Muslim Library

تفسير الطبري - سورة آل عمران - الآية 113

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) (آل عمران) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لَيْسُوا سَوَاء } لَيْسَ فَرِيقَا أَهْل الْكِتَاب , أَهْل الْإِيمَان مِنْهُمْ وَالْكُفْر سَوَاء , يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ غَيْر مُتَسَاوِينَ , يَقُول : لَيْسُوا مُتَعَادِلِينَ , وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الصَّلَاح وَالْفَسَاد وَالْخَيْر وَالشَّرّ . وَإِنَّمَا قِيلَ : لَيْسُوا سَوَاء , لِأَنَّ فِيهِ ذِكْر الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْل الْكِتَاب اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّه فِي قَوْله : { وَلَوْ آمَنَ أَهْل الْكِتَاب لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهمْ الْفَاسِقُونَ } 3 110 ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ حَال الْفَرِيقَيْنِ عِنْده , الْمُؤْمِنَة مِنْهُمَا وَالْكَافِرَة , فَقَالَ : { لَيْسُوا سَوَاء } : أَيْ لَيْسَ هَؤُلَاءِ سَوَاء , الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ وَالْكَافِرُونَ . ثُمَّ اِبْتَدَأَ الْخَبَر جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ صِفَة الْفِرْقَة الْمُؤْمِنَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَمَدَحَهُمْ , وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بَعْد مَا وَصَفَ الْفِرْقَة الْفَاسِقَة مِنْهُمْ بِمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنْ الْهَلَع وَنَخْب الْجَنَان , وَمُحَالَفَة الذُّلّ وَالصَّغَار , وَمُلَازَمَة الْفَاقَة وَالْمَسْكَنَة , وَتَحَمُّل خِزْي الدُّنْيَا وَفَضِيحَة الْآخِرَة , فَقَالَ : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه أَنَاءَ اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } . .. الْآيَات الثَّلَاث , إِلَى قَوْله : { وَاَللَّه عَلِيم بِالْمُتَّقِينَ } فَقَوْله : " أُمَّة قَائِمَة " مَرْفُوعَة بِقَوْلِهِ : " مِنْ أَهْل الْكِتَاب " . وَقَدْ تَوَهَّمَ جَمَاعَة مِنْ نَحْوِيِّي الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَالْمُقَدَّمِينَ مِنْهُمْ فِي صِنَاعَتهمْ , أَنَّ مَا بَعْد سَوَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع مِنْ قَوْله : { أُمَّة قَائِمَة } تَرْجَمَة عَنْ سَوَاء , وَتَفْسِير عَنْهُ بِمَعْنَى : لَا يَسْتَوِي مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل , وَأُخْرَى كَافِرَة , وَزَعَمُوا أَنَّ ذِكْر الْفِرْقَة الْأُخْرَى تُرِكَ اِكْتِفَاء بِذِكْرِ إِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ , وَهِيَ الْأُمَّة الْقَائِمَة , وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ أَبِي ذُئَيْب : عَصَيْت إِلَيْهَا الْقَلْب إِنِّي لِأَمْرِهَا سَمِيع فَمَا أَدْرِي أَرُشْد طِلَابهَا وَلَمْ يَقُلْ : " أَمْ غَيْر رُشْد " اِكْتِفَاء بِقَوْلِهِ : " أَرُشْد " مِنْ ذِكْر " أَمْ غَيْر رُشْد " . وَبِقَوْلِ الْآخَر : أَزَال فَلَا أَدْرِي أَهَمّ هَمَمْته وَذُو الْهَمّ قِدْمًا خَاشِع مُتَضَائِل وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عِنْدهمْ خَطَأ قَوْل الْقَائِل الْمَرِيد أَنْ يَقُول : سَوَاء أَقَمْت أَمْ قَعَدْت , سَوَاء أَقُمْت حَتَّى يَقُول أَمْ قَعَدْت , وَإِنَّمَا يُجِيزُونَ حَذْف الثَّانِي فِيمَا كَانَ مِنْ الْكَلَام مُكْتَفِيًا بِوَاحِدٍ دُون مَا كَانَ نَاقِصًا عَنْ ذَلِكَ , وَذَلِكَ نَحْو مَا أُبَالِي أَوْ مَا أَدْرِي , فَأَجَازُوا فِي ذَلِكَ مَا أُبَالِي أَقُمْت , وَهُمْ يُرِيدُونَ : مَا أُبَالِي أَقُمْت أَمْ قَعَدْت , لِاكْتِفَاءِ مَا أُبَالِي بِوَاحِدٍ , وَكَذَلِكَ فِي مَا أَدْرِي , وَأَبَوْا الْإِجَازَة فِي سَوَاء مِنْ أَجْل نُقْصَانه , وَأَنَّهُ غَيْر مُكْتَفٍ بِوَاحِدٍ , فَأَغْفَلُوا فِي تَوْجِيههمْ قَوْله : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ إِلَى مَا وَجَّهُوهُ إِلَيْهِ مَذَاهِبهمْ فِي الْعَرَبِيَّة , إِذْ أَجَازُوا فِيهِ مِنْ الْحَذْف مَا هُوَ غَيْر جَائِز عِنْدهمْ فِي الْكَلَام مَعَ سَوَاء , وَأَخْطَئُوا تَأْوِيل الْآيَة , فَسَوَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى التَّمَام وَالِاكْتِفَاء , لَا بِالْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْله . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْله : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . .. الْآيَات الثَّلَاث , نَزَلَتْ فِي جَمَاعَة مِنْ الْيَهُود أَسْلَمُوا , فَحَسُنَ إِسْلَامهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6044 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا أَسْلَمَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَثَعْلَبَة بْن سَعْيَة , وَأَسِيد بْن سُعَيَّة , وَأَسَد بْن عُبَيْد , وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُود مَعَهُمْ , فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَام وَمَنَحُوا فِيهِ , قَالَتْ : أَحْبَار يَهُود وَأَهْل الْكُفْر مِنْهُمْ : مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا تَبِعَهُ إِلَّا أَشْرَارنَا , وَلَوْ كَانُوا مِنْ خِيَارنَا مَا تَرَكُوا دِين آبَائِهِمْ , وَذَهَبُوا إِلَى غَيْره , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمًا يَتْلُونَ آيَات اللَّه } إِلَى قَوْله : { وَأُولَئِكَ مِنْ الصَّالِحِينَ } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , بِنَحْوِهِ . 6045 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . .. الْآيَة , يَقُول : لَيْسَ كُلّ الْقَوْم هُلَّك , قَدْ كَانَ لِلَّهِ فِيهِمْ بَقِيَّة . 6046 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : { أُمَّة قَائِمَة } : عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَثَعْلَبَة بْن سَلَام أَخُوهُ , وَسُعَيَّة وَمُبَشِّر , وَأَسِيد وَأَسَد اِبْنَا كَعْب . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ أَهْل الْكِتَاب وَأُمَّة مُحَمَّد الْقَائِمَة بِحَقِّ اللَّه سَوَاء عِنْد اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6047 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ الْحَسَن بْن يَزِيد الْعِجْلِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَوْله : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَمَّة قَائِمَة } قَالَ : لَا يَسْتَوِي أَهْل الْكِتَاب , وَأُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6048 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . .. الْآيَة , يَقُول : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُود كَمِثْلِ هَذِهِ الْأُمَّة الَّتِي هِيَ قَائِمَة . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : قَدْ تَمَّتْ الْقِصَّة عِنْد قَوْله : { لَيْسُوا سَوَاء } عَنْ إِخْبَار اللَّه يَأْمُر مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب , وَأَهْل الْكُفْر مِنْهُمْ , وَأَنَّ قَوْله : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . خَبَر مُبْتَدَأ عَنْ مَدْح مُؤْمِنِيهِمْ , وَوَصْفهمْ بِصِفَتِهِمْ , عَلَى مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَابْن جُرَيْج . وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أُمَّة قَائِمَة } : جَمَاعَة ثَابِتَة عَلَى الْحَقّ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْأُمَّة فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَأَمَّا الْقَائِمَة , فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهَا : الْعَادِلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6049 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أُمَّة قَائِمَة } مَنْ قَالَ : عَادِلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهَا قَائِمَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6050 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { أُمَّة قَائِمَة } يَقُول : قَائِمَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَفَرَائِضه وَحُدُوده . 6051 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { أُمَّة قَائِمَة } يَقُول . قَائِمَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَحُدُوده وَفَرَائِضه . 6052 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } يَقُول : أُمَّة مُهْتَدِيَة قَائِمَة عَلَى أَمْر اللَّه , لَمْ تَنْزِع عَنْهُ وَتَتْرُكهُ كَمَا تَرَكَهُ الْآخَرُونَ وَضَيَّعُوهُ . وَقَالَ آخَرُونَ . بَلْ مَعْنَى قَائِمَة : مُطِيعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6053 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أُمَّة قَائِمَة } الْآيَة , يَقُول : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُود , كَمِثْلِ هَذِهِ الْأُمَّة الَّتِي هِيَ قَانِتَة لِلَّهِ وَالْقَانِتَة . الْمُطِيعَة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة , وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْهُمْ , وَإِنْ كَانَ سَائِر الْأَقْوَال الْأُخَر مُتَقَارِبَة الْمَعْنَى مِنْ مَعْنَى مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة فِي ذَلِكَ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { قَائِمَة } مُسْتَقِيمَة عَلَى الْهُدَى , وَكِتَاب اللَّه وَفَرَائِضه , وَشَرَائِع دِينه , بِالْعَدْلِ وَالطَّاعَة , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب الْخَيْر مِنْ صِفَة أَهْل الِاسْتِقَامَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَظِير ذَلِكَ الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ النُّعْمَان بْن بَشِير , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْوَاقِع فِيهَا , كَمَثَلِ قَوْم رَكِبُوا سَفِينَة , ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا " فَالْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه هُوَ الثَّابِت عَلَى التَّمَسُّك بِمَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَاجْتِنَاب مَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : مِنْ أَهْل الْكِتَاب جَمَاعَة مُعْتَصِمَة بِكِتَابِ اللَّه , مُتَمَسِّكَة بِهِ , ثَابِتَة عَلَى الْعَمَل بِمَا فِيهِ , وَمَا سَنَّ لَهُ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه } : يَقْرَءُونَ كِتَاب اللَّه آنَاء اللَّيْل , وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { آيَات اللَّه } : مَا أَنْزَلَ فِي كِتَابه مِنْ الْعِبَر وَالْمَوَاعِظ , يَقُول : يَتْلُونَ ذَلِكَ آنَاء اللَّيْل , يَقُول : فِي سَاعَات اللَّيْل , فَيَتَدَبَّرُونَهُ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيهِ . وَأَمَّا { آنَاء اللَّيْل } : فَسَاعَات اللَّيْل , وَاحِدهَا : إِنْي , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : حُلْو وَمُرّ كَعَطْفِ الْقِدْح مِرَّته فِي كُلّ إنْي قُضَاة اللَّيْل يَنْتَعِل وَقَدْ قِيلَ إِنَّ وَاحِد الْآنَاء : إِنًى مَقْصُور , كَمَا وَاحِد الْأَمْعَاء : مِعًى . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : سَاعَات اللَّيْل , كَمَا قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6054 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل } : أَيْ سَاعَات اللَّيْل . 6055 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : { آنَاء اللَّيْل } : سَاعَات اللَّيْل . 6056 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَى حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير : سَمِعْنَا الْعَرَب تَقُول : { آنَاء اللَّيْل } : سَاعَات اللَّيْل . وَقَالَ آخَرُونَ { أَنَاءَ اللَّيْل } : جَوْف اللَّيْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6057 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل } أَمَّا آنَاء اللَّيْل : فَجَوْف اللَّيْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِشَاء الْأَخِيرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6058 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ الْحَسَن بْن يَزِيد الْعِجْلِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي قَوْله : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل } : صَلَاة الْعَتَمَة , هُمْ يُصَلُّونَهَا , وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَا يُصَلِّيهَا . 6059 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني يَحْيَى بْن أَيُّوب , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن زَحْر , عَنْ سُلَيْمَان , عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : اِحْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة كَانَ عِنْد بَعْض أَهْله وَنِسَائِهِ , فَلَمْ يَأْتِنَا لِصَلَاةِ الْعِشَاء حَتَّى ذَهَبَ لَيْل , فَجَاءَ وَمِنَّا الْمُصَلِّي وَمِنَّا الْمُضْطَجِع , فَبَشَّرَنَا وَقَالَ : " إِنَّهُ لَا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاة أَحَد مِنْ أَهْل الْكِتَاب " , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } 6060 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن مَعْبَد , عَنْ أَبِي يَحْيَى الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ نَصْر بْن طَرِيف , عَنْ عَاصِم , عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَنْتَظِر الْعِشَاء - يُرِيد الْعَتَمَة - فَقَالَ لَنَا : " مَا عَلَى الْأَرْض أَحَد مِنْ أَهْل الْأَدْيَان يَنْتَظِر هَذِهِ الصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت غَيْركُمْ " قَالَ : فَنَزَلَتْ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم كَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6061 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهَا نَزَلَتْ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فِيمَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْتهَا عَلَى اِخْتِلَافهَا مُتَقَارِبَة الْمَعَانِي , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم , بِأَنَّهُمْ يَتْلُونَ آيَات اللَّه فِي سَاعَات اللَّيْل , وَهِيَ آنَاؤُهُ , وَقَدْ يَكُون تَالِيهَا فِي صَلَاة الْعِشَاء تَالِيًا لَهَا آنَاء اللَّيْل , وَكَذَلِكَ مَنْ تَلَاهَا فِيمَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء , وَمَنْ تَلَاهَا جَوْف اللَّيْل , فَكُلّ تَالٍ لَهُ سَاعَات اللَّيْل . غَيْر أَنَّ أَوْلَى الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : تِلَاوَة الْقُرْآن فِي صَلَاة الْعِشَاء , لِأَنَّهَا صَلَاة لَا يُصَلِّيهَا أَحَد مِنْ أَهْل الْكِتَاب , فَوَصَفَ اللَّه أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ يُصَلُّونَهَا دُون أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله . وَأَمَّا قَوْله : { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فَإِنَّ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى السُّجُود فِي هَذَا الْمَوْضِع اِسْم الصَّلَاة لَا السُّجُود , لِأَنَّ التِّلَاوَة لَا تَكُون فِي السُّجُود وَلَا فِي الرُّكُوع , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام عِنْده : يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يُصَلُّونَ , وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة , يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل فِي صَلَاتهمْ , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ فِيهَا , فَالسُّجُود هُوَ السُّجُود الْمَعْرُوف فِي الصَّلَاة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية

    التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا شرحٌ مختصرٌ للقصيدة السنيَّة والمنظومة البهيَّة المشهورة بـ (الحائية) لناظمها الإمام المُحقِّق والحافظ المُتقِن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف - رحمهما الله -».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344673

    التحميل:

  • الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية

    -

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141369

    التحميل:

  • المنتقى من بطون الكتب

    المنتقى من بطون الكتب : قام الكاتب بتدوين ما أستحسنه أثناء مامر به وهو يقرأ في بعض الكتب، سواء كانت حكمة بالغة أو موعظة حسنة، أو نظرة ثاقبة، أو فكرة سامية، أو تجربة ناضجة، أو عبارة رائعة رائقة، أو تحرير عال، أو أسلوب بارع، أو معنى لطيف، أو نحو ذلك وماجرى مجراه مما يبهج النفس، ويوسع المدارك، ويرقي الهمة، ويزيد في الإيمان، ويدعو إلى لزوم الفضيلة.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172258

    التحميل:

  • الإيمان باليوم الآخر

    الإيمان باليوم الآخر : يتناول هذا الكتاب الحديث عن الحياة البرزخية والروح، ثم أشراط الساعة، ثم أحوال اليوم الآخر مما سيكون من قيام الساعة ومابعد ذلك.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172703

    التحميل:

  • حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين

    حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين : قال العلامة الكبير ابن باز - رحمه الله - في تقريظه لهذه الرسالة « .. فهذه الرسالة مهمة في حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد أهل الإسلام، جمعها العلامة الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري الباحث في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - جزاه الله خيرا وزاده علما وتوفيقا - ردا على ما نشرته بعض الجرائد المصرية في جواز إحداث الكنائس في البلاد الإسلامية. وقد قرأت هذه الرسالة من أولها إلى آخرها فألفيتها رسالة قيمة، قد ذكر فيها مؤلفها ما ورد في بناء الكنائس والبيع وسائر المعابد الكفرية من الأحاديث النبوية والآثار وكلام أهل العلم في المذاهب الأربعة، وقد أجاد وأفاد وختمها برسالتين جليلتين عظيمتي الفائدة للإمام العلامة أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -. ولا ريب أن موضوع الرسالة مهم جداً ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه اختلاط الكفار بالمسلمين ونشاط النصارى في بناء الكنائس في بعض البلاد الإسلامية ولا سيما بعض دول الجزيرة العربية. وقد أجمع العلماء - رحمهم الله - على تحريم بناء الكنائس في البلاد الإسلامية، وعلى وجوب هدمها إذا أُحدثت، وعلى أن بناءها في الجزيرة العربية كنجد والحجاز وبلدان الخليج واليمن أشد إثما وأعظم جرما؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، ونهى أن يجتمع فيها دينان، وتبعه أصحابه في ذلك. ولما استخلف عمر - رضي الله عنه - أجلى اليهود من خيبر عملا بهذه السنة؛ ولأن الجزيرة العربية هي مهد الإسلام ومنطلق الدعاة إليه ومحل قبلة المسلمين فلا يجوز أن ينشأ فيها بيت لعبادة غير الله سبحانه كما لا يجوز أن يقر فيها من يعبد غيره. ولما حصل من التساهل في هذا الأمر العظيم رأيت أن نشر هذه الرسالة مفيد جدا إن شاء الله، بل من أهم المهمات ولهذا أمرت بطبعها ونشرها وتوزيعها على حساب رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد نصحا للأمة وبراءة للذمة ومساهمة في إنكار هذا المنكر العظيم والدعوة إلى إنكاره والتحذير منه، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يطهر بلاد المسلمين عموما والجزيرة العربية خصوصا من جميع المعابد الشركية، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين إلى إزالتها والقضاء عليها طاعة لله سبحانه وامتثالا لأمر رسوله عليه الصلاة والسلام وسيرا على منهج سلف الأمة وتحقيقا لما دعا إليه علماء الإسلام من إزالة الكنائس والمعابد الشركية المحدثة في بلاد المسلمين، إنه جواد كريم ».

    المدقق/المراجع: عبد العزيز بن عبد الله بن باز

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107604

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة