Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النمل - الآية 35

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) (النمل) mp3
إِلَيْهِمْ بِهَدِيةٍ " هَذَا مِنْ حُسْن نَظَرهَا وَتَدْبِيرهَا ; أَيْ إِنِّي أُجَرِّب هَذَا الرَّجُل بِهَدِيَّةٍ , وَأُعْطِيه فِيهَا نَفَائِس مِنْ الْأَمْوَال , وَأُغْرِب عَلَيْهِ بِأُمُورِ الْمَمْلَكَة : فَإِنْ كَانَ مَلِكًا دُنْيَاوِيًّا أَرْضَاهُ الْمَال وَعَمِلْنَا مَعَهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهِ الْمَال وَلَازَمْنَا فِي أَمْر الدِّين , فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُؤْمِن بِهِ وَنَتَّبِعهُ عَلَى دِينه , فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَة أَكْثَرَ النَّاس فِي تَفْصِيلهَا , فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِلَبِنَةٍ مِنْ ذَهَب , فَرَأَتْ الرُّسُل الْحِيطَان مِنْ ذَهَب فَصَغُرَ عِنْدهمْ مَا جَاءُوا بِهِ . وَقَالَ مُجَاهِد : أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِمِائَتَيْ غُلَام وَمِائَتِي جَارِيَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : بِاثْنَتَيْ عَشْرَة وَصِيفَة مُذَكَّرِينَ قَدْ أَلْبَسَتْهُمْ زِيّ الْغِلْمَان , وَاثْنَيْ عَشَر غُلَامًا مُؤَنَّثِينَ قَدْ أَلْبَسَتْهُمْ زِيّ النِّسَاء , وَعَلَى يَد الْوَصَائِف أَطْبَاق مِسْك وَعَنْبَر , وَبِاثْنَتَيْ عَشْرَة نَجِيبَة تَحْمِل لَبِن الذَّهَب , وَبِخَرَزَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا غَيْر مَثْقُوبَة , وَالْأُخْرَى مَثْقُوبَة ثَقْبًا مُعْوَجًّا , وَبِقَدَحٍ لَا شَيْء فِيهِ , وَبِعَصًا كَانَ يَتَوَارَثهَا مُلُوك حِمْيَر , وَأَنْفَذَتْ الْهَدِيَّة مَعَ جَمَاعَة مِنْ قَوْمهَا . وَقِيلَ : كَانَ الرَّسُول وَاحِدًا وَلَكِنْ كَانَ فِي صُحْبَته أَتْبَاع وَخَدَم . وَقِيلَ : أَرْسَلَتْ رَجُلًا مِنْ أَشْرَاف قَوْمهَا يُقَال لَهُ الْمُنْذِر بْن عَمْرو , وَضَمَّتْ إِلَيْهِ رِجَالًا ذَوِي رَأْي وَعَقْل , وَالْهَدِيَّة مِائَة وَصِيف وَمِائَة وَصِيفَة , وَقَدْ خُولِفَ بَيْنهمْ فِي اللِّبَاس , وَقَالَتْ لِلْغِلْمَانِ : إِذَا كَلَّمَكُمْ سُلَيْمَان فَكَلِّمُوهُ بِكَلَامٍ فِيهِ تَأْنِيث يُشْبِه كَلَام النِّسَاء , وَقَالَتْ لِلْجَوَارِي : كَلِّمْنَهُ بِكَلَامٍ فِيهِ غِلَظ يُشْبِه كَلَام الرِّجَال ; فَيُقَال : إِنَّ الْهُدْهُد جَاءَ وَأَخْبَرَ سُلَيْمَان بِذَلِكَ كُلّه . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ سُلَيْمَان بِذَلِكَ , فَأَمَرَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَبْسُط مِنْ مَوْضِعه إِلَى تِسْع فَرَاسِخ بِلَبِنَاتِ الذَّهَب وَالْفِضَّة , ثُمَّ قَالَ : أَيّ الدَّوَابّ رَأَيْتُمْ أَحْسَن فِي الْبَرّ وَالْبَحْر ؟ قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه رَأَيْنَا فِي بَحْر كَذَا دَوَابّ مُنَقَّطَة مُخْتَلِفَة أَلْوَانهَا , لَهَا أَجْنِحَة وَأَعْرَاف وَنَوَاصِي ; فَأَمَرَ بِهَا فَجَاءَتْ فَشُدَّتْ عَلَى يَمِين الْمَيْدَان وَعَلَى يَسَاره , وَعَلَى لِبَنَاتِ الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَأَلْقَوْا لَهَا عَلُوفَاتهَا ; ثُمَّ قَالَ : لِلْجِنِّ عَلَيَّ بِأَوْلَادِكُمْ ; فَأَقَامَهُمْ - أَحْسَن مَا يَكُون مِنْ الشَّبَاب - عَنْ يَمِين الْمَيْدَان وَيَسَاره . ثُمَّ قَعَدَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى كُرْسِيّه فِي مَجْلِسه , وَوَضَعَ لَهُ أَرْبَعَة آلَاف كُرْسِيّ مِنْ ذَهَبَ عَنْ يَمِينه وَمِثْلهَا عَنْ يَسَاره , وَأَجْلَسَ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء , وَأَمَرَ الشَّيَاطِين وَالْجِنّ وَالْإِنْس أَنْ يَصْطَفُّوا صُفُوفًا فَرَاسِخ , وَأَمَرَ السِّبَاع وَالْوُحُوش وَالْهَوَامّ وَالطَّيْر فَاصْطَفُّوا فَرَاسِخ عَنْ يَمِينه وَشِمَاله , فَلَمَّا دَنَا الْقَوْم مِنْ الْمَيْدَان وَنَظَرُوا إِلَى مُلْك سُلَيْمَان , وَرَأَوْا الدَّوَابّ الَّتِي لَمْ تَرَ أَعْيُنهمْ أَحْسَن مِنْهَا تَرُوث عَلَى لَبِنَات الذَّهَب وَالْفِضَّة , تَقَاصَرَتْ إِلَيْهِمْ أَنْفُسهمْ , وَرَمَوْا مَا مَعَهُمْ مِنْ الْهَدَايَا . وَفِي بَعْض الرِّوَايَات : إِنَّ سُلَيْمَان لَمَّا أَمَرَهُمْ بِفَرْشِ الْمَيْدَان بِلَبِنَاتِ الذَّهَب وَالْفِضَّة أَمَرَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا عَلَى طَرِيقهمْ مَوْضِعًا عَلَى قَدْر مَوْضِع بِسَاط مِنْ الْأَرْض غَيْر مَفْرُوش , فَلَمَّا مَرُّوا بِهِ خَافُوا أَنْ يُتَّهَمُوا بِذَلِكَ فَطَرَحُوا مَا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَان , فَلَمَّا رَأَوْا الشَّيَاطِين رَأَوْا مَنْظَرًا هَائِلًا فَظِيعًا فَفَزِعُوا وَخَافُوا , فَقَالَتْ لَهُمْ الشَّيَاطِين : جُوزُوا لَا بَأْس عَلَيْكُمْ ; فَكَانُوا يَمُرُّونَ عَلَى كُرْدُوس كُرْدُوس مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْبَهَائِم وَالطَّيْر وَالسِّبَاع وَالْوُحُوش حَتَّى وَقَفُوا بَيْن يَدَيْ سُلَيْمَان , فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ سُلَيْمَان نَظَرًا حَسَنًا بِوَجْهٍ طَلْق , وَكَانَتْ قَالَتْ لِرَسُولِهَا : إِنْ نَظَرَ إِلَيْك نَظَر مُغْضَب فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَلِك فَلَا يَهُولَنك مَنْظَره فَأَنَا أَعَزّ مِنْهُ , وَإِنْ رَأَيْت الرَّجُل بَشًّا لَطِيفًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ نَبِيّ مُرْسَل فَتَفَهَّمْ قَوْله وَرُدَّ الْجَوَاب , فَأَخْبَرَ الْهُدْهُد سُلَيْمَان بِذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَكَانَتْ عَمَدَتْ إِلَى حُقَّة مِنْ ذَهَب فَجَعَلَتْ فِيهَا دُرَّة يَتِيمَة غَيْر مَثْقُوبَة , وَخَرَزَة مُعْوَجَّة الثَّقْب , وَكَتَبَتْ كِتَابًا مَعَ رَسُولهَا تَقُول فِيهِ : إِنْ كُنْت نَبِيًّا فَمَيِّزْ بَيْن الْوُصَفَاء وَالْوَصَائِف , وَأَخْبِرْ بِمَا فِي الْحُقَّة , وَعَرِّفْنِي رَأْس الْعَصَا مِنْ أَسْفَلهَا , وَاثْقُبْ الدُّرَّة ثَقْبًا مُسْتَوِيًا , وَأَدْخِلْ خَيْط الْخَرَزَة , وَامْلَأْ الْقَدَح مَاء مِنْ نَدًى لَيْسَ مِنْ الْأَرْض وَلَا مِنْ السَّمَاء ; فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُول وَوَقَفَ بَيْن يَدَيْ سُلَيْمَان أَعْطَاهُ كِتَاب الْمَلِكَة فَنَظَرَ فِيهِ , وَقَالَ : أَيْنَ الْحُقَّة ؟ فَأَتَى بِهَا فَحَرَّكَهَا ; فَأَخْبَرَهُ جِبْرِيل بِمَا فِيهَا , ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ سُلَيْمَان . فَقَالَ لَهُ الرَّسُول : صَدَقْت ; فَاثْقُبْ الدُّرَّة , وَأَدْخِلْ الْخَيْط فِي الْخَرَزَة ; فَسَأَلَ سُلَيْمَان الْجِنّ وَالْإِنْس عَنْ ثَقْبهَا فَعَجَزُوا ; فَقَالَ لِلشَّيَاطِينِ : مَا الرَّأْي فِيهَا ؟ فَقَالُوا : تُرْسِل إِلَى الْأَرَضَة , فَجَاءَتْ الْأَرَضَة فَأَخَذَتْ شَعْرَة فِي فِيهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ الْجَانِب الْآخَر ; فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَان : مَا حَاجَتك ؟ قَالَتْ : تُصَيِّر رِزْقِي فِي الشَّجَرَة ; فَقَالَ لَهَا : لَك ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَان : مَنْ لِهَذِهِ الْخَرَزَة يُسْلِكهَا الْخَيْط ؟ فَقَالَتْ دُودَة بَيْضَاء : أَنَا لَهَا يَا نَبِيّ اللَّه ; فَأَخَذَتْ الدُّودَة الْخَيْط فِي فِيهَا وَدَخَلَتْ الثَّقْب حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ الْجَانِب الْآخَر ; فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَان : مَا حَاجَتك ؟ قَالَتْ تَجْعَل رِزْقِي فِي الْفَوَاكِه ; قَالَ : ذَلِكَ لَك . ثُمَّ مَيَّزَ بَيْن الْغِلْمَان وَالْجَوَارِي . قَالَ السُّدِّيّ : أَمَرَهُمْ بِالْوُضُوءِ , فَجَعَلَ الرَّجُل يَحْدُر الْمَاء عَلَى الْيَد وَالرِّجْل حَدْرًا , وَجَعَلَ الْجَوَارِي يَصْبُبْنَ مِنْ الْيَد الْيُسْرَى عَلَى الْيَد الْيُمْنَى , وَمِنْ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى , فَمَيَّزَ بَيْنهمْ بِهَذَا . وَقِيلَ : كَانَتْ الْجَارِيَة تَأْخُذ الْمَاء مِنْ الْآنِيَة بِإِحْدَى يَدَيْهَا , ثُمَّ تَحْمِلهُ عَلَى الْأُخْرَى , ثُمَّ تَضْرِب بِهِ عَلَى الْوَجْه ; وَالْغُلَام كَانَ يَأْخُذ الْمَاء مِنْ الْآنِيَّة يَضْرِب بِهِ فِي الْوَجْه , وَالْجَارِيَة تَصُبّ عَلَى بَطْن سَاعِدهَا , وَالْغُلَام عَلَى ظَهْر السَّاعِد , وَالْجَارِيَة تَصُبّ الْمَاء صَبًّا , وَالْغُلَام يَحْدُر عَلَى يَدَيْهِ ; فَمَيَّزَ بَيْنهمْ بِهَذَا . وَرَوَى يَعْلَى بْن مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : أَرْسَلَتْ بِلْقِيس بِمِائَتَيْ وَصِيفَة وَوَصِيف , وَقَالَتْ : إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيَعْلَمُ الذُّكُور مِنْ الْإِنَاث , فَأَمَرَهُمْ فَتَوَضَّئُوا ; فَمَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمْ فَبَدَأَ بِمِرْفَقِهِ قَبْل كَفّه قَالَ هُوَ مِنْ الْإِنَاث , وَمَنْ بَدَأَ بِكَفِّهِ قَبْل مِرْفَقه قَالَ هُوَ مِنْ الذُّكُور ; ثُمَّ أَرْسَلَ الْعَصَا إِلَى الْهَوَاء فَقَالَ : أَيّ الرَّأْسَيْنِ سَبَقَ إِلَى الْأَرْض فَهُوَ أَصْلهَا , وَأَمَرَ بِالْخَيْلِ فَأُجْرِيَتْ حَتَّى عَرِقَتْ وَمَلَأَ الْقَدَح مِنْ عَرَقهَا , ثُمَّ رَدَّ سُلَيْمَان الْهَدِيَّة ; فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا صَرَفَ الْهَدِيَّة إِلَيْهَا وَأَخْبَرَهَا رَسُولهَا بِمَا شَاهَدَ ; قَالَتْ لِقَوْمِهَا : هَذَا أَمْر مِنْ السَّمَاء .

كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَل الْهَدِيَّة وَيُثِيب عَلَيْهَا وَلَا يَقْبَل الصَّدَقَة , وَكَذَلِكَ كَانَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام وَسَائِر الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَإِنَّمَا جَعَلَتْ بِلْقِيس قَبُول الْهَدِيَّة أَوْ رَدّهَا عَلَامَة عَلَى مَا فِي نَفْسهَا ; عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْن سُلَيْمَان مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا ; لِأَنَّهُ قَالَ لَهَا فِي كِتَابه : " أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ " [ النَّمْل : 31 ] وَهَذَا لَا تُقْبَل فِيهِ فِدْيَة , وَلَا يُؤْخَذ عَنْهُ هَدِيَّة , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْبَاب الَّذِي تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَة عَنْ قَبُول الْهَدِيَّة بِسَبِيلٍ , وَإِنَّمَا هِيَ رِشْوَة وَبَيْع الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , وَهِيَ الرِّشْوَة الَّتِي لَا تَحِلّ . وَأَمَّا الْهَدِيَّة الْمُطْلَقَة لِلتَّحَبُّبِ وَالتَّوَاصُل فَإِنَّهَا جَائِزَة مِنْ كُلّ أَحَد وَعَلَى كُلّ حَال , وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُشْرِك .

فَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُشْرِك فَفِي الْحَدِيث ( نُهِيت عَنْ زَبْد الْمُشْرِكِينَ ) يَعْنِي رِفْدهمْ وَعَطَايَاهُمْ . وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَبِلَهَا كَمَا فِي حَدِيث مَالِك عَنْ ثَوْر بْن زَيْد الدِّبْلِيّ وَغَيْره , فَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء بِالنَّسْخِ فِيهِمَا , وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ فِيهَا نَاسِخ وَلَا مَنْسُوخ , وَالْمَعْنَى فِيهَا : أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْبَل هَدِيَّة مَنْ يَطْمَع بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ وَأَخْذ بَلَده وَدُخُوله فِي الْإِسْلَام , وَبِهَذِهِ الصِّفَة كَانَتْ حَالَة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام , فَعَنْ مِثْل هَذَا نَهَى أَنْ تُقْبَل هَدِيَّته حَمْلًا عَلَى الْكَفّ عَنْهُ ; وَهَذَا أَحْسَن تَأْوِيل لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا ; فَإِنَّهُ جَمْع بَيْن الْأَحَادِيث . وَقِيلَ غَيْر هَذَا .

الْهَدِيَّة مَنْدُوب إِلَيْهَا , وَهِيَ مِمَّا تُورِث الْمَوَدَّة وَتُذْهِب الْعَدَاوَة ; رَوَى مَالِك عَنْ عَطَاء بْن عَبْد اللَّه الْخُرَاسَانِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَصَافَحُوا يَذْهَب الْغِلّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَب الشَّحْنَاء ) . وَرَوَى مُعَاوِيَة بْن الْحَكَم قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( تَهَادَوْا فَإِنَّهُ يُضَعِّف الْوُدّ وَيَذْهَب بِغَوَائِلِ الصَّدْر ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تَفَرَّدَ بِهِ اِبْن بُجَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَالِك , وَلَمْ يَكُنْ بِالرَّضِيِّ , وَلَا يَصِحّ عَنْ مَالِك وَلَا عَنْ الزُّهْرِيّ . وَعَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( تَهَادَوْا بَيْنكُمْ فَإِنَّ الْهَدِيَّة تُذْهِب السَّخِيمَة ) قَالَ اِبْن وَهْب : سَأَلْت يُونُس عَنْ السَّخِيمَة مَا هِيَ فَقَالَ : الْغِلّ . وَهَذَا الْحَدِيث وَصَلَهُ الْوَقَّاصِيّ عُثْمَان عَنْ الزُّهْرِيّ وَهُوَ ضَعِيف . وَعَلَى الْجُمْلَة : فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْبَل الْهَدِيَّة , وَفِيهِ الْأُسْوَة الْحَسَنَة . وَمِنْ فَضْل الْهَدِيَّة مَعَ اِتِّبَاع السُّنَّة أَنَّهَا تُزِيل حَزَازَات النُّفُوس , وَتُكْسِب الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ رَنَّة فِي اللِّقَاء وَالْجُلُوس . وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ : ش هَدَايَا النَّاس بَعْضهمْ لِبَعْضٍ /و تُوَلِّد فِي قُلُوبهمْ الْوِصَالَا وَتَزْرَع فِي الضَّمِير هَوًى وَوُدًّا /و وَتُكْسِبهُمْ إِذَا حَضَرُوا جَمَالَا آخَر : إِنَّ الْهَدَايَا لَهَا حَظّ إِذَا وَرَدَتْ /و أَحْظَى مِنْ الِابْن عِنْد الْوَالِد الْحَدِب

رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( جُلَسَاؤُكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ فِي الْهَدِيَّة ) وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ ; فَقِيلَ : هُوَ مَحْمُول عَلَى ظَاهِره . وَقِيلَ : يُشَارِكهُمْ عَلَى وَجْه الْكَرَم وَالْمُرُوءَة , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَلَا يُجْبَر عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُف : ذَلِكَ فِي الْفَوَاكِه وَنَحْوهَا . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ شُرَكَاؤُهُ فِي السُّرُور لَا فِي الْهَدِيَّة . وَالْخَبَر مَحْمُول فِي أَمْثَال أَصْحَاب الصُّفَّة وَالْخَوَانِق وَالرِّبَاطَات ; أَمَّا إِذَا كَانَ فَقِيهًا مِنْ الْفُقَهَاء اُخْتُصَّ بِهَا فَلَا شِرْكَة فِيهَا لِأَصْحَابِهِ , فَإِنْ أَشْرَكَهُمْ فَذَلِكَ كَرَم وَجُود مِنْهُ .

فَنَاظِرَة " أَيْ مُنْتَظِرَة

الْمُرْسَلُونَ " قَالَ قَتَادَة : يَرْحَمهَا اللَّه أَنْ كَانَتْ لَعَاقِلَة فِي إِسْلَامهَا وَشِرْكهَا ; قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ الْهَدِيَّة تَقَع مَوْقِعًا مِنْ النَّاس . وَسَقَطَتْ الْأَلِف فِي " بِمَ " لِلْفَرْقِ بَيْن " مَا " الْخَبَرِيَّة . وَقَدْ يَجُوز إِثْبَاتهَا ; قَالَ : عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمنِي لَئِيم كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَاد
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مختصر كتاب الاعتصام

    مختصر كتاب الاعتصام: فإنَّ كتاب «الاعتصام» للإمام أبي إسحاق الشاطبي يُعَدُّ من أفضل ما أُلِّف في معنى البدعة وحَدِّها وذمِّ البدع وسوء منقلب أهلها، وأنواعها وأحكامها والفرق بينها وبين المصالح المرسلة وغير ذلك من مسائل تتعلق بالبدعة وأهلها. ونظرًا لما في الكتاب من الإطالة والاستطرادات قام الشيخ علوي السقَّاف - حفظه الله - باختصار الكتاب اختصارًا غير مُخِلٍّ؛ حيث قام بتهذيب الكتاب من الأحاديث الضعيفة، وبعض الأقوال والقصص والأخبار والأمثلة والتفريعات وغير ذلك.

    الناشر: موقع الدرر السنية http://www.dorar.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335500

    التحميل:

  • القول السديد شرح كتاب التوحيد

    كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد: كتاب نفيس صنفه الإمام المجدد - محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - يحتوي على بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهوكتاب عظيم النفع في بابه، بين فيه مؤلفه - رحمه الله - التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع. وفي هذه الصفحة تعليق مختصر للشيخ العلامة السعدي - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116949

    التحميل:

  • أحكام المسلم الجديد

    هذا الكتاب في بيان أحكام المسلم الجديد، وقد ألفه المؤلف على طريقة السؤال والجواب، وجمع 133 سؤالا ً في ذلك، منوعة لكثير من المسائل والأحكام، ومجيبا ً عليها بالتفصيل والإلمام.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291717

    التحميل:

  • مجموعة رسائل رمضانية

    مجموعة رسائل رمضانية : يحتوي هذا الكتاب على عدة رسائل مستقلة تختص ببيان أحكام شهر رمضان المبارك، وهي: - كيف نستقبل شهر رمضان المبارك؟ - رسالة رمضان. - إتحاف أهل الإسلام بأحكام الصيام. - خلاصة الكلام في أحكام الصيام. - أحكام الزكاة. - مسائل وفتاوى في زكاة الحلي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231254

    التحميل:

  • التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هذه الشروح شرح فضيلة الشيخ عبد العزيز الرشيد - رحمه الله -، وهي نسخة مصورة من إصدار دار الرشيد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107039

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة