Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النمل - الآية 35

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) (النمل) mp3
إِلَيْهِمْ بِهَدِيةٍ " هَذَا مِنْ حُسْن نَظَرهَا وَتَدْبِيرهَا ; أَيْ إِنِّي أُجَرِّب هَذَا الرَّجُل بِهَدِيَّةٍ , وَأُعْطِيه فِيهَا نَفَائِس مِنْ الْأَمْوَال , وَأُغْرِب عَلَيْهِ بِأُمُورِ الْمَمْلَكَة : فَإِنْ كَانَ مَلِكًا دُنْيَاوِيًّا أَرْضَاهُ الْمَال وَعَمِلْنَا مَعَهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهِ الْمَال وَلَازَمْنَا فِي أَمْر الدِّين , فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُؤْمِن بِهِ وَنَتَّبِعهُ عَلَى دِينه , فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَة أَكْثَرَ النَّاس فِي تَفْصِيلهَا , فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِلَبِنَةٍ مِنْ ذَهَب , فَرَأَتْ الرُّسُل الْحِيطَان مِنْ ذَهَب فَصَغُرَ عِنْدهمْ مَا جَاءُوا بِهِ . وَقَالَ مُجَاهِد : أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِمِائَتَيْ غُلَام وَمِائَتِي جَارِيَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : بِاثْنَتَيْ عَشْرَة وَصِيفَة مُذَكَّرِينَ قَدْ أَلْبَسَتْهُمْ زِيّ الْغِلْمَان , وَاثْنَيْ عَشَر غُلَامًا مُؤَنَّثِينَ قَدْ أَلْبَسَتْهُمْ زِيّ النِّسَاء , وَعَلَى يَد الْوَصَائِف أَطْبَاق مِسْك وَعَنْبَر , وَبِاثْنَتَيْ عَشْرَة نَجِيبَة تَحْمِل لَبِن الذَّهَب , وَبِخَرَزَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا غَيْر مَثْقُوبَة , وَالْأُخْرَى مَثْقُوبَة ثَقْبًا مُعْوَجًّا , وَبِقَدَحٍ لَا شَيْء فِيهِ , وَبِعَصًا كَانَ يَتَوَارَثهَا مُلُوك حِمْيَر , وَأَنْفَذَتْ الْهَدِيَّة مَعَ جَمَاعَة مِنْ قَوْمهَا . وَقِيلَ : كَانَ الرَّسُول وَاحِدًا وَلَكِنْ كَانَ فِي صُحْبَته أَتْبَاع وَخَدَم . وَقِيلَ : أَرْسَلَتْ رَجُلًا مِنْ أَشْرَاف قَوْمهَا يُقَال لَهُ الْمُنْذِر بْن عَمْرو , وَضَمَّتْ إِلَيْهِ رِجَالًا ذَوِي رَأْي وَعَقْل , وَالْهَدِيَّة مِائَة وَصِيف وَمِائَة وَصِيفَة , وَقَدْ خُولِفَ بَيْنهمْ فِي اللِّبَاس , وَقَالَتْ لِلْغِلْمَانِ : إِذَا كَلَّمَكُمْ سُلَيْمَان فَكَلِّمُوهُ بِكَلَامٍ فِيهِ تَأْنِيث يُشْبِه كَلَام النِّسَاء , وَقَالَتْ لِلْجَوَارِي : كَلِّمْنَهُ بِكَلَامٍ فِيهِ غِلَظ يُشْبِه كَلَام الرِّجَال ; فَيُقَال : إِنَّ الْهُدْهُد جَاءَ وَأَخْبَرَ سُلَيْمَان بِذَلِكَ كُلّه . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ سُلَيْمَان بِذَلِكَ , فَأَمَرَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَبْسُط مِنْ مَوْضِعه إِلَى تِسْع فَرَاسِخ بِلَبِنَاتِ الذَّهَب وَالْفِضَّة , ثُمَّ قَالَ : أَيّ الدَّوَابّ رَأَيْتُمْ أَحْسَن فِي الْبَرّ وَالْبَحْر ؟ قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه رَأَيْنَا فِي بَحْر كَذَا دَوَابّ مُنَقَّطَة مُخْتَلِفَة أَلْوَانهَا , لَهَا أَجْنِحَة وَأَعْرَاف وَنَوَاصِي ; فَأَمَرَ بِهَا فَجَاءَتْ فَشُدَّتْ عَلَى يَمِين الْمَيْدَان وَعَلَى يَسَاره , وَعَلَى لِبَنَاتِ الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَأَلْقَوْا لَهَا عَلُوفَاتهَا ; ثُمَّ قَالَ : لِلْجِنِّ عَلَيَّ بِأَوْلَادِكُمْ ; فَأَقَامَهُمْ - أَحْسَن مَا يَكُون مِنْ الشَّبَاب - عَنْ يَمِين الْمَيْدَان وَيَسَاره . ثُمَّ قَعَدَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى كُرْسِيّه فِي مَجْلِسه , وَوَضَعَ لَهُ أَرْبَعَة آلَاف كُرْسِيّ مِنْ ذَهَبَ عَنْ يَمِينه وَمِثْلهَا عَنْ يَسَاره , وَأَجْلَسَ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء , وَأَمَرَ الشَّيَاطِين وَالْجِنّ وَالْإِنْس أَنْ يَصْطَفُّوا صُفُوفًا فَرَاسِخ , وَأَمَرَ السِّبَاع وَالْوُحُوش وَالْهَوَامّ وَالطَّيْر فَاصْطَفُّوا فَرَاسِخ عَنْ يَمِينه وَشِمَاله , فَلَمَّا دَنَا الْقَوْم مِنْ الْمَيْدَان وَنَظَرُوا إِلَى مُلْك سُلَيْمَان , وَرَأَوْا الدَّوَابّ الَّتِي لَمْ تَرَ أَعْيُنهمْ أَحْسَن مِنْهَا تَرُوث عَلَى لَبِنَات الذَّهَب وَالْفِضَّة , تَقَاصَرَتْ إِلَيْهِمْ أَنْفُسهمْ , وَرَمَوْا مَا مَعَهُمْ مِنْ الْهَدَايَا . وَفِي بَعْض الرِّوَايَات : إِنَّ سُلَيْمَان لَمَّا أَمَرَهُمْ بِفَرْشِ الْمَيْدَان بِلَبِنَاتِ الذَّهَب وَالْفِضَّة أَمَرَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا عَلَى طَرِيقهمْ مَوْضِعًا عَلَى قَدْر مَوْضِع بِسَاط مِنْ الْأَرْض غَيْر مَفْرُوش , فَلَمَّا مَرُّوا بِهِ خَافُوا أَنْ يُتَّهَمُوا بِذَلِكَ فَطَرَحُوا مَا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَان , فَلَمَّا رَأَوْا الشَّيَاطِين رَأَوْا مَنْظَرًا هَائِلًا فَظِيعًا فَفَزِعُوا وَخَافُوا , فَقَالَتْ لَهُمْ الشَّيَاطِين : جُوزُوا لَا بَأْس عَلَيْكُمْ ; فَكَانُوا يَمُرُّونَ عَلَى كُرْدُوس كُرْدُوس مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْبَهَائِم وَالطَّيْر وَالسِّبَاع وَالْوُحُوش حَتَّى وَقَفُوا بَيْن يَدَيْ سُلَيْمَان , فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ سُلَيْمَان نَظَرًا حَسَنًا بِوَجْهٍ طَلْق , وَكَانَتْ قَالَتْ لِرَسُولِهَا : إِنْ نَظَرَ إِلَيْك نَظَر مُغْضَب فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَلِك فَلَا يَهُولَنك مَنْظَره فَأَنَا أَعَزّ مِنْهُ , وَإِنْ رَأَيْت الرَّجُل بَشًّا لَطِيفًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ نَبِيّ مُرْسَل فَتَفَهَّمْ قَوْله وَرُدَّ الْجَوَاب , فَأَخْبَرَ الْهُدْهُد سُلَيْمَان بِذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَكَانَتْ عَمَدَتْ إِلَى حُقَّة مِنْ ذَهَب فَجَعَلَتْ فِيهَا دُرَّة يَتِيمَة غَيْر مَثْقُوبَة , وَخَرَزَة مُعْوَجَّة الثَّقْب , وَكَتَبَتْ كِتَابًا مَعَ رَسُولهَا تَقُول فِيهِ : إِنْ كُنْت نَبِيًّا فَمَيِّزْ بَيْن الْوُصَفَاء وَالْوَصَائِف , وَأَخْبِرْ بِمَا فِي الْحُقَّة , وَعَرِّفْنِي رَأْس الْعَصَا مِنْ أَسْفَلهَا , وَاثْقُبْ الدُّرَّة ثَقْبًا مُسْتَوِيًا , وَأَدْخِلْ خَيْط الْخَرَزَة , وَامْلَأْ الْقَدَح مَاء مِنْ نَدًى لَيْسَ مِنْ الْأَرْض وَلَا مِنْ السَّمَاء ; فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُول وَوَقَفَ بَيْن يَدَيْ سُلَيْمَان أَعْطَاهُ كِتَاب الْمَلِكَة فَنَظَرَ فِيهِ , وَقَالَ : أَيْنَ الْحُقَّة ؟ فَأَتَى بِهَا فَحَرَّكَهَا ; فَأَخْبَرَهُ جِبْرِيل بِمَا فِيهَا , ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ سُلَيْمَان . فَقَالَ لَهُ الرَّسُول : صَدَقْت ; فَاثْقُبْ الدُّرَّة , وَأَدْخِلْ الْخَيْط فِي الْخَرَزَة ; فَسَأَلَ سُلَيْمَان الْجِنّ وَالْإِنْس عَنْ ثَقْبهَا فَعَجَزُوا ; فَقَالَ لِلشَّيَاطِينِ : مَا الرَّأْي فِيهَا ؟ فَقَالُوا : تُرْسِل إِلَى الْأَرَضَة , فَجَاءَتْ الْأَرَضَة فَأَخَذَتْ شَعْرَة فِي فِيهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ الْجَانِب الْآخَر ; فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَان : مَا حَاجَتك ؟ قَالَتْ : تُصَيِّر رِزْقِي فِي الشَّجَرَة ; فَقَالَ لَهَا : لَك ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَان : مَنْ لِهَذِهِ الْخَرَزَة يُسْلِكهَا الْخَيْط ؟ فَقَالَتْ دُودَة بَيْضَاء : أَنَا لَهَا يَا نَبِيّ اللَّه ; فَأَخَذَتْ الدُّودَة الْخَيْط فِي فِيهَا وَدَخَلَتْ الثَّقْب حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ الْجَانِب الْآخَر ; فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَان : مَا حَاجَتك ؟ قَالَتْ تَجْعَل رِزْقِي فِي الْفَوَاكِه ; قَالَ : ذَلِكَ لَك . ثُمَّ مَيَّزَ بَيْن الْغِلْمَان وَالْجَوَارِي . قَالَ السُّدِّيّ : أَمَرَهُمْ بِالْوُضُوءِ , فَجَعَلَ الرَّجُل يَحْدُر الْمَاء عَلَى الْيَد وَالرِّجْل حَدْرًا , وَجَعَلَ الْجَوَارِي يَصْبُبْنَ مِنْ الْيَد الْيُسْرَى عَلَى الْيَد الْيُمْنَى , وَمِنْ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى , فَمَيَّزَ بَيْنهمْ بِهَذَا . وَقِيلَ : كَانَتْ الْجَارِيَة تَأْخُذ الْمَاء مِنْ الْآنِيَة بِإِحْدَى يَدَيْهَا , ثُمَّ تَحْمِلهُ عَلَى الْأُخْرَى , ثُمَّ تَضْرِب بِهِ عَلَى الْوَجْه ; وَالْغُلَام كَانَ يَأْخُذ الْمَاء مِنْ الْآنِيَّة يَضْرِب بِهِ فِي الْوَجْه , وَالْجَارِيَة تَصُبّ عَلَى بَطْن سَاعِدهَا , وَالْغُلَام عَلَى ظَهْر السَّاعِد , وَالْجَارِيَة تَصُبّ الْمَاء صَبًّا , وَالْغُلَام يَحْدُر عَلَى يَدَيْهِ ; فَمَيَّزَ بَيْنهمْ بِهَذَا . وَرَوَى يَعْلَى بْن مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : أَرْسَلَتْ بِلْقِيس بِمِائَتَيْ وَصِيفَة وَوَصِيف , وَقَالَتْ : إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيَعْلَمُ الذُّكُور مِنْ الْإِنَاث , فَأَمَرَهُمْ فَتَوَضَّئُوا ; فَمَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمْ فَبَدَأَ بِمِرْفَقِهِ قَبْل كَفّه قَالَ هُوَ مِنْ الْإِنَاث , وَمَنْ بَدَأَ بِكَفِّهِ قَبْل مِرْفَقه قَالَ هُوَ مِنْ الذُّكُور ; ثُمَّ أَرْسَلَ الْعَصَا إِلَى الْهَوَاء فَقَالَ : أَيّ الرَّأْسَيْنِ سَبَقَ إِلَى الْأَرْض فَهُوَ أَصْلهَا , وَأَمَرَ بِالْخَيْلِ فَأُجْرِيَتْ حَتَّى عَرِقَتْ وَمَلَأَ الْقَدَح مِنْ عَرَقهَا , ثُمَّ رَدَّ سُلَيْمَان الْهَدِيَّة ; فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا صَرَفَ الْهَدِيَّة إِلَيْهَا وَأَخْبَرَهَا رَسُولهَا بِمَا شَاهَدَ ; قَالَتْ لِقَوْمِهَا : هَذَا أَمْر مِنْ السَّمَاء .

كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَل الْهَدِيَّة وَيُثِيب عَلَيْهَا وَلَا يَقْبَل الصَّدَقَة , وَكَذَلِكَ كَانَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام وَسَائِر الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَإِنَّمَا جَعَلَتْ بِلْقِيس قَبُول الْهَدِيَّة أَوْ رَدّهَا عَلَامَة عَلَى مَا فِي نَفْسهَا ; عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْن سُلَيْمَان مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا ; لِأَنَّهُ قَالَ لَهَا فِي كِتَابه : " أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ " [ النَّمْل : 31 ] وَهَذَا لَا تُقْبَل فِيهِ فِدْيَة , وَلَا يُؤْخَذ عَنْهُ هَدِيَّة , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْبَاب الَّذِي تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَة عَنْ قَبُول الْهَدِيَّة بِسَبِيلٍ , وَإِنَّمَا هِيَ رِشْوَة وَبَيْع الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , وَهِيَ الرِّشْوَة الَّتِي لَا تَحِلّ . وَأَمَّا الْهَدِيَّة الْمُطْلَقَة لِلتَّحَبُّبِ وَالتَّوَاصُل فَإِنَّهَا جَائِزَة مِنْ كُلّ أَحَد وَعَلَى كُلّ حَال , وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُشْرِك .

فَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُشْرِك فَفِي الْحَدِيث ( نُهِيت عَنْ زَبْد الْمُشْرِكِينَ ) يَعْنِي رِفْدهمْ وَعَطَايَاهُمْ . وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَبِلَهَا كَمَا فِي حَدِيث مَالِك عَنْ ثَوْر بْن زَيْد الدِّبْلِيّ وَغَيْره , فَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء بِالنَّسْخِ فِيهِمَا , وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ فِيهَا نَاسِخ وَلَا مَنْسُوخ , وَالْمَعْنَى فِيهَا : أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْبَل هَدِيَّة مَنْ يَطْمَع بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ وَأَخْذ بَلَده وَدُخُوله فِي الْإِسْلَام , وَبِهَذِهِ الصِّفَة كَانَتْ حَالَة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام , فَعَنْ مِثْل هَذَا نَهَى أَنْ تُقْبَل هَدِيَّته حَمْلًا عَلَى الْكَفّ عَنْهُ ; وَهَذَا أَحْسَن تَأْوِيل لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا ; فَإِنَّهُ جَمْع بَيْن الْأَحَادِيث . وَقِيلَ غَيْر هَذَا .

الْهَدِيَّة مَنْدُوب إِلَيْهَا , وَهِيَ مِمَّا تُورِث الْمَوَدَّة وَتُذْهِب الْعَدَاوَة ; رَوَى مَالِك عَنْ عَطَاء بْن عَبْد اللَّه الْخُرَاسَانِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَصَافَحُوا يَذْهَب الْغِلّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَب الشَّحْنَاء ) . وَرَوَى مُعَاوِيَة بْن الْحَكَم قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( تَهَادَوْا فَإِنَّهُ يُضَعِّف الْوُدّ وَيَذْهَب بِغَوَائِلِ الصَّدْر ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تَفَرَّدَ بِهِ اِبْن بُجَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَالِك , وَلَمْ يَكُنْ بِالرَّضِيِّ , وَلَا يَصِحّ عَنْ مَالِك وَلَا عَنْ الزُّهْرِيّ . وَعَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( تَهَادَوْا بَيْنكُمْ فَإِنَّ الْهَدِيَّة تُذْهِب السَّخِيمَة ) قَالَ اِبْن وَهْب : سَأَلْت يُونُس عَنْ السَّخِيمَة مَا هِيَ فَقَالَ : الْغِلّ . وَهَذَا الْحَدِيث وَصَلَهُ الْوَقَّاصِيّ عُثْمَان عَنْ الزُّهْرِيّ وَهُوَ ضَعِيف . وَعَلَى الْجُمْلَة : فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْبَل الْهَدِيَّة , وَفِيهِ الْأُسْوَة الْحَسَنَة . وَمِنْ فَضْل الْهَدِيَّة مَعَ اِتِّبَاع السُّنَّة أَنَّهَا تُزِيل حَزَازَات النُّفُوس , وَتُكْسِب الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ رَنَّة فِي اللِّقَاء وَالْجُلُوس . وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ : ش هَدَايَا النَّاس بَعْضهمْ لِبَعْضٍ /و تُوَلِّد فِي قُلُوبهمْ الْوِصَالَا وَتَزْرَع فِي الضَّمِير هَوًى وَوُدًّا /و وَتُكْسِبهُمْ إِذَا حَضَرُوا جَمَالَا آخَر : إِنَّ الْهَدَايَا لَهَا حَظّ إِذَا وَرَدَتْ /و أَحْظَى مِنْ الِابْن عِنْد الْوَالِد الْحَدِب

رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( جُلَسَاؤُكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ فِي الْهَدِيَّة ) وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ ; فَقِيلَ : هُوَ مَحْمُول عَلَى ظَاهِره . وَقِيلَ : يُشَارِكهُمْ عَلَى وَجْه الْكَرَم وَالْمُرُوءَة , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَلَا يُجْبَر عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُف : ذَلِكَ فِي الْفَوَاكِه وَنَحْوهَا . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ شُرَكَاؤُهُ فِي السُّرُور لَا فِي الْهَدِيَّة . وَالْخَبَر مَحْمُول فِي أَمْثَال أَصْحَاب الصُّفَّة وَالْخَوَانِق وَالرِّبَاطَات ; أَمَّا إِذَا كَانَ فَقِيهًا مِنْ الْفُقَهَاء اُخْتُصَّ بِهَا فَلَا شِرْكَة فِيهَا لِأَصْحَابِهِ , فَإِنْ أَشْرَكَهُمْ فَذَلِكَ كَرَم وَجُود مِنْهُ .

فَنَاظِرَة " أَيْ مُنْتَظِرَة

الْمُرْسَلُونَ " قَالَ قَتَادَة : يَرْحَمهَا اللَّه أَنْ كَانَتْ لَعَاقِلَة فِي إِسْلَامهَا وَشِرْكهَا ; قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ الْهَدِيَّة تَقَع مَوْقِعًا مِنْ النَّاس . وَسَقَطَتْ الْأَلِف فِي " بِمَ " لِلْفَرْقِ بَيْن " مَا " الْخَبَرِيَّة . وَقَدْ يَجُوز إِثْبَاتهَا ; قَالَ : عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمنِي لَئِيم كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَاد
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • العبادات في ضوء الكتاب والسنة وأثرها في تربية المسلم

    العبادات في ضوء الكتاب والسنة وأثرها في تربية المسلم: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «وبعد أن وفَّقني الله تعالى، ووضعتُ العديدَ من المُصنَّفات في القراءات القُرآنية والتجويدِ وعلومِ القرآن، اطمأنَّ قلبي؛ حيث إن المكتبةَ الإسلاميةَ أصبحَت عامِرة، وإن سلسلة كتب القراءات قد اكتمَلَت، ولله الحمدُ. بعد ذلك اتجهتُ إلى الله تعالى بنيَّةٍ خالصةٍ، وطلبتُ منه - سبحانه وتعالى - أن يُعينني على تحقيقِ رغبةٍ قديمةٍ عندي. ولما علِمَ تعالى صدقَ نيَّتي شرحَ صدري لهذا العملِ الجليلِ، فشرعتُ في وضعِ كتابي هذا». ومنهج تأليف الكتاب: 1- ذكر الأحكام الفقهية دون الالتزام بمذهبٍ معيَّنٍ. 2- الاعتماد في الأحكام التي ذكرَها على الكتابِ والسنةِ. 3- بعد ذكر الأحكام أتبعَ كل حكمٍ بدليله من الكتاب والسنة. 4- مُراعاة عدم الإطنابِ، أو الإيجاز، بعبارةٍ سهلةٍ يفهمُها الخاص والعام. - ملاحظة: الجزء الأول هو المُتوفِّر على موقع الشيخ - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385228

    التحميل:

  • إتحاف أهل الإيمان بدروس شهر رمضان

    الكتاب عبارة عن ثلاثين درسًا تتضمن التذكير بفضائل هذا الشهر المبارك والحث على الجد والاجتهاد فيه، واغتنام أيامه ولياليه مع الإشارة إلى بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام والقيام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/53513

    التحميل:

  • كتاب التوحيد

    كتاب التوحيد: مما لا شك فيه أن علم العقيدة الإسلامية هو العلم الأساسي الذي تجدر العناية به تعلما وتعليما وعملا - بموجبه لتكون الأعمال صحيحة مقبولة عند الله نافعة للعاملين، خصوصا وأننا في زمان كثرت فيه التيارات المنحرفة: تيار الإلحاد، وتيار التصوف والرهبنة، وتيار القبورية الوثنية، وتيار البدع المخالفة للهدي النبوي. وكلها تيارات خطيرة ما لم يكن المسلم مسلحا بسلاح العقيدة الصحيحة المرتكزة على الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة؛ فإنه حري أن تجرفه تلك التيارات المضلة، وهذا مما يستدعي العناية التامة بتعليم العقيدة الصحيحة لأبناء المسلم أن من مصادرها الأصيلة؛ لذا فهذا كتاب في علم التوحيد، راعى فيه المصنف - حفظه الله - الاختصار مع سهولة العبارة، وقد اقتبسه من مصادر كثيرة من كتب أئمتنا الأعلام - ولا سيما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب العلامة ابن القيم، وكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه من أئمة الدعوة المباركة - رحمهم الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/75915

    التحميل:

  • الإمام جعفر بن أبي طالب وآله رضي الله عنهم

    الإمام جعفر بن أبي طالب وآله رضي الله عنهم: في هذا البحث تعرَّض المؤلف لسيرة الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب وسيرة آل بيته الأطهار - رضي الله عنهم -، وذكر مواقفه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهجرته، وما إلى ذلك؛ مُعتمدًا على ما صحَّ منها، مُبيِّنًا صحيحَ ما رُوي فيها من ضعفه، مُحقِّقًا في بعضها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380432

    التحميل:

  • البدع الحولية

    البدع الحولية : بحث يتطرق للبدع التي تحدث في كل شهر من شهور السنة الهجرية، مع ذكر البدع التي تلقاها المسلمون من الأمم الأخرى، من إعداد عبد الله بن عبد العزيز بن أحمد التويجري، وهذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قسم العقيدة، ومنح درجة الماجستير بتقدير ممتاز عام 1406هـ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/44577

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة