Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النمل - الآية 29

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) (النمل) mp3
إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَاب كَرِيم " فِي الْكَلَام حَذْف ; وَالْمَعْنَى : فَذَهَبَ فَأَلْقَاهُ إِلَيْهِمْ فَسَمِعَهَا وَهِيَ تَقُول : " يَا أَيّهَا الْمَلَأ " ثُمَّ وَصَفَتْ الْكِتَاب بِالْكَرِيمِ إِمَّا لِأَنَّهُ مِنْ عِنْد عَظِيم فِي نَفْسهَا وَنُفُوسهمْ فَعَظَّمَتْهُ إِجْلَالًا لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَام ; وَهَذَا قَوْل اِبْن زَيْد . وَإِمَّا أَنَّهَا أَشَارَتْ إِلَى أَنَّهُ مَطْبُوع عَلَيْهِ بِالْخَاتَمِ , فَكَرَامَة الْكِتَاب خَتْمه ; وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ : لِأَنَّهُ بَدَأَ فِيهِ بِ " بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّ كَلَام لَا يُبْدَأ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أَجْذَم ) . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ , وَلَا يَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا الْجِلَّة . وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان يُبَايِعهُ . مِنْ عَبْد اللَّه لِعَبْدِ الْمَلِك بْن مَرْوَان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ; إِنِّي أُقِرّ لَك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة مَا اِسْتَطَعْت , وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا لَك بِذَلِكَ . وَقِيلَ : تَوَهَّمَتْ أَنَّهُ كِتَاب جَاءَ مِنْ السَّمَاء إِذْ كَانَ الْمُوَصِّل طَيْرًا . وَقِيلَ : " كَرِيم " حَسَن ; كَقَوْلِهِ : " وَمَقَام كَرِيم " [ الشُّعَرَاء : 58 ] أَيْ مَجْلِس حَسَن . وَقِيلَ : وَصَفَتْهُ بِذَلِكَ ; لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ لِين الْقَوْل وَالْمَوْعِظَة فِي الدُّعَاء إِلَى عِبَادَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَحُسْن الِاسْتِعْطَاف وَالِاسْتِلْطَاف مِنْ غَيْر أَنْ يَتَضَمَّن سَبًّا وَلَا لَعْنًا , وَلَا مَا يُغَيِّر النَّفْس , وَمِنْ غَيْر كَلَام نَازِل وَلَا مُسْتَغْلَق ; عَلَى عَادَة الرُّسُل فِي الدُّعَاء إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; أَلَا تَرَى إِلَى قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اُدْعُ إِلَى سَبِيل رَبّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة " [ النَّحْل : 125 ] وَقَوْله لِمُوسَى وَهَارُون : " فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى " [ طه : 44 ] . وَكُلّهَا وُجُوه حِسَان وَهَذَا أَحْسَنهَا . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُب بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم أَحَد قَبْل سُلَيْمَان . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَان " بِزِيَادَةِ وَاو .

الْوَصْف بِالْكَرِيمِ فِي الْكِتَاب غَايَة الْوَصْف ; أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى : " إِنَّهُ لَقُرْآن كَرِيم " [ الْوَاقِعَة : 77 ] وَأَهْل الزَّمَان يَصِفُونَ الْكِتَاب بِالْخَطِيرِ وَبِالْأَثِيرِ وَبِالْمَبْرُورِ ; فَإِنْ كَانَ لِمَلِكٍ قَالُوا : الْعَزِيز وَأَسْقَطُوا الْكَرِيم غَفْلَة , وَهُوَ أَفْضَلهَا خَصْلَة . فَأَمَّا الْوَصْف بِالْعَزِيزِ فَقَدْ وُصِفَ بِهِ الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى : " وَإِنَّهُ لَكِتَاب عَزِيز . لَا يَأْتِيه الْبَاطِل مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفه " [ فُصِّلَتْ : 41 - 42 ] فَهَذِهِ عِزَّته وَلَيْسَتْ لِأَحَدٍ إِلَّا لَهُ , فَاجْتَنِبُوهَا فِي كُتُبكُمْ , وَاجْعَلُوا بَدَلهَا الْعَالِي ; تَوْفِيَة لِحَقِّ الْوِلَايَة , وَحِيَاطَة لِلدِّيَانَةِ ; قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ .

كَانَ رَسْم الْمُتَقَدِّمِينَ إِذَا كَتَبُوا أَنْ يَبْدَءُوا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ فُلَان إِلَى فُلَان , وَبِذَلِكَ جَاءَتْ الْآثَار . وَرَوَى الرَّبِيع عَنْ أَنَس قَالَ : مَا كَانَ أَحَد أَعْظَم حُرْمَة مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَكَانَ أَصْحَابه إِذَا كَتَبُوا بَدَءُوا بِأَنْفُسِهِمْ . وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَهْل فَارِس إِذَا كَتَبُوا بَدَءُوا بِعُظَمَائِهِمْ فَلَا يَبْدَأ الرَّجُل إِلَّا بِنَفْسِهِ ) قَالَ أَبُو اللَّيْث فِي كِتَاب " الْبُسْتَان " لَهُ : وَلَوْ بَدَأَ بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ لَجَازَ ; لِأَنَّ الْأُمَّة قَدْ اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ وَفَعَلُوهُ لِمَصْلَحَةٍ رَأَوْا فِي ذَلِكَ , أَوْ نَسْخ مَا كَانَ مِنْ قَبْل ; فَالْأَحْسَن فِي زَمَاننَا هَذَا أَنْ يَبْدَأ بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ , ثُمَّ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّ الْبِدَايَة بِنَفْسِهِ تُعَدّ مِنْهُ اِسْتِخْفَافًا بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَتَكَبُّرًا عَلَيْهِ ; إِلَّا أَنْ يَكْتُب إِلَى عَبْد مِنْ عَبِيده , أَوْ غُلَام مِنْ غِلْمَانه .

وَإِذَا وَرَدَ عَلَى إِنْسَان كِتَاب بِالتَّحِيَّةِ أَوْ نَحْوهَا يَنْبَغِي أَنْ يَرُدّ الْجَوَاب ; لِأَنَّ الْكِتَاب مِنْ الْغَائِب كَالسَّلَامِ مِنْ الْحَاضِر . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَرَى رَدّ الْكِتَاب وَاجِبًا كَمَا يَرَى رَدّ السَّلَام . وَاَللَّه أَعْلَم .

اِتَّفَقُوا عَلَى كَتْب " بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " فِي أَوَّل الْكُتُب وَالرَّسَائِل , وَعَلَى خَتْمهَا ; لِأَنَّهُ أَبْعَد مِنْ الرِّيبَة , وَعَلَى هَذَا جَرَى الرَّسْم , وَبِهِ جَاءَ الْأَثَر عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّهُ قَالَ : أَيّمَا كِتَاب لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا فَهُوَ أَغْلَف . وَفِي الْحَدِيث : ( كَرَم الْكِتَاب خَتْمه ) . وَقَالَ بَعْض الْأُدَبَاء ; هُوَ اِبْن الْمُقَفَّع : مَنْ كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ كِتَابًا وَلَمْ يَخْتِمهُ فَقَدْ اِسْتَخَفَّ بِهِ ; لِأَنَّ الْخَتْم خَتْم . وَقَالَ أَنَس : لَمَّا أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُب إِلَى الْعَجَم فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ إِلَّا كِتَابًا عَلَيْهِ خَتْم ; فَاصْطَنِعْ خَاتَمًا وَنَقَشَ عَلَى فَصّه ( لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه ) وَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيصه وَبَيَاضه فِي كَفّه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح العقيدة الأصفهانية

    شرح العقيدة الأصفهانية: عبارة عن شرح لشيخ الإسلام على رسالة الإمام الأصفهاني في العقيدة، وبيان ما ينبغي مخالفته من أقوال المتكلمين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1913

    التحميل:

  • خواطر

    خواطر: قال المؤلف - حفظه الله -: «فإن للكتابة والتأليف - على وجه العموم - لذةً أي لذة، كما أن في ذلك مشقة ومعاناة وكُلفة؛ إذ القريحة لا تُواتيك على كل حال؛ فتارةً تتوارد عليك الأفكار، وتتزاحم لديك الخواطر، فتسمو إليك سموَّ النفَس، وتهجم عليك هجومَ الليل إذا يغشَى. وتارةً يتبلَّد إحساسُك، وتجمُد قريحتُك، ويكون انتزاع الفكرة أشدَّ عليك من قلع الضرس. وهذه الخواطر كُتبت في أحوال متنوعة؛ فبعضُها كُتب في السفر، وبعضها في الحضر، وبعضها في الليل، وبعضها في النهار، وبعضها في الشتاء، وبعضها في الصيف ..».

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355724

    التحميل:

  • العهد والميثاق في القرآن الكريم

    العهد والميثاق في القرآن الكريم: في كتاب الله تعالى كثُرت الآيات التي وردت في قضية العهد والميثاق، وشملت جميع العصور والأزمنة، وقد جاء هذا البحث شاملاً للكلام عن هذه المسألة، وقد قسَّمه الشيخ - حفظه الله - إلى أربعة مباحث وخاتمة.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337115

    التحميل:

  • رمضان دروس وعبر تربية وأسرار

    يتناول هذا الكتاب الأسرار، والدروس، والعبر، والآثار التي تدرك بالصوم، وتحصل من جرائه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172676

    التحميل:

  • مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها

    يشتمل هذا الكتاب على:- * العـقيدة: تعريفها، ومفهومها الصحيح، وأهل السنة والجماعة وتعريفهم. * عـقيدة التوحيد - على الخصوص - التي هي دين الرسل والغاية من خلق الجن والإنس، وأن توحيد العبادة ( الألوهية ) هو الغاية الأولى، والقضية الكبرى بين الرسل والمصلحين وخصومهم، وعن تاريخ عقيدة التوحيد هذه، ومنزلتها في الرسالات عموماً، ورسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - على الخصوص. * مصادر العـقيدة عند أهل السنة، وخصائصها وسماتها. * موجز لاعتقاد أهل السنة والجماعة، وحقيقة انتماء الفِرَق إليه، ومستلزمات دعوى الانتساب لأهل السنة والجماعة، وحقيقة هذه الدعوى عند الأشاعرة - بخاصة - مع محاولة الدلالة على أهل السنة من خلال صفاتهم الشرعية في المسلمين اليوم. * عرض نقدي عام لمواقف ظهرت عن بعض الدعاة والدعوات والحركات الإصلاحية - القائمة اليوم - التي تحمل شعار الإسلام; تجاه عقيدة أهل السنة والجماعة، علماً وعملاً وقولاً واعتقاداً، مع بيان الآثار المترتبة على مجانبة عقيدة السلف، أو التساهل فيها أو الجهل بها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2474

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة