Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النمل - الآية 23

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) (النمل) mp3
لَمَّا قَالَ الْهُدْهُد : " جِئْتُك مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِين " قَالَ سُلَيْمَان : وَمَا ذَلِكَ الْخَبَر ؟ قَالَ : " إِنِّي وَجَدْت اِمْرَأَة تَمْلِكهُمْ " يَعْنِي بِلْقِيس بِنْت شَرَاحِيل تَمْلِك أَهْل سَبَإٍ . وَيُقَال : كَيْف وَخَفِيَ عَلَى سُلَيْمَان مَكَانهَا وَكَانَتْ الْمَسَافَة بَيْن مَحَطّه وَبَيْن بَلَدهَا قَرِيبَة , وَهِيَ مِنْ مَسِيرَة ثَلَاث بَيْن صَنْعَاء وَمَأْرِب ؟ وَالْجَوَاب أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْفَى ذَلِكَ عَنْهُ لِمَصْلَحَةٍ , كَمَا أَخْفَى عَلَى يَعْقُوب مَكَان يُوسُف . وَيُرْوَى أَنَّ أَحَد أَبَوَيْهَا كَانَ مِنْ الْجِنّ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا أَمْر تُنْكِرهُ الْمُلْحِدَة , وَيَقُولُونَ : الْجِنّ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَلِدُونَ ; كَذَبُوا لَعَنَهُمْ اللَّه أَجْمَعِينَ ; ذَلِكَ صَحِيح وَنِكَاحهمْ جَائِز عَقْلًا فَإِنْ صَحَّ نَقْلًا فَبِهَا وَنِعْمَتْ .

قُلْت : خَرَّجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ وَفْد مِنْ الْجِنّ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد اِنْهَ أُمَّتك أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَة أَوْ جُمْجُمَة فَإِنَّ اللَّه جَاعِل لَنَا فِيهَا رِزْقًا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم : فَقَالَ : ( لَكُمْ كُلّ عَظْم ذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ يَقَع فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَر مَا يَكُون لَحْمًا وَكُلّ بَعْرَة عَلَف لِدَوَابِّكُمْ ) فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَام إِخْوَانكُمْ الْجِنّ ) وَفِي الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ فَقُلْت : مَا بَال الْعَظْم وَالرَّوْثَة ؟ فَقَالَ : " هُمَا مِنْ طَعَام الْجِنّ وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْد جِنّ نَصِيبِين وَنِعْمَ الْجِنّ فَسَأَلُونِي الزَّاد فَدَعَوْت اللَّه تَعَالَى أَلَّا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثَة إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا ) وَهَذَا كُلّه نَصّ فِي أَنَّهُمْ يَطْعَمُونَ . وَأَمَّا نِكَاحهمْ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي " الْإِسْرَاء " عِنْد قَوْله : " وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد " [ الْإِسْرَاء : 64 ] . وَرَوَى وُهَيْب بْن جَرِير بْن حَازِم عَنْ الْخَلِيل بْن أَحْمَد عَنْ عُثْمَان بْن حَاضِر قَالَ : كَانَتْ أُمّ بِلْقِيس مِنْ الْجِنّ يُقَال لَهَا بَلْعَمَة بِنْت شيصان . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

رَوَى الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أَهْل فَارِس قَدْ مَلَّكُوا بِنْت كِسْرَى قَالَ : ( لَنْ يُفْلِح قَوْم وَلَّوْا أَمْرهمْ اِمْرَأَة ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : هَذَا نَصّ فِي أَنَّ الْمَرْأَة لَا تَكُون خَلِيفَة وَلَا خِلَاف فِيهِ ; وَنُقِلَ عَنْ مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ أَنَّهُ يَجُوز أَنْ تَكُون الْمَرْأَة قَاضِيَة , وَلَمْ يَصِحّ ذَلِكَ عَنْهُ , وَلَعَلَّهُ نُقِلَ عَنْهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّهَا إِنَّمَا تَقْضِي فِيمَا تَشْهَد فِيهِ وَلَيْسَ بِأَنْ تَكُون قَاضِيَة عَلَى الْإِطْلَاق ; وَلَا بِأَنْ يُكْتَب لَهَا مَسْطُور بِأَنَّ فُلَانَة مُقَدَّمَة عَلَى الْحُكْم , وَإِنَّمَا سَبِيل ذَلِكَ التَّحْكِيم وَالِاسْتِنَابَة فِي الْقَضِيَّة الْوَاحِدَة , وَهَذَا هُوَ الظَّنّ بِأَبِي حَنِيفَة وَابْن جَرِير . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَدَّمَ اِمْرَأَة عَلَى حِسْبَة السُّوق . وَلَمْ يَصِحّ فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ , فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ دَسَائِس الْمُبْتَدِعَة فِي الْأَحَادِيث . وَقَدْ تَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الطَّيِّب الْمَالِكِيّ الْأَشْعَرِيّ مَعَ أَبِي الْفَرَج بْن طَرَار شَيْخ الشَّافِعِيَّة , فَقَالَ أَبُو الْفَرَج : الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة يَجُوز أَنْ تَحْكُم أَنَّ الْغَرَض مِنْ الْأَحْكَام تَنْفِيذ الْقَاضِي لَهَا , وَسَمَاع الْبَيِّنَة عَلَيْهَا , وَالْفَصْل بَيْن الْخُصُوم فِيهَا , وَذَلِكَ مُمْكِن مِنْ الْمَرْأَة كَإِمْكَانِهِ مِنْ الرَّجُل . فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَنَقَضَ كَلَامه بِالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى ; فَإِنَّ الْغَرَض مِنْهُ حِفْظ الثُّغُور , وَتَدْبِير الْأُمُور وَحِمَايَة الْبَيْضَة , وَقَبْض الْخَرَاج وَرَدَّهُ عَلَى مُسْتَحِقّه , وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى مِنْ الْمَرْأَة كَتَأَتِّيه مِنْ الرَّجُل . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَلَيْسَ كَلَام الشَّيْخَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة بِشَيْءٍ ; فَإِنَّ الْمَرْأَة لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا أَنْ تَبْرُز إِلَى الْمَجْلِس , وَلَا تُخَالِط الرِّجَال , وَلَا تُفَاوِضهُمْ مُفَاوَضَة النَّظِير لِلنَّظِيرِ ; لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ فَتَاة حَرُمَ النَّظَر إِلَيْهَا وَكَلَامهَا , وَإِنْ كَانَتْ بَرْزَة لَمْ يَجْمَعهَا وَالرِّجَال مَجْلِس وَاحِد تَزْدَحِم فِيهِ مَعَهُمْ , وَتَكُون مُنَاظِرَة لَهُمْ ; وَلَنْ يُفْلِح قَطُّ مَنْ تَصَوَّرَ هَذَا وَلَا مَنْ اِعْتَقَدَهُ .

مُبَالَغَة ; أَيْ مِمَّا تَحْتَاجهُ الْمَمْلَكَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء فِي زَمَانهَا شَيْئًا فَحُذِفَ الْمَفْعُول ; لِأَنَّ الْكَلَام دَلَّ عَلَيْهِ .

أَيْ سَرِير ; وَوَصَفَهُ بِالْعِظَمِ فِي الْهَيْئَة وَرُتْبَة السُّلْطَان . قِيلَ : كَانَ مِنْ ذَهَب تَجْلِس عَلَيْهِ . وَقِيلَ : الْعَرْش هُنَا الْمُلْك ; وَالْأَوَّل أَصَحّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا " [ النَّمْل : 38 ] . الزَّمَخْشَرِيّ : فَإِنْ قُلْت كَيْف سَوَّى الْهُدْهُد بَيْن عَرْش بِلْقِيس وَعَرْش اللَّه فِي الْوَصْف بِالْعَظِيمِ ؟

قُلْت : بَيْن الْوَصْفَيْنِ بَوْن عَظِيم ; لِأَنَّ وَصْف عَرْشهَا بِالْعَظِيمِ تَعْظِيم لَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى عُرُوش أَبْنَاء جِنْسهَا مِنْ الْمُلُوك , وَوَصْف عَرْش اللَّه بِالْعَظِيمِ تَعْظِيم لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا خَلَقَ مِنْ السَّمَوَات وَالْأَرْض . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ طُول عَرْشهَا ثَمَانِينَ ذِرَاعًا , وَعَرْضه أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا , وَارْتِفَاعه فِي السَّمَاء ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا , مُكَلَّل بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوت الْأَحْمَر , وَالزَّبَرْجَد الْأَخْضَر . قَتَادَة : وَقَوَائِمه لُؤْلُؤ وَجَوْهَر , وَكَانَ مُسَتَّرًا بِالدِّيبَاجِ وَالْحَرِير , عَلَيْهِ سَبْعَة مَغَالِيق . مُقَاتِل : كَانَ ثَمَانِينَ ذِرَاعًا فِي ثَمَانِينَ ذِرَاعًا , وَارْتِفَاعه مِنْ الْأَرْض ثَمَانُونَ ذِرَاعًا , وَهُوَ مُكَلَّل بِالْجَوَاهِرِ . اِبْن إِسْحَاق : وَكَانَ يَخْدُمهَا النِّسَاء , وَكَانَ مَعَهَا لِخِدْمَتِهَا سِتّمِائَةِ اِمْرَأَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاللَّازِم مِنْ الْآيَة أَنَّهَا اِمْرَأَة مُلِّكَتْ عَلَى مَدَائِن الْيَمَن , ذَات مُلْك عَظِيم , وَسَرِير عَظِيم , وَكَانَتْ كَافِرَة مِنْ قَوْم كُفَّار .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • في رحاب الإسلام

    في رحاب الإسلام: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه مجموعةٌ من الموضوعات الإسلامية تتعلَّق بالدعوة إلى إصلاحِ الفردِ المُسلمِ، رأيتُ أن أُقدِّمها لإخواني المُسلمين؛ رجاء تحقيقِ الهدفين التاليين: أولاً: رجاء أن ينتفِع بها المُسلِمون .. ثانيًا: رجاء أن ينفعني الله تعالى بذلك يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384413

    التحميل:

  • البدع الحولية

    البدع الحولية : بحث يتطرق للبدع التي تحدث في كل شهر من شهور السنة الهجرية، مع ذكر البدع التي تلقاها المسلمون من الأمم الأخرى، من إعداد عبد الله بن عبد العزيز بن أحمد التويجري، وهذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قسم العقيدة، ومنح درجة الماجستير بتقدير ممتاز عام 1406هـ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/44577

    التحميل:

  • كتاب الإيمان

    كتاب الإيمان: كتابٌ احتوى على: نعت الإيمان في استكماله ودرجاته، والاستثناء في الإيمان، والزيادة في الإيمان والانتقاص منه، وتسمية الإيمان بالقول دون العمل، ومن جعل الإيمان المعرفة بالقلب وان لم يكن عمل، وذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولاً بلا عمل، وما نهوا عنه من مجالستهم، والخروج من الإيمان بالمعاصي، ثم ختم كتابه بذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2127

    التحميل:

  • منهاج المسلم

    منهاج المسلم : كتاب عقائد وآداب وأخلاق وعبادات ومعاملات. قال عنه مصنفه - حفظه الله -: « وها هو الكتاب يقدم إلى الصالحين من إخوة الإسلام في كل مكان، يقدم كتاباً ولو لم أكن مؤلفه وجامعه لوصفته بما عساه أن يزيد في قيمته، ويكثر من الرغبة فيه، والإقبال عليه، ولكن حسبي من ذلك ما أعتقد فيه: أنه كتاب المسلم الذي لا ينبغي أن يخلو منه بيت مسلم ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2427

    التحميل:

  • مكانة الدعوة إلى الله وأسس دعوة غير المسلمين

    مكانة الدعوة إلى الله وأسس دعوة غير المسلمين: كتابٌ بيَّن فيه المؤلف - حفظه الله - أهمية الدعوة إلى الله تعالى; ومكانتها; والأسس والضوابط التي ينبغي أن يسير عليها الدعاة في دعوتهم غير المسلمين إلى الإسلام.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316783

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة