Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النمل - الآية 62

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62) (النمل) mp3
قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ ذُو الضَّرُورَة الْمَجْهُود . وَقَالَ السُّدِّيّ : الَّذِي لَا حَوْل لَهُ وَلَا قُوَّة . وَقَالَ ذُو النُّون : هُوَ الَّذِي قَطَعَ الْعَلَائِق عَمَّا دُون اللَّه . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر وَأَبُو عُثْمَان النَّيْسَابُورِيّ : هُوَ الْمُفْلِس . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : هُوَ الَّذِي إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى اللَّه دَاعِيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَسِيلَة مِنْ طَاعَة قَدَّمَهَا . وَجَاءَ رَجُل إِلَى مَالِك بْن دِينَار فَقَالَ : أَنَا أَسْأَلك بِاَللَّهِ أَنْ تَدْعُو لِي فَأَنَا مُضْطَرّ ; قَالَ : إِذًا فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ يُجِيب الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ . قَالَ الشَّاعِر : وَإِنِّي لَأَدْعُو اللَّه وَالْأَمْر ضَيِّق عَلَيَّ فَمَا يَنْفِك أَنْ يَتَفَرَّجَا وَرُبَّ أَخٍ سُدَّتْ عَلَيْهِ وُجُوهه أَصَابَ لَهَا لَمَّا دَعَا اللَّه مَخْرَجَا

وَفِي مُسْنَد أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَاء الْمُضْطَرّ : ( اللَّهُمَّ رَحْمَتك أَرْجُو فَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَة عَيْن وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلّه لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ ) .

ضَمِنَ اللَّه تَعَالَى إِجَابَة الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ , وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسه ; وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ الضَّرُورَة إِلَيْهِ بِاللِّجَاءِ يَنْشَأ عَنْ الْإِخْلَاص , وَقَطْع الْقَلْب عَمَّا سِوَاهُ ; وَلِلْإِخْلَاصِ عِنْده سُبْحَانه مَوْقِع وَذِمَّة , وُجِدَ مِنْ مُؤْمِن أَوْ كَافِر , طَائِع أَوْ فَاجِر ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيح عَاصِف وَجَاءَهُمْ الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين لَئِنْ أَنْجَيْتنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ " [ يُونُس : 22 ] وَقَوْله : " فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ " [ الْعَنْكَبُوت : 65 ] فَأَجَابَهُمْ عِنْد ضَرُورَتهمْ وَوُقُوع إِخْلَاصهمْ , مَعَ عِلْمه أَنَّهُمْ يَعُودُونَ إِلَى شِرْكهمْ وَكُفْرهمْ . وَقَالَ تَعَالَى : " فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْك دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " فَيُجِيب الْمُضْطَرّ لِمَوْضِعِ اِضْطِرَاره وَإِخْلَاصه . وَفِي الْحَدِيث : ( ثَلَاث دَعَوَات مُسْتَجَابَات لَا شَكّ فِيهِنَّ دَعْوَة الْمَظْلُوم وَدَعْوَة الْمُسَافِر وَدَعْوَة الْوَالِد عَلَى وَلَده ) ذَكَرَهُ صَاحِب الشِّهَاب ; وَهُوَ حَدِيث صَحِيح . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى أَرْض الْيَمَن ( وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم فَلَيْسَ بَيْنهَا وَبَيْن اللَّه حِجَاب ) وَفِي كِتَاب الشِّهَاب : ( اِتَّقُوا دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهَا تُحْمَل عَلَى الْغَمَام فَيَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْد حِين ) وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا . وَخَرَّجَ الْآجُرِّيّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنِّي لَا أَرُدّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ فَم كَافِر ) فَيُجِيب الْمَظْلُوم لِمَوْضِعِ إِخْلَاصه بِضَرُورَتِهِ بِمُقْتَضَى كَرَمه , وَإِجَابَة لِإِخْلَاصِهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا , وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فَاجِرًا فِي دِينه ; فَفُجُور الْفَاجِر وَكُفْر الْكَافِر لَا يَعُود مِنْهُ نَقْص وَلَا وَهَن عَلَى مَمْلَكَة سَيِّده , فَلَا يَمْنَعهُ مَا قَضَى لِلْمُضْطَرِّ مِنْ إِجَابَته . وَفَسَّرَ إِجَابَة دَعْوَة الْمَظْلُوم بِالنُّصْرَةِ عَلَى ظَالِمه بِمَا شَاءَ سُبْحَانه مِنْ قَهْر لَهُ , أَوْ اِقْتِصَاص مِنْهُ , أَوْ تَسْلِيط ظَالِم آخَر عَلَيْهِ يَقْهَرهُ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْض الظَّالِمِينَ بَعْضًا " [ الْأَنْعَام : 129 ] وَأَكَّدَ سُرْعَة إِجَابَتهَا بِقَوْلِهِ : ( تُحْمَل عَلَى الْغَمَام ) وَمَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُوَكِّل مَلَائِكَته بِتَلَقِّي دَعْوَة الْمَظْلُوم وَبِحَمْلِهَا عَلَى الْغَمَام , فَيَعْرُجُوا بِهَا إِلَى السَّمَاء , وَالسَّمَاء قِبْلَة الدُّعَاء لِيَرَاهَا الْمَلَائِكَة كُلّهمْ , فَيَظْهَر مِنْهُ مُعَاوَنَة الْمَظْلُوم , وَشَفَاعَة مِنْهُمْ لَهُ فِي إِجَابَة دَعَوْته , رَحْمَة لَهُ . وَفِي هَذَا تَحْذِير مِنْ الظُّلْم جُمْلَة , لِمَا فِيهِ مِنْ سَخَط اللَّه وَمَعْصِيَته وَمُخَالَفَة أَمْره ; حَيْثُ قَالَ عَلَى لِسَان نَبِيّه فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره : ( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْت الظُّلْم عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا . .. ) الْحَدِيث . فَالْمَظْلُوم مُضْطَرّ , وَيَقْرُب مِنْهُ الْمُسَافِر ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِع عَنْ الْأَهْل وَالْوَطَن مُنْفَرِد عَنْ الصَّدِيق وَالْحَمِيم , لَا يَسْكُن قَلْبه إِلَى مُسْعِد وَلَا مُعِين لِغُرْبَتِهِ . فَتَصْدُق ضَرُورَته إِلَى الْمَوْلَى , فَيُخْلِص إِلَيْهِ فِي اللِّجَاء , وَهُوَ الْمُجِيب لِلْمُضْطَرِّ إِذَا دَعَاهُ , وَكَذَلِكَ دَعْوَة الْوَالِد عَلَى وَلَده , لَا تَصْدُر مِنْهُ مَعَ مَا يَعْلَم مِنْ حَنَّته عَلَيْهِ وَشَفَقَته , إِلَّا عِنْد تَكَامُل عَجْزه عَنْهُ , وَصِدْق ضَرُورَته ; وَإِيَاسه عَنْ بِرّ وَلَده , مَعَ وُجُود أَذِيَّته , فَيُسْرِع الْحَقّ إِلَى إِجَابَته .

السُّوء " أَيْ الضُّرّ . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : الْجَوْر .

أَيْ سُكَّانهَا يُهْلِك قَوْمًا وَيُنْشِئ آخَرِينَ . وَفِي كِتَاب النَّقَّاش : أَيْ وَيَجْعَل أَوْلَادكُمْ خَلَفًا مِنْكُمْ . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : خَلَفًا مِنْ الْكُفَّار يَنْزِلُونَ أَرْضهمْ , وَطَاعَة اللَّه بَعْد كُفْرهمْ .

أَإِلَه مَعَ اللَّه " عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ ; كَأَنَّهُ قَالَ أَمَعَ اللَّه وَيْلكُمْ إِلَه ; فَ " إِلَه " مَرْفُوع بِ " مَعَ " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَرْفُوعًا بِإِضْمَارِ أَإِلَه مَعَ اللَّه يَفْعَل ذَلِكَ فَتَعْبُدُوهُ . وَالْوَقْف عَلَى " مَعَ اللَّه " حَسَن .

قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَهِشَام وَيَعْقُوب : " يَذَّكَّرُونَ " بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر , كَقَوْلِهِ : " بَلْ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 24 ] وَ " تَعَالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ " فَأَخْبَرَ فِيمَا قَبْلهَا وَبَعْدهَا ; وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم . الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ خِطَابًا لِقَوْلِهِ : " وَيَجْعَلكُمْ خُلَفَاء الْأَرْض " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها

    يشتمل هذا الكتاب على:- * العـقيدة: تعريفها، ومفهومها الصحيح، وأهل السنة والجماعة وتعريفهم. * عـقيدة التوحيد - على الخصوص - التي هي دين الرسل والغاية من خلق الجن والإنس، وأن توحيد العبادة ( الألوهية ) هو الغاية الأولى، والقضية الكبرى بين الرسل والمصلحين وخصومهم، وعن تاريخ عقيدة التوحيد هذه، ومنزلتها في الرسالات عموماً، ورسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - على الخصوص. * مصادر العـقيدة عند أهل السنة، وخصائصها وسماتها. * موجز لاعتقاد أهل السنة والجماعة، وحقيقة انتماء الفِرَق إليه، ومستلزمات دعوى الانتساب لأهل السنة والجماعة، وحقيقة هذه الدعوى عند الأشاعرة - بخاصة - مع محاولة الدلالة على أهل السنة من خلال صفاتهم الشرعية في المسلمين اليوم. * عرض نقدي عام لمواقف ظهرت عن بعض الدعاة والدعوات والحركات الإصلاحية - القائمة اليوم - التي تحمل شعار الإسلام; تجاه عقيدة أهل السنة والجماعة، علماً وعملاً وقولاً واعتقاداً، مع بيان الآثار المترتبة على مجانبة عقيدة السلف، أو التساهل فيها أو الجهل بها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2474

    التحميل:

  • شرح القواعد الأربع [ الفوزان ]

    القواعد الأربع: رسالة مختصرة كتبها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وقد اشتملت على تقرير ومعرفة قواعد التوحيد، وقواعد الشرك، ومسألة الحكم على أهل الشرك، والشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة، وقد شرحها العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله تعالى -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2403

    التحميل:

  • أولئك مبرؤون

    أولئك مبرؤون: بحث تأصيلي في نقض الشبهات المثارة حول بعض الصحابة.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260221

    التحميل:

  • المنتقى من منهاج الإعتدال في نقض كلام أهل الرفض والإعتزال [ مختصر منهاج السنة ]

    المنتقى من منهاج الإعتدال في نقض كلام أهل الرفض والإعتزال [ مختصر منهاج السنة ] : هذا الكتاب - منهاج السنة النبوية في نقض دعاوى الرافضة والقدرية - من أعظم كتب الإمام المجاهد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - رحمه الله -، قد رد فيه على شبه الرافضة، وبين فيه بطلان مذهبهم، وشباب الاسلام اليوم بأمس الحاجة إلى قراءة هذا الكتاب، ومعرفة محتواه؛ حيث أطل الرفض على كل بلد من بلاد الإسلام، وغيرها بوجهه الكريه، وكشر عن أنيابه الكالحة، وألقى حبائله أمام من لا يعرف حقيقته، مظهرا غير مبطن ديدن كل منافق مفسد ختال؛ فاغتر به من يجهل حقيقته، ممن لم يقرأ مثل هذا الكتاب، وفي هذه الصفحة اختصار لهذا الكتاب النفيس، اختصره الحافظ الذهبي - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: محب الدين الخطيب

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/263788

    التحميل:

  • التعبد بالأسماء والصفات [ لمحات علمية إيمانية ]

    التعبد بالأسماء والصفات : بيان أهمية التعبد بالأسماء والصفات، وأركان التعبد بالأسماء والصفات، ومراتب التعبد بالأسماء والصفات، وطرق الوصول إلى التعبد بالأسماء والصفات، ثم بيان آثار التعبد بالأسماء والصفات، ثم ذر مثال تطبيقي للتعبد بالأسماء والصفات، وهو التعبد باسم الله ( الرحمن ).

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166797

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة