Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة القصص - الآية 27

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) (القصص) mp3
أُنْكِحك " فِيهِ عَرْض الْوَلِيّ بِنْته عَلَى الرَّجُل ; وَهَذِهِ سُنَّة قَائِمَة ; عَرَضَ صَالِح مَدْيَن اِبْنَته عَلَى صَالِح بَنِي إِسْرَائِيل , وَعَرَضَ عُمَر بْن الْخَطَّاب اِبْنَته حَفْصَة عَلَى أَبِي بَكْر وَعُثْمَان , وَعَرَضَتْ الْمَوْهُوبَة نَفْسهَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَمِنْ الْحَسَن عَرْض الرَّجُل وَلِيَّته , وَالْمَرْأَة نَفْسهَا عَلَى الرَّجُل الصَّالِح , اِقْتِدَاء بِالسَّلَفِ الصَّالِح قَالَ اِبْن عُمَر : لَمَّا تَأَيَّمَتْ حَفْصَة قَالَ عُمَر لِعُثْمَانَ : إِنْ شِئْت أُنْكِحك حَفْصَة بِنْت عُمَر ; الْحَدِيث اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيّ

وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ النِّكَاح إِلَى الْوَلِيّ لَا حَظّ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ , لِأَنَّ صَالِح مَدْيَن تَوَلَّاهُ , وَبِهِ قَالَ فُقَهَاء الْأَمْصَار وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة وَقَدْ مَضَى

هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّج اِبْنَته الْبِكْر الْبَالِغ مِنْ غَيْر اِسْتِئْمَار , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَة , وَهُوَ ظَاهِر قَوِيّ فِي الْبَاب , وَاحْتِجَاجه بِهَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعَوِّل عَلَى الْإِسْرَائِيلِيَّات ; كَمَا تَقَدَّمَ وَبِقَوْلِ مَالِك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة قَالَ الشَّافِعِيّ وَكَثِير مِنْ الْعُلَمَاء وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا بَلَغَتْ الصَّغِيرَة فَلَا يُزَوِّجهَا أَحَد إِلَّا بِرِضَاهَا ; لِأَنَّهَا بَلَغَتْ حَدّ التَّكْلِيف , فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ صَغِيرَة فَإِنَّهُ يُزَوِّجهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا لِأَنَّهُ لَا إِذْن لَهَا وَلَا رِضًا , بِغَيْرِ خِلَاف

اِسْتَدَلَّ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ بِقَوْلِهِ : " إِنِّي أُرِيد أَنْ أُنْكِحك " عَلَى أَنَّ النِّكَاح مَوْقُوف عَلَى لَفْظ التَّزْوِيج وَالْإِنْكَاح وَبِهِ قَالَ رَبِيعَة وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عُبَيْد وَدَاوُد وَمَالِك عَلَى اِخْتِلَاف عَنْهُ وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْمَشْهُور : يَنْعَقِد النِّكَاح بِكُلِّ لَفْظ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَنْعَقِد بِكُلِّ لَفْظ يَقْتَضِي التَّمْلِيك عَلَى التَّأْبِيد ; أَمَّا الشَّافِعِيَّة فَلَا حُجَّة لَهُمْ فِي الْآيَة لِأَنَّهُ شَرْع مَنْ قَبْلنَا وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ حُجَّة فِي شَيْء فِي الْمَشْهُور عِنْدهمْ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالْحَسَن بْن حَيّ فَقَالُوا : يَنْعَقِد النِّكَاح بِلَفْظِ الْهِبَة وَغَيْره إِذَا كَانَ قَدْ أُشْهِدَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الطَّلَاق يَقَع بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة , قَالُوا : فَكَذَلِكَ النِّكَاح قَالُوا : وَاَلَّذِي خُصَّ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَرِّي الْبُضْع مِنْ الْعِوَض لَا النِّكَاح بِلَفْظِ الْهِبَة , وَتَابَعَهُمْ اِبْن الْقَاسِم فَقَالَ : إِنْ وَهَبَ اِبْنَته وَهُوَ يُرِيد إِنْكَاحهَا فَلَا أَحْفَظ عَنْ مَالِك فِيهِ شَيْئًا , وَهُوَ عِنْدِي جَائِز كَالْبَيْعِ قَالَ أَبُو عُمَر : الصَّحِيح أَنَّهُ لَا يَنْعَقِد نِكَاح بِلَفْظِ الْهِبَة , كَمَا لَا يَنْعَقِد بِلَفْظِ النِّكَاح هِبَة شَيْء مِنْ الْأَمْوَال وَأَيْضًا فَإِنَّ النِّكَاح مُفْتَقِر إِلَى التَّصْرِيح لِتَقَع الشَّهَادَة عَلَيْهِ , وَهُوَ ضِدّ الطَّلَاق فَكَيْف يُقَاسَ عَلَيْهِ , وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النِّكَاح لَا يَنْعَقِد بِقَوْلِ : أَبَحْت لَك وَأَحْلَلْت لَك فَكَذَلِكَ الْهِبَة وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه ) يَعْنِي الْقُرْآن , وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن عَقْد النِّكَاح بِلَفْظِ الْهِبَة , وَإِنَّمَا فِيهِ التَّزْوِيج وَالنِّكَاح , وَفِي إِجَازَة النِّكَاح بِلَفْظِ الْهِبَة إِبْطَال بَعْض خُصُوصِيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ



يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَرْض لَا عَقْد , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَقْدًا لَعَيَّنَ الْمَعْقُود عَلَيْهَا لَهُ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاء إِنْ كَانُوا قَدْ اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز الْبَيْع إِذَا قَالَ : بِعْتُك أَحَد عَبْدَيَّ هَذَيْنَ بِثَمَنِ كَذَا ; فَإِنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوز فِي النِّكَاح ; لِأَنَّهُ خِيَار وَشَيْء مِنْ الْخِيَار لَا يُلْصَق بِالنِّكَاحِ

قَالَ مَكِّيّ : فِي هَذِهِ الْآيَة خَصَائِص فِي النِّكَاح مِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّن الزَّوْجَة وَلَا حَدّ أَوَّل الْأَمَد , وَجَعَلَ الْمَهْر إِجَارَة , وَدَخَلَ وَلَمْ يَنْقُد شَيْئًا قُلْت : فَهَذِهِ أَرْبَع مَسَائِل تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَة [ الْأُولَى ] التَّعْيِين , قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَمَّا التَّعْيِين فَيُشْبِه أَنَّهُ كَانَ فِي ثَانِي حَال الْمُرَاوَضَة , وَإِنَّمَا عَرَضَ الْأَمْر مُجْمَلًا , وَعَيَّنَ بَعْد ذَلِكَ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ زَوَّجَهُ صفوريا وَهِيَ الصُّغْرَى يُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ سُئِلْت أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى فَقُلْ خَيْرهمَا وَأَوْفَاهُمَا وَإِنْ سُئِلْت أَيّ الْمَرْأَتَيْنِ تَزَوَّجَ فَقُلْ الصُّغْرَى وَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ خَلْفه وَهِيَ الَّتِي قَالَتْ : " يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين " ) . قِيلَ : إِنَّ الْحِكْمَة فِي تَزْوِيجه الصُّغْرَى مِنْهُ قَبْل الْكُبْرَى وَإِنْ كَانَتْ الْكُبْرَى أَحْوَج إِلَى الرِّجَال أَنَّهُ تَوَقَّعَ أَنْ يَمِيل إِلَيْهَا ; لِأَنَّهُ رَآهَا فِي رِسَالَته , وَمَاشَاهَا فِي إِقْبَاله إِلَى أَبِيهَا مَعَهَا , فَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْكُبْرَى رُبَّمَا أَظْهَرَ لَهُ الِاخْتِيَار وَهُوَ يُضْمِر غَيْره وَقِيلَ غَيْر هَذَا ; وَاَللَّه أَعْلَم وَفِي بَعْض الْأَخْبَار أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِالْكُبْرَى ; حَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ [ الثَّانِيَة ] وَأَمَّا ذِكْر أَوَّل الْمُدَّة فَلَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَقْتَضِي إِسْقَاطه بَلْ هُوَ مَسْكُوت عَنْهُ ; فَإِمَّا رَسَمَاهُ , وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ أَوَّل وَقْت الْعَقْد [ الثَّالِثَة ] وَأَمَّا النِّكَاح بِالْإِجَارَةِ فَظَاهِر مِنْ الْآيَة , وَهُوَ أَمْر قَدْ قَرَّرَهُ شَرْعنَا , وَجَرَى فِي حَدِيث الَّذِي لَمْ يَكُنْ عِنْده إِلَّا شَيْء مِنْ الْقُرْآن ; رَوَاهُ الْأَئِمَّة ; وَفِي بَعْض طُرُقه : فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا تَحْفَظ مِنْ الْقُرْآن ) فَقَالَ : سُورَة الْبَقَرَة وَاَلَّتِي تَلِيهَا ; قَالَ : ( فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَة وَهِيَ اِمْرَأَتك ) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : فَكَرِهَهُ مَالِك , وَمَنَعَهُ اِبْن الْقَاسِم , وَأَجَازَهُ اِبْن حَبِيب ; وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه ; قَالُوا : يَجُوز أَنْ تَكُون مَنْفَعَة الْحُرّ صَدَاقًا كَالْخِيَاطَةِ وَالْبِنَاء وَتَعْلِيم الْقُرْآن وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَصِحّ , وَجَوَّزَ أَنْ يَتَزَوَّجهَا بِأَنْ يُخْدِمهَا عَبْده سَنَة , أَوْ يُسْكِنهَا دَاره سَنَة ; لِأَنَّ الْعَبْد وَالدَّار مَال , وَلَيْسَ خِدْمَتهَا بِنَفْسِهِ مَالًا وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْكَرْخِيّ : إِنَّ عَقْد النِّكَاح بِلَفْظِ الْإِجَارَة جَائِز ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ " [ النِّسَاء : 24 ] وَقَالَ أَبُو بَكْر الرَّازِيّ : لَا يَصِحّ لِأَنَّ الْإِجَارَة عَقْد مُؤَقَّت , وَعَقْد النِّكَاح مُؤَبَّد , فَهُمَا مُتَنَافِيَانِ وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : يَنْفَسِخ قَبْل الْبِنَاء وَيَثْبُت بَعْده . وَقَالَ أَصْبَغ : إِنْ نَقَدَ مَعَهُ شَيْئًا فَفِيهِ اِخْتِلَاف , وَإِنْ لَمْ يَنْقُد فَهُوَ أَشَدّ , فَإِنْ تَرَكَ مَضَى عَلَى كُلّ حَال بِدَلِيلِ قِصَّة شُعَيْب ; قَالَ مَالِك وَابْن الْمَوَّاز وَأَشْهَب وَعَوَّلَ عَلَى هَذِهِ الْآيَة جَمَاعَة مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذِهِ النَّازِلَة ; قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة النِّكَاح عَلَى الْإِجَارَة وَالْعَقْد صَحِيح , وَيُكْرَه أَنْ تُجْعَل الْإِجَارَة مَهْرًا , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْمَهْر مَالًا كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ " [ النِّسَاء : 24 ] هَذَا قَوْل أَصْحَابنَا جَمِيعًا [ الرَّابِعَة ] وَأَمَّا قَوْله : وَدَخَلَ وَلَمْ يَنْقُد فَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذَا ; هَلْ دَخَلَ حِين عَقَدَ أَمْ حِين سَافَرَ , فَإِنْ كَانَ حِين عَقَدَ فَمَاذَا نَقَدَ ؟ وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا مِنْ الدُّخُول حَتَّى يَنْقُد وَلَوْ رُبْع دِينَار ; قَالَهُ اِبْن الْقَاسِم فَإِنْ دَخَلَ قَبْل أَنْ يَنْقُد مَضَى , لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابنَا قَالُوا : تَعْجِيل الصَّدَاق أَوْ شَيْء مِنْهُ مُسْتَحَبّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الصَّدَاق رِعْيَة الْغَنَم فَقَدْ نَقَدَ الشُّرُوع فِي الْخِدْمَة ; وَإِنْ كَانَ دَخَلَ حِين سَافَرَ فَطُول الِانْتِظَار فِي النِّكَاح جَائِز إِنْ كَانَ مَدَى الْعُمْر بِغَيْرِ شَرْط وَأَمَّا إِنْ كَانَ بِشَرْطِ فَلَا يَجُوز إِلَّا أَنْ يَكُون الْغَرَض صَحِيحًا مِثْل التَّأَهُّب لِلْبِنَاءِ أَوْ اِنْتِظَار صَلَاحِيَّة الزَّوْجَة لِلدُّخُولِ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَة ; نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا

فِي هَذِهِ الْآيَة اِجْتِمَاع إِجَارَة وَنِكَاح , وَقَدْ اِخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : [ الْأَوَّل ] قَالَ فِي ثُمَانِيَّة أَبِي زَيْد : يُكْرَه اِبْتِدَاء فَإِنْ وَقَعَ مَضَى [ الثَّانِي ] قَالَ مَالِك وَابْن الْقَاسِم فِي الْمَشْهُور : لَا يَجُوز وَيُفْسَخ قَبْل الدُّخُول وَبَعْده ; لِاخْتِلَافِ مَقَاصِدهمَا كَسَائِرِ الْعُقُود الْمُتَبَايِنَة [ الثَّالِث ] أَجَازَهُ أَشْهَب وَأَصْبَغ قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَعَلَيْهِ تَدُلّ الْآيَة ; وَقَدْ قَالَ مَالِك النِّكَاح أَشْبَه شَيْء بِالْبُيُوعِ , فَأَيّ فَرْق بَيْن إِجَارَة وَبَيْع أَوْ بَيْن بَيْع وَنِكَاح فَرْع : وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيم شِعْر مُبَاح صَحَّ ; قَالَ الْمُزَنِيّ : وَذَلِكَ مِثْل قَوْل الشَّاعِر : يَقُول الْعَبْد فَائِدَتِي وَمَالِي وَتَقْوَى اللَّه أَفْضَل مَا اِسْتَفَادَا وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيم شِعْر فِيهِ هَجْو أَوْ فُحْش كَانَ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا



أَنْ تَأْجُرنِي ثَمَانِي حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْت عَشْرًا فَمِنْ عِنْدك وَمَا أُرِيد أَنْ أَشُقّ عَلَيْك سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الصَّالِحِينَ " جَرَى ذِكْر الْخِدْمَة مُطْلَقًا وَقَالَ مَالِك : إِنَّهُ جَائِز وَيُحْمَل عَلَى الْعُرْف , فَلَا يَحْتَاج فِي التَّسْمِيَة إِلَى الْخِدْمَة وَهُوَ ظَاهِر قِصَّة مُوسَى , فَإِنَّهُ ذَكَرَ إِجَارَة مُطْلَقَة وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : لَا يَجُوز حَتَّى يُسَمَّى لِأَنَّهُ مَجْهُول وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ : [ بَاب مَنْ اِسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الْأَجَل وَلَمْ يُبَيِّن لَهُ الْعَمَل ] لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " عَلَى أَنْ تَأْجُرنِي ثَمَانِي حِجَج " . قَالَ الْمُهَلَّب : لَيْسَ كَمَا تَرْجَمَ ; لِأَنَّ الْعَمَل عِنْدهمْ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ سَقْي وَحَرْث وَرَعْي وَمَا شَاكَلَ أَعْمَال الْبَادِيَة فِي مَهْنَة أَهْلهَا , فَهَذَا مُتَعَارَف وَإِنْ لَمْ يُبَيِّن لَهُ أَشْخَاص الْأَعْمَال وَلَا مَقَادِيرهَا ; مِثْل أَنْ يَقُول لَهُ : إِنَّك تَحْرُث كَذَا مِنْ السَّنَة , وَتَرْعَى كَذَا مِنْ السَّنَة , فَهَذَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَعْهُود مِنْ خِدْمَة الْبَادِيَة , وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَجُوز عِنْد الْجَمِيع أَنْ تَكُون الْمُدَّة مَجْهُولَة , وَالْعَمَل مَجْهُول غَيْر مَعْهُود لَا يَجُوز حَتَّى يُعْلَم قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ ذَكَرَ أَهْل التَّفْسِير أَنَّهُ عَيَّنَ لَهُ رِعْيَة الْغَنَم , وَلَمْ يُرْوَ مِنْ طَرِيق صَحِيحَة , وَلَكِنْ قَالُوا : إِنَّ صَالِح مَدْيَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَل إِلَّا رِعْيَة الْغَنَم , فَكَانَ مَا عُلِمَ مِنْ حَاله قَائِمًا مَقَام التَّعْيِين لِلْخِدْمَةِ فِيهِ

أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ جَائِز أَنْ يَسْتَأْجِر الرَّاعِي شُهُورًا مَعْلُومَة , بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَة , لِرِعَايَةِ غَنَم مَعْدُودَة ; فَإِنْ كَانَتْ مَعْدُودَة مُعَيَّنَة , فَفِيهَا تَفْصِيل لِعُلَمَائِنَا ; قَالَ اِبْن الْقَاسِم : لَا يَجُوز حَتَّى يَشْتَرِط الْخَلْف إِنْ مَاتَتْ , وَهِيَ رِوَايَة ضَعِيفَة جِدًّا ; وَقَدْ اِسْتَأْجَرَ صَالِح مَدْيَن مُوسَى عَلَى غَنَمه , وَقَدْ رَآهَا وَلَمْ يَشْتَرِط خَلْفًا ; وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَة غَيْر مُسَمَّاة وَلَا مُعَيَّنَة جَازَتْ عِنْد عُلَمَائِنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : لَا تَجُوز لِجَهَالَتِهَا ; وَعَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْعُرْف حَسْبَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا ; وَأَنَّهُ يُعْطَى بِقَدْرِ مَا تَحْتَمِل قُوَّته وَزَادَ بَعْض عُلَمَائِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوز حَتَّى يَعْلَم الْمُسْتَأْجِر قَدْر قُوَّته , وَهُوَ صَحِيح فَإِنَّ صَالِح مَدْيَن عَلِمَ قَدْر قُوَّة مُوسَى بِرَفْعِ الْحَجَر .

قَالَ مَالِك : وَلَيْسَ عَلَى الرَّاعِي ضَمَان وَهُوَ مُصَدَّق فِيمَا هَلَكَ أَوْ سُرِقَ , لِأَنَّهُ أَمِين كَالْوَكِيلِ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ : [ بَاب إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي أَوْ الْوَكِيل شَاة تَمُوت أَوْ شَيْئًا يَفْسُد فَأَصْلَحَ مَا يَخَاف الْفَسَاد ] وَسَاقَ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَم تَرْعَى بِسَلْعٍ , فَأَبْصَرَتْ جَارِيَة لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمنَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ , فَقَالَ لَهُمْ : لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَل النَّبِيّ أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَسْأَلهُ وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا ; قَالَ عَبْد اللَّه : فَيُعْجِبنِي أَنَّهَا أَمَة وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ قَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ مِنْ الْفِقْه تَصْدِيق الرَّاعِي وَالْوَكِيل فِيمَا ائْتُمِنَا عَلَيْهِ حَتَّى يَظْهَر عَلَيْهِمَا دَلِيل الْخِيَانَة وَالْكَذِب ; وَهَذَا قَوْل مَالِك وَجَمَاعَة وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : إِذَا خَافَ الْمَوْت عَلَى شَاة فَذَبَحَهَا لَمْ يَضْمَن وَيُصَدَّق إِذَا جَاءَ بِهَا مَذْبُوحَة وَقَالَ غَيْره : يَضْمَن حَتَّى يُبَيِّن مَا قَالَ

وَاخْتَلَفَ اِبْن الْقَاسِم وَأَشْهَب إِذَا أَنْزَى الرَّاعِي عَلَى إِنَاث الْمَاشِيَة بِغَيْرِ إِذْن أَرْبَابهَا فَهَلَكَتْ ; فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : لَا ضَمَان عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْإِنْزَاء مِنْ إِصْلَاح الْمَال وَنَمَائِهِ وَقَالَ أَشْهَب : عَلَيْهِ الضَّمَان ; وَقَوْل اِبْن الْقَاسِم أَشْبَه بِدَلِيلِ حَدِيث كَعْب , وَأَنَّهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِ , إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الصَّلَاح , وَمِمَّنْ يُعْلَم إِشْفَاقه عَلَى الْمَال ; وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْفُسُوق وَالْفَسَاد وَأَرَادَ صَاحِب الْمَال أَنْ يُضَمِّنهُ فَعَلَ ; لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّق أَنَّهُ رَأَى بِالشَّاةِ مَوْتًا لِمَا عُرِفَ مِنْ فِسْقه .

لَمْ يُنْقَل مَا كَانَتْ أُجْرَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ; وَلَكِنْ رَوَى يَحْيَى بْن سَلَّام أَنَّ صَالِح مَدْيَن جَعَلَ لِمُوسَى كُلّ سَخْلَة تُوضَع خِلَاف لَوْن أُمّهَا , فَأَوْحَى اللَّه إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاك بَيْنهنَّ يَلِدْنَ خِلَاف شَبَههنَّ كُلّهنَّ وَقَالَ غَيْر يَحْيَى : بَلْ جَعَلَ لَهُ كُلّ بَلْقَاء تُولَد لَهُ , فَوَلَدْنَ لَهُ كُلّهنَّ بُلْقًا وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيّ أَنَّ شُعَيْبًا لَمَّا اِسْتَأْجَرَ مُوسَى قَالَ لَهُ : اُدْخُلْ بَيْت كَذَا وَخُذْ عَصَا مِنْ الْعِصِيّ الَّتِي فِي الْبَيْت , فَأَخْرَجَ مُوسَى عَصًا , وَكَانَ أَخْرَجَهَا آدَم مِنْ الْجَنَّة , وَتَوَارَثَهَا الْأَنْبِيَاء حَتَّى صَارَتْ إِلَى شُعَيْب , فَأَمَرَهُ شُعَيْب أَنْ يُلْقِيهَا فِي الْبَيْت وَيَأْخُذ عَصًا أُخْرَى , فَدَخَلَ وَأَخْرَجَ تِلْكَ الْعَصَا ; وَكَذَلِكَ سَبْع مَرَّات كُلّ ذَلِكَ لَا تَقَع بِيَدِهِ غَيْر تِلْكَ , فَعَلِمَ شُعَيْب أَنَّ لَهُ شَأْنًا ; فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ : سُقْ الْأَغْنَام إِلَى مَفْرِق الطَّرِيق , فَخُذْ عَنْ يَمِينك وَلَيْسَ بِهَا عُشْب كَثِير , وَلَا تَأْخُذ عَنْ يَسَارك فَإِنَّ بِهَا عُشْبًا كَثِيرًا وَتِنِّينًا كَبِيرًا لَا يَقْبَل الْمَوَاشِي , فَسَاقَ الْمَوَاشِي إِلَى مَفْرِق الطَّرِيق , فَأَخَذَتْ نَحْو الْيَسَار وَلَمْ يَقْدِر عَلَى ضَبْطهَا , فَنَامَ مُوسَى وَخَرَجَ التِّنِّين , فَقَامَتْ الْعَصَا وَصَارَتْ شُعْبَتَاهَا حَدِيدًا وَحَارَبَتْ التِّنِّين حَتَّى قَتَلَتْهُ , وَعَادَتْ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , فَلَمَّا اِنْتَبَهَ مُوسَى رَأَى الْعَصَا مَخْضُوبَة بِالدَّمِ , وَالتِّنِّين مَقْتُولًا ; فَعَادَ إِلَى شُعَيْب عِشَاء , وَكَانَ شُعَيْب ضَرِيرًا فَمَسَّ الْأَغْنَام , فَإِذَا أَثَر الْخِصْب بَادٍ عَلَيْهَا , فَسَأَلَهُ عَنْ الْقِصَّة فَأَخْبَرَهُ بِهَا , فَفَرِحَ شُعَيْب وَقَالَ : كُلّ مَا تَلِد هَذِهِ الْمَوَاشِي هَذِهِ السَّنَة قَالِب لَوْن أَيْ ذَات لَوْنَيْنِ فَهُوَ لَك ; فَجَاءَتْ جَمِيع السِّخَال تِلْكَ السَّنَة ذَات لَوْنَيْنِ , فَعَلِمَ شُعَيْب أَنَّ لِمُوسَى عِنْد اللَّه مَكَانَة . وَرَوَى عُيَيْنَة بْن حِصْن أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَجَّرَ مُوسَى نَفْسه بِشِبَعِ بَطْنه وَعِفَّة فَرْجه ) فَقَالَ لَهُ شُعَيْب لَك مِنْهَا يَعْنِي مِنْ نِتَاج غَنَمه مَا جَاءَتْ بِهِ قَالِب لَوْن لَيْسَ فِيهَا عَزُوز وَلَا فَشُوش وَلَا كَمُوش وَلَا ضَبُوب وَلَا ثَعُول قَالَ الْهَرَوِيّ : الْعَزُوز الْبَكِيئَة ; مَأْخُوذ مِنْ الْعِزَاز وَهِيَ الْأَرْض الصُّلْبَة , وَقَدْ تَعَزَّزَتْ الشَّاة وَالْفَشُوش الَّتِي يَنْفَش لَبَنهَا مِنْ غَيْر حَلْب وَذَلِكَ لِسِعَةِ الْإِحْلِيل , وَمِثْله الْفَتُوح وَالثَّرُور وَمِنْ أَمْثَالهمْ : لَأَفُشَّنَّكَ فَشّ الْوَطْبِ أَيْ لَأُخْرِجَنَّ غَضَبك وَكِبْرك مِنْ رَأْسك وَيُقَال : فَشَّ السِّقَاء إِذَا أَخْرَجَ مِنْهُ الرِّيح وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( إِنَّ الشَّيْطَان يَفُشّ بَيْن أَلْيَتَيْ أَحَدكُمْ حَتَّى يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ ) أَيْ يَنْفُخ نَفْخًا ضَعِيفًا وَالْكَمُوش : الصَّغِيرَة الضَّرْع , وَهِيَ الْكَمِيشَة أَيْضًا ; سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِانْكِمَاشِ ضَرْعهَا وَهُوَ تُقَلِّصهُ ; وَمِنْهُ يُقَال : رَجُل كَمِيش الْإِزَار وَالْكَشُود مِثْل الْكَمُوش وَالضَّبُوب الضَّيِّقَة ثُقْب الْإِحْلِيل وَالضَّبّ الْحَلْب بِشِدَّةِ الْعَصْر وَالثَّعُول الشَّاة الَّتِي لَهَا زِيَادَة حَلَمَة وَهِيَ الثَّعْل وَالثَّعْل زِيَادَة السِّنّ , وَتِلْكَ الزِّيَادَة هِيَ الرَّاءُول وَرَجُل أَثْعَل وَالثَّعْل ضِيق مَخْرَج اللَّبَن قَالَ الْهَرَوِيّ : وَتَفْسِير قَالِب لَوْن فِي الْحَدِيث أَنَّهَا جَاءَتْ عَلَى غَيْر أَلْوَان أُمَّهَاتهَا

الْإِجَارَة بِالْعِوَضِ الْمَجْهُول لَا تَجُوز ; فَإِنَّ وِلَادَة الْغَنَم غَيْر مَعْلُومَة , وَإِنَّ مِنْ الْبِلَاد الْخِصْبَة مَا يُعْلَم وِلَاد الْغَنَم فِيهَا قَطْعًا وَعِدَّتهَا وَسَلَامَة سِخَالهَا كَدِيَارِ مِصْر وَغَيْرهَا , بَيْد أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوز فِي شَرَعْنَا ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْغَرَر , وَنَهَى عَنْ الْمَضَامِين وَالْمَلَاقِيح وَالْمَضَامِين مَا فِي بُطُون الْإِنَاث , وَالْمَلَاقِيح مَا فِي أَصْلَاب الْفُحُول وَعَلَى خِلَاف ذَلِكَ قَالَ الشَّاعِر : مَلْقُوحَة فِي بَطْن نَاب حَامِل وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة [ الْحِجْر ] بَيَانه عَلَى أَنَّ رَاشِد بْن مَعْمَر أَجَازَ الْإِجَارَة عَلَى الْغَنَم بِالثُّلُثِ وَالرُّبْع وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ وَعَطَاء : يَنْسِج الثَّوْب بِنَصِيبٍ مِنْهُ ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد

الْكَفَاءَة فِي النِّكَاح مُعْتَبَرَة ; وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ فِي الدِّين وَالْمَال وَالْحَسَب , أَوْ فِي بَعْض ذَلِكَ وَالصَّحِيح جَوَاز نِكَاح الْمَوَالِي لِلْعَرَبِيَّاتِ وَالْفَرْشِيَّات ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ " [ الْحُجُرَات : 13 ] وَقَدْ جَاءَ مُوسَى إِلَى صَالِح مَدْيَن غَرِيبًا طَرِيدًا خَائِفًا وَحِيدَا جَائِعًا عُرْيَانًا فَأَنْكَحَهُ اِبْنَته لَمَّا تَحَقَّقَ مِنْ دِينه وَرَأَى مِنْ حَاله , وَأَعْرَضَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة مُسْتَوْعَبَة وَالْحَمْد لِلَّهِ

قَالَ بَعْضهمْ : هَذَا الَّذِي جَرَى مِنْ شُعَيْب لَمْ يَكُنْ ذِكْرًا لِصَدَاقِ الْمَرْأَة , وَإِنَّمَا كَانَ اِشْتِرَاطًا لِنَفْسِهِ عَلَى مَا يَفْعَلهُ الْأَعْرَاب ; فَإِنَّهَا تَشْتَرِط صَدَاق بَنَاتهَا , وَتَقُول لِي كَذَا فِي خَاصَّة نَفْسِي , وَتَرَكَ الْمَهْر مُفَوِّضًا ; وَنِكَاح التَّفْوِيض جَائِز قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذَا الَّذِي تَفْعَلهُ الْأَعْرَاب هُوَ حُلْوَان وَزِيَادَة عَلَى الْمَهْر , وَهُوَ حَرَام لَا يَلِيق بِالْأَنْبِيَاءِ ; فَأَمَّا إِذَا اِشْتَرَطَ الْوَلِيّ شَيْئًا لِنَفْسِهِ , فَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا يُخْرِجهُ الزَّوْج مِنْ يَده وَلَا يَدْخُل فِي يَد الْمَرْأَة عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ جَائِز وَالْآخَر : لَا يَجُوز وَاَلَّذِي يَصِحّ عِنْدِي التَّقْسِيم ; فَإِنَّ الْمَرْأَة لَا تَخْلُو أَنْ تَكُون بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ; فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا جَازَ ; لِأَنَّ نِكَاحهَا بِيَدِهَا , وَإِنَّمَا يَكُون لِلْوَلِيِّ مُبَاشَرَة الْعَقْد , وَلَا يَمْتَنِع أَخْذ الْعِوَض عَلَيْهِ كَمَا يَأْخُذهُ الْوَكِيل عَلَى عَقْد الْبَيْع , وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا كَانَ الْعَقْد بِيَدِهِ , وَكَأَنَّهُ عِوَض فِي النِّكَاح لِغَيْرِ الزَّوْج وَذَلِكَ بَاطِل ; فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَ قَبْل الْبِنَاء , وَثَبَتَ بَعْده عَلَى مَشْهُور الرِّوَايَة وَالْحَمْد اللَّه

لَمَّا ذَكَرَ الشَّرْط وَأَعْقَبَهُ بِالطَّوْعِ فِي الْعَشْر خَرَجَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى حُكْمه , وَلَمْ يَلْحَق الْآخَر بِالْأَوَّلِ , وَلَا اِشْتَرَكَ الْفَرْض وَالطَّوْع ; وَلِذَلِكَ يُكْتَب فِي الْعُقُود الشُّرُوط الْمُتَّفَق عَلَيْهَا , ثُمَّ يُقَال وَتَطَوَّعَ بِكَذَا , فَيَجْرِي الشَّرْط عَلَى سَبِيله , وَالطَّوْع عَلَى حُكْمه , وَانْفَصَلَ الْوَاجِب مِنْ التَّطَوُّع وَقِيلَ : وَمِنْ لَفْظ شُعَيْب حَسَن فِي لَفْظ الْعُقُود فِي النِّكَاح أَنْكَحَهُ إِيَّاهَا أَوْلَى مِنْ أَنْكَحَهَا إِيَّاهُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي [ الْأَحْزَاب ] وَجَعَلَ شُعَيْب الثَّمَانِيَة الْأَعْوَام شَرْطًا , وَوَكَّلَ الْعَاشِرَة إِلَى الْمُرُوءَة
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الورقات في أصول الفقه

    شرح الورقات للجويني : متن مختصر جداً في أصول الفقه، تكلم فيه المؤلف - رحمه الله - على خمسة عشر باباً من أبوابه وهي: أقسام الكلام، الأمر، النهي، العام والخاص، المجمل والمبين، الظاهر والمؤول، الأفعال، الناسخ والمنسوخ، الإجماع، الأخبار، القياس، الحظر والإباحة، ترتيب الأدلة، المفتي، أحكام المجتهدين. - وقد لقي عناية فائقة من العلماء ما بين شرح وحاشية ونظم، ومن هذه الشروح شرح فضيلة الشيخ عبد الله الفوزان - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2088

    التحميل:

  • الروض المربع شرح زاد المستقنع

    الروض المربع : يحتوي على شرح المتن الحنبلي المشهور زاد المستقنع لأبي النجا موسى الحجاوي.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141396

    التحميل:

  • حدث غيَّر مجرى التاريخ [ غزوة بدر ]

    حدث غيَّر مجرى التاريخ: هذا الكتاب تناول غزوة بدر الكبرى بحثًا ودراسةً تحليليةً، من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وما ورد في ذلك في كتب السيرة المشهورة؛ كسيرة ابن هشام، ومغازي الواقدي، وغيرهما.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332991

    التحميل:

  • الاستقامة

    الاستقامة : موضوع الكتاب - إجمالاً - هو الردّ على المتصوفة، ومناقشة جملة من الأقوال والآراء الواردة في الرسالة القشيرية، فقد بسط المؤلف - رحمه الله - الردّ على أهل التصوف في عدة فصول كالسماع، والجمال، والغيرة، والسكر. وأما ما يتعلق بفصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيه ردّ على المتصوفة أيضاً، إذا غلب عليهم الاحتجاج بالقدر، والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما بسطه المؤلف في غير موضع. ومع ذلك كله فلا يخلو كتاب الاستقامة من أجوبة وردود على المتكلمين في أكثر من مسألة، كالردّ على دعواهم أن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول الدين، ونقض قولهم: إن علم الفقه من باب الظنون، وإن علم الكلام من القطعيات. ويحوي كتاب الاستقامة مسائل مهمة وقواعد نافعة في الردّ على المتصوفة، نذكر منها ما يلي: - أن أكابر مشايخ الصوفية على طريقة أهل السنة والجماعة، فليسوا كلاّبية أو أشاعرة كما ظنه القشيري في رسالته، وهذا مبسوط بيّن في كتاب "التعرّف لمذاهب التصوّف" للكلاباذي، وابن خفيف في كتابه " اعتقاد التوحيد". - أن الأقوال والآثار التي يحتجون بها على بدعهم كالسماع المحدث ونحوه، فهي آثار لا تصح نسبتها إلى قائليها، ولو صحت فهي عن غير معصوم. - أن من شهد السماع المحدث متأوّلاً، فلا يلحقه الإثم بذلك التأوّل، لكن ذلك لا يمنع بيان فساد مذهبه، والتحذير من زلته، والنهي عن التأسي به في ذلك. - الاعراض عن السماع المشروع هو الذي يوقع في السماع الممنوع، فمن أعرض عن سماع ما ينفعه من القرآن والسنة، اشتغل بما يضره من السماعات المحدثة. - بيّن المؤلفُ أصل غلط هؤلاء الصوفية، إذ أنهم يجعلون الخاص عاماًّ، فيجيئون إلى ألفاظ في الكتاب والسنة حمدت أو أباحت نوعاً من السماع، فيدرجون فيه سماع المكاء والتصدية. - قرر المؤلف أن الحبّ والبغض هما أصل الأمر والنهي، خلافاً لأرباب التصوف المتبعين لأذواقهم في محبة الصور الجميلة. - كشف المؤلفُ المثالية الجامحة عند المتصوفة، بسبب إعراضهم عن الاتباع، وبين كثرة انفساخ عزائم الصوفية. - فصّل المؤلف معنى السكر والفناء، وبيّن أن عدم العقل والفقه لا يحمد بحال في الشرع خلافاً للصوفية.

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272830

    التحميل:

  • إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين

    إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين: رسالةلطيفة عبارة عن ثلاث رسائل مجموعة: الأولى: في حكم الاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. والثانية: في حكم الاستغاثة بالجن والشياطين والنذر لهم. والثالثة: في حكم التعبد بالأوراد البدعية والشركية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2130

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة