Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة القصص - الآية 17

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17) (القصص) mp3
بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " فِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى " قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ " أَيْ مِنْ الْمَعْرِفَة وَالْحُكْم وَالتَّوْحِيد " فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " أَيْ عَوْنًا لِلْكَافِرِينَ قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَلَمْ يَقُلْ بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ مِنْ الْمَغْفِرَة ; لِأَنَّ هَذَا قَبْل الْوَحْي , وَمَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ اللَّه غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ الْقَتْل وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : " بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ " فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : مِنْ الْمَغْفِرَة ; وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْمَهْدَوِيّ وَالثَّعْلَبِيّ قَالَ الْمَهْدَوِيّ : " بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ " مِنْ الْمَغْفِرَة فَلَمْ تُعَاقِبنِي الْوَجْه الثَّانِي : مِنْ الْهِدَايَة

وَقِيلَ بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ مِنْ الْهِدَايَة

قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ قَوْله تَعَالَى : " بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ " يَجُوز أَنْ يَكُون قَسَمًا جَوَابه مَحْذُوف تَقْدِيره ; أُقْسِم بِإِنْعَامِك عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ لَأَتُوبَنَّ " فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وَأَنْ يَكُون اِسْتِعْطَافًا كَأَنَّهُ قَالَ : رَبّ اِعْصِمْنِي بِحَقِّ مَا أَنْعَمْت عَلَيَّ مِنْ الْمَغْفِرَة فَلَنْ أَكُون إِنْ عَصَمْتنِي ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ وَأَرَادَ بِمُظَاهَرَةِ الْمُجْرِمِينَ إِمَّا صُحْبَة فِرْعَوْن وَانْتِظَامه فِي جُمْلَته , وَتَكْثِير سَوَاده , حَيْثُ كَانَ يَرْكَب بِرُكُوبِهِ كَالْوَلَدِ مَعَ الْوَالِد , وَكَانَ يُسَمَّى اِبْن فِرْعَوْن ; وَإِمَّا بِمُظَاهَرَةِ مَنْ أَدَّتْ مُظَاهَرَته إِلَى الْجُرْم وَالْإِثْم , كَمُظَاهَرَةِ الْإِسْرَائِيلِيّ الْمُؤَدِّيَة إِلَى الْقَتْل الَّذِي لَمْ يَحِلّ لَهُ قَتْله وَقِيلَ : أَرَادَ إِنِّي وَإِنْ أَسَأْت فِي هَذَا الْقَتْل الَّذِي لَمْ أُومَرْ بِهِ فَلَا أَتْرُك نُصْرَة الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُجْرِمِينَ , فَعَلَى هَذَا كَانَ الْإِسْرَائِيلِيّ مُؤْمِنًا وَنُصْرَة الْمُؤْمِن وَاجِبه فِي جَمِيع الشَّرَائِع وَقِيلَ فِي بَعْض الرِّوَايَات : إِنَّ ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيّ كَانَ كَافِرًا وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ إِنَّهُ مِنْ شِيعَته لِأَنَّهُ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا وَلَمْ يُرِدْ الْمُوَافَقَة فِي الدِّين , فَعَلَى هَذَا نَدِمَ لِأَنَّهُ أَعَانَ كَافِر عَلَى كَافِر , فَقَالَ : لَا أَكُون بَعْدهَا ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ وَقِيلَ : لَيْسَ هَذَا خَبَرًا بَلْ هُوَ دُعَاء ; أَيْ فَلَا أَكُون بَعْد هَذَا ظَهِيرًا أَيْ فَلَا تَجْعَلنِي يَا رَبّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمَعْنَى ; اللَّهُمَّ فَلَنْ أَكُون بَعْد ظَهِير لِلْمُجْرِمِينَ , وَزَعَمَ أَنَّ قَوْله هَذَا هُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّحَّاس : وَأَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْخَبَر أَوْلَى وَأَشْبَه بِنَسَقِ الْكَلَام كَمَا يُقَال : لَا أَعْصِيك لِأَنَّك أَنْعَمْت عَلَيَّ ; وَهَذَا قَوْل اِبْن عَبَّاس عَلَى الْحَقِيقَة لَا مَا حَكَاهُ الْفَرَّاء , لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمْ يَسْتَثْنِ فَابْتُلِيَ مِنْ ثَانِي يَوْم ; وَالِاسْتِثْنَاء لَا يَكُون فِي الدُّعَاء لَا يُقَال : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْت ; وَأَعْجَب الْأَشْيَاء أَنَّ الْفَرَّاء رَوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس هَذَا ثُمَّ حَكَى عَنْهُ قَوْله

قُلْت : قَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُلَخَّصًا مُبَيَّنًا فِي سُورَة [ النَّمْل ] وَأَنَّهُ خَبَر لَا دُعَاء وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : لَمْ يَسْتَثْنِ فَابْتُلِيَ بِهِ مَرَّة أُخْرَى ; يَعْنِي لَمْ يَقُلْ فَلَنْ أَكُون إِنْ شَاءَ اللَّه وَهَذَا نَحْو قَوْله : " وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا " [ هُود : 113 ]

الثَّانِيَة قَالَ سَلَمَة بْن نُبَيْط : بَعَثَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُسْلِم إِلَى الضَّحَّاك بِعَطَاءِ أَهْل بُخَارَى وَقَالَ : أَعْطِهِمْ ; فَقَالَ : اُعْفُنِي ; فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَعْفِيه حَتَّى أَعْفَاهُ فَقِيلَ لَهُ مَا عَلَيْك أَنْ تُعْطِيهِمْ وَأَنْتَ لَا تَرْزَؤُهُمْ شَيْئًا ؟ وَقَالَ : لَا أُحِبّ أَنْ أُعِين الظُّلْمَة عَلَى شَيْء مِنْ أَمْرهمْ وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن الْوَلِيد الْوَصَّافِيّ قُلْت لِعَطَاءِ بْن أَبِي رَبَاح : إِنَّ لِي أَخًا يَأْخُذ بِقَلَمِهِ , وَإِنَّمَا يَحْسِب مَا يَدْخُل وَيَخْرُج , وَلَهُ عِيَال وَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لَاحْتَاجَ وَادَّانَ ؟ فَقَالَ : مَنْ الرَّأْس ؟ قُلْت : خَالِد بْن عَبْد اللَّه الْقَسْرِيّ , قَالَ : أَمَا تَقْرَأ مَا قَالَ الْعَبْد الصَّالِح : " رَبّ بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ فَلَنْ أَكُون ظَهِير لِلْمُجْرِمِينَ " قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَلَمْ يَسْتَثْنِ فَابْتُلِيَ بِهِ ثَانِيَة فَأَعَانَهُ اللَّه , فَلَا يُعِينهُمْ أَخُوك فَإِنَّ اللَّه يُعِينهُ قَالَ عَطَاء : فَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يُعِين ظَالِمًا وَلَا يَكْتُب لَهُ وَلَا يَصْحَبهُ , وَأَنَّهُ إِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ مُعِينًا لِلظَّالِمِينَ وَفِي الْحَدِيث : ( يُنَادِي مُنَادٍ يَوْم الْقِيَامَة أَيْنَ الظَّلَمَة وَأَشْبَاه الظَّلَمَة وَأَعْوَان الظَّلَمَة حَتَّى مَنْ لَاقَ لَهُمْ دَوَاة أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَمًا فَيُجْمَعُونَ فِي تَابُوت مِنْ حَدِيد فَيُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّم ) وَيَرْوِي عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ مَشَى مَعَ مَظْلُوم لِيُعِينَهُ عَلَى مَظْلِمَته ثَبَّتَ اللَّه قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاط يَوْم الْقِيَام يَوْم تَزِلّ فِيهِ الْأَقْدَام وَمَنْ مَشَى مَعَ ظَالِم لِيُعِينَهُ عَلَى ظُلْمه أَزَلَّ اللَّه قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاط يَوْم تُدْحَض فِيهِ الْأَقْدَام ) وَفِي الْحَدِيث : ( مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِم فَقَدْ أَجْرَمَ ) فَالْمَشْي مَعَ الظَّالِم لَا يَكُون جُرْمًا إِلَّا إِذَا مَشَى مَعَهُ لِيُعِينَهُ , وَلِأَنَّهُ اِرْتَكَبَ نَهْي اللَّه تَعَالَى فِي قَوْل سُبْحَانه وَتَعَالَى : " وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْم وَالْعُدْوَان " [ الْمَائِدَة : 2 ]
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • خصائص جزيرة العرب

    خصائص جزيرة العرب : كتاب في 108 صفحة ألفه الشيخ لبيان أصل من أصول الملة عن الدار الأولى لظهور الإسلام جزيرة العرب في حدودها وخصائصها في الإسلام والضمانات الحافظة لها. على سبيل الإيجاز لغرس هذه النعمة في أفئدة أبناء هذه الجزيرة حمية لله ودينه وشرعه ليس إلا. وقد جعله في خمسة فصول: الأول: المؤلفات عن جزيرة العرب. الثاني: أسمائها وأقاليمها. الثالث: حدودها. الرابع: خصائصها. الخامس: الضمانات لحماية هذه الخصائص وهي عشرون ضمانة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172261

    التحميل:

  • فتاوى ومسائل

    هذا الملف يحتوي على مجموعة من مسائل وفتاوى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264160

    التحميل:

  • تجربة المقرأة القرآنية الثانية في تعليم القرآن الكريم

    هذا كتاب يُعَرِّف بتجربة "المقرأة الثانية" في تعليم القرآن الكريم بمدينة جدة، والتي تُعنى بتحفيظ القرآن الكريم لكبار السن المجيدين للقراءة، وتهدف إلى تخريج حفظة يسمّعون القرآن كاملاً من أوله إلى آخره في يوم واحد دون تحضير، ودون خطأ - إلا نادرًا – مع العمل به والاستقامة على الدين بأقصى الاستطاعة وذلك بتطبيق منهج متدرج مبتكر يجمع بين حفظ القرآن و تعاهده والتربية على ما يهدي إليه. ورغبة في تعميم الاستفادة من هذه التجربة قام صاحبها فضيلة الشيخ موسى بن درويش الجاروشة بتسجيلها في هذا الكتاب، وقد ذكر فيه بداية فكرة المقرأة ومراحل تطورها، ومنهجها في تسجيل الطلاب وفي الحفظ والمراجعة، كما ذكر أسس المقرأة وضوابطها، ومنهجها في التغلب على الصعوبات التي تواجه من يريد حفظ القرآن بإتقان، وهو عبارة عن الاستعانة بالله تبارك وتعالى والصدق والإتيان بنوافل العبادات والإكثار من ذكر الله والدعاء والرقية وإفشاء السلام وسائر أعمال البر. ثم ختم الكتاب بإبراز صدى المقرأة بذكر أثرها في المنتسبين إليها وغرائب مما وقع فيها وثناء أهل العلم عليها، وقد أردف ذلك بإحصائيات وخاتمة وصور لبعض مرافق المقرأة.

    الناشر: معهد الإمام الشاطبي http://www.shatiby.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385699

    التحميل:

  • التحفة العراقية في الأعمال القلبية

    التحفة العراقية في الأعمال القلبية: كلمات مختصرات في أعمال القلوب وأنها من أصول الإيمان وقواعد الدين؛ مثل محبة الله ورسوله، والتوكل على الله، وإخلاص الدين له، والشكر له، والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له، وما يتبع ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1905

    التحميل:

  • مناظرة بين الإسلام والنصرانية

    مناظرة بين الإسلام والنصرانية : هذا الكتاب عبارة عن نص مكتوب لمناظرة أجريت بين نخبة من علماء المسلمين بدعوة من بعض قساوسة نصارى ومبشرين في الفترة من 23/1/1401هـ إلى 29/1/1401هـ، الموافق 1/12/1980م إلى 7/12/1980م بالخرطوم، وقاموا من خلالها باستعراض تفصيلي لحقيقة العقيدة النصرانية المسطرة في كتبهم ومناقشتها على ضوء ما يقرون به من معتقدات التثليث والصلب والفداء والأبوة والبنوة وعن الكتب المقدسة بعهديها القديم والجديد وأماطوا اللثام عن هذا التعارض والتناقض الذي تحمله هذه الأناجيل.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/73737

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة