل، وكذلك الرغبة في إشاعة الخير والدلالة عليه. وهي امتداد لكتيبات سابقة مثل: «هل من مشمر؟» و«غراس السنابل» وغيرهما».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229622

    التحميل:

  • العالم العابد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم [ حياته وسيرته ومؤلفاته ]

    العالم العابد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم [ حياته وسيرته ومؤلفاته ] : رتبت هذه الرسالة على النحو الآتي: أولاً: عرض لمولده ونشأته. وثانيًا: رحلته في طلب العلم. وثالثًا: حياته العلمية. ورابعًا: حياته العملية وعرض لمؤلفاته مع مقتطفات للتعريف بها. وخامسًا: سجاياه وصفاته وعبادته. وسادسًا: محبة العلماء له. وسابعًا: فوائد من أقواله وكتبه. وثامنًا: وفاته ووصيته. وتاسعًا: ما قيل فيه شعرًا ونثرًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229632

    التحميل:

  • السبحة تاريخها وحكمها

    قال المؤلف: أحتسب عند الله تعالى تحرير القول في السبحة من جميع جوانبه، بجمع المرويات، وبيان درجتها، وجمع كلام العلماء في تاريخها، وتاريخ حدوثها في المسلمين، وأن العرب لم تعرف في لغتها شيئاً اسمه: ((السُّبْحَة)) في هذا المعنى، وفي ((خلاصة التحقيق)) بيان حكمها في التعبد لِعَدِّ الذِّكر، أو في العادة واللَّهْو، حتى يُعلم أنها وسيلة محدثة لِعَدِّ الذِّكر، ومجاراة لأهل الأهواء، فَتَشَبُّهٌ بأهل الملل الأخرى، وَمِنِ اسْتِبْدَالِ الأَدْنَى بالذي هو خير، وقاعدة الشرع المطهر: تحريم التشبه بالكفار في تعبداتهم وفيما هو من خصائصهم من عاداتهم.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385302

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة