Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النمل - الآية 22

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) (النمل) mp3
أَيْ الْهُدْهُد . وَالْجُمْهُور مِنْ الْقُرَّاء عَلَى ضَمّ الْكَاف , وَقَرَأَ عَاصِم وَحْده بِفَتْحِهَا . وَمَعْنَاهُ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ أَقَامَ . قَالَ سِيبَوَيْهِ : مَكَثَ يَمْكُث مُكُوثًا كَمَا قَالُوا قَعَدَ يَقْعُد قُعُودًا . قَالَ : وَمَكَثَ مِثْل ظَرُفَ . قَالَ غَيْره : وَالْفَتْح أَحْسَن لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَاكِثِينَ " [ الْكَهْف : 3 ] إِذْ هُوَ مِنْ مَكَثَ ; يُقَال : مَكَثَ يَمْكُث فَهُوَ مَاكِث ; وَمَكُثَ يَمْكُث مِثْل عَظُمَ يَعْظُم فَهُوَ مَكِيث ; مِثْل عَظِيم . وَمَكُثَ يَمْكُث فَهُوَ مَاكِث ; مِثْل حَمُضَ يَحْمُض فَهُوَ حَامِض . وَالضَّمِير فِي " مَكَثَ " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِسُلَيْمَانَ ; وَالْمَعْنَى : بَقِيَ سُلَيْمَان بَعْد التَّفَقُّد وَالْوَعِيد غَيْر طَوِيل أَيْ غَيْر وَقْت طَوِيل . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلْهُدْهُدِ وَهُوَ الْأَكْثَر . فَجَاءَ : " فَقَالَ أَحَطْت بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ "

وَهِيَ : أَيْ عَلِمْت مَا لَمْ تَعْلَمهُ مِنْ الْأَمْر فَكَانَ فِي هَذَا رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَنْبِيَاء تَعْلَم الْغَيْب . وَحَكَى الْفَرَّاء " أَحَطّ " يُدْغِم التَّاء فِي الطَّاء . وَحَكَى " أَحَتّ " بِقَلْبِ الطَّاء تَاء وَتُدْغَم .

أَعْلَمَ سُلَيْمَان مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمهُ , وَدَفَعَ عَنْ نَفْسه مَا تَوَعَّدَهُ مِنْ الْعَذَاب وَالذَّبْح . وَقَرَأَ الْجُمْهُور : " سَبَإٍ " بِالصَّرْفِ . وَابْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو : " سَبَأ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَتَرَكَ الصَّرْف ; فَالْأَوَّل عَلَى أَنَّهُ اِسْم رَجُل نُسِبَ إِلَيْهِ قَوْم , وَعَلَيْهِ قَوْل الشَّاعِر : ش الْوَارِدُونَ وَتَيْم فِي ذُرَى سَبَإٍ /و قَدْ عَضَّ أَعْنَاقهمْ جِلْد الْجَوَامِيس وَأَنْكَرَ الزَّجَّاج أَنْ يَكُون اِسْم رَجُل , وَقَالَ " سَبَأ " اِسْم مَدِينَة تُعْرَف بِمَأْرِبَ بِالْيَمَنِ بَيْنهَا وَبَيْن صَنْعَاء مَسِيرَة ثَلَاثَة أَيَّام .

قُلْت : وَقَعَ فِي عُيُون الْمَعَانِي لَلْغَزْنَوِيّ ثَلَاثَة أَمْيَال . قَتَادَة وَالسُّدِّيّ بُعِثَ إِلَيْهِ اِثْنَا عَشَر نَبِيًّا . وَأَنْشَدَ لِلنَّابِغَةِ الْجَعْدِيّ : مِنْ سَبَأ الْحَاضِرِينَ مَأْرِب إِذْ /و يَبْنُونَ مِنْ دُون سَيْله الْعَرِمَا ش قَالَ : فَمَنْ لَمْ يَصْرِف قَالَ إِنَّهُ اِسْم مَدِينَة , وَمَنْ صَرَفَ وَهُوَ الْأَكْثَر فَلِأَنَّهُ اِسْم الْبَلَد فَيَكُون مُذَكَّرًا سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّر . وَقِيلَ : اِسْم اِمْرَأَة سُمِّيَتْ بِهَا الْمَدِينَة . وَالصَّحِيح أَنَّهُ اِسْم رَجُل , كَذَلِكَ فِي كِتَاب التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث فَرْوَة بْن مُسَيْك الْمُرَادِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَخَفِيَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى الزَّجَّاج فَخَبَطَ عَشْوَاء . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الرُّؤَاسِيّ سَأَلَ أَبَا عَمْرو بْن الْعَلَاء عَنْ سَبَإٍ فَقَالَ : مَا أَدْرِي مَا هُوَ . قَالَ النَّحَّاس : وَتَأَوَّلَ الْفَرَّاء عَلَى أَبِي عَمْرو أَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ الصَّرْف لِأَنَّهُ مَجْهُول , وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْرَف الشَّيْء لَمْ يَنْصَرِف . وَقَالَ النَّحَّاس : وَأَبُو عَمْرو أَجَلّ مِنْ أَنْ يَقُول مِثْل هَذَا , وَلَيْسَ فِي حِكَايَة الرُّؤَاسِيّ عَنْهُ دَلِيل أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ الصَّرْف لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفهُ , وَإِنَّمَا قَالَ لَا أَعْرِفهُ , وَلَوْ سُئِلَ نَحْوِيّ عَنْ اِسْم فَقَالَ لَا أَعْرِفهُ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَمْنَعهُ مِنْ الصَّرْف , بَلْ الْحَقّ عَلَى غَيْر هَذَا ; وَالْوَاجِب إِذَا لَمْ يَعْرِفهُ أَنْ يَصْرِفهُ ; لِأَنَّ أَصْل الْأَسْمَاء الصَّرْف ; وَإِنَّمَا يُمْنَع الشَّيْء مِنْ الصَّرْف لِعِلَّةٍ دَاخِلَة عَلَيْهِ ; فَالْأَصْل ثَابِت بِيَقِينٍ فَلَا يَزُول بِمَا لَا يُعْرَف . وَذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا عَنْ النُّحَاة وَقَالَ فِي آخِره : وَالْقَوْل فِي " سَبَإٍ " مَا جَاءَ التَّوْقِيف فِيهِ أَنَّهُ فِي الْأَصْل اِسْم رَجُل , فَإِنْ صَرَفْته فَلِأَنَّهُ قَدْ صَارَ اِسْمًا لِلْحَيِّ , وَإِنْ لَمْ تَصْرِفهُ جَعَلْته اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ مِثْل ثَمُود إِلَّا أَنَّ الِاخْتِيَار عِنْد سِيبَوَيْهِ الصَّرْف وَحُجَّته فِي ذَلِكَ قَاطِعَة ; لِأَنَّ هَذَا الِاسْم لَمَّا كَانَ يَقَع لَهُ التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث كَانَ التَّذْكِير أَوْلَى ; لِأَنَّهُ الْأَصْل وَالْأَخَفّ .

وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّغِير يَقُول لِلْكَبِيرِ وَالْمُتَعَلِّم لِلْعَالِمِ عِنْدِي مَا لَيْسَ عِنْدك إِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ وَتَيَقَّنَهُ . هَذَا عُمَر بْن الْخَطَّاب مَعَ جَلَالَته رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَعِلْمه لَمْ يَكُنْ عِنْده عِلْم بِالِاسْتِئْذَانِ . وَكَانَ عِلْم التَّيَمُّم عِنْد عَمَّار وَغَيْره , وَغَابَ عَنْ عُمَر وَابْن مَسْعُود حَتَّى قَالَا : لَا يَتَيَمَّم الْجُنُب . وَكَانَ حُكْم الْإِذْن فِي أَنْ تَنْفِر الْحَائِض عِنْد اِبْن عَبَّاس وَلَمْ يَعْلَمهُ عُمَر وَلَا زَيْد بْن ثَابِت . وَكَانَ غَسْل رَأْس الْمُحْرِم مَعْلُومًا عِنْد اِبْن عَبَّاس وَخَفِيَ عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة . وَمِثْله كَثِير فَلَا يَطُول بِهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الاستغفار وثمراته العاجلة والآجلة

    الاستغفار وثمراته العاجلة والآجلة : رسالة مختصرة تحتوي على بيان أنواع الاستغفار، شروط قبول الاستغفار، فوائد الاستغفار وثمراته، أهمية الإكثار من الاستغفار، مواضع الاستغفار، صيغ الاستغفار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66740

    التحميل:

  • الأنفاس الأخيرة

    الأنفاس الأخيرة: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الله - عز وجل - جعل هذه الدنيا دار ممر لا دار مقر وجعل بعدها الحساب والجزاء، ولما كان آخر أنفاسنا من هذه الدنيا هي ساعة الاحتضار وما يلاقيه المحتضر من شدة وكرب فإن الكيس الفطن هو من يرى كيف مر الموقف بغيره؟ وكيف تغشى أحبته؟ وماذا جرى لهم لكي يستعد ويتجهز ويكون على أُهبة لملاقاة الموت؟ وقد انتقيت للأخ الحبيب مجموعة من تلك المواقف المختلفة ابتداءً بنبي الأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومرورًا بالصحابة والسلف ليكون على بصيرة فينظر موضع قدمه ونهاية أنفاسه .. وهي صور فيها خوف ووجل ولكنها عبرة لمن اعتبر وإيقاظ لمن غفل. وهذا الكتاب هو «الثاني عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» أخذت أصله من كتابي «لحظات ساكنة» بناءً على طلب بعض الإخوة».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208940

    التحميل:

  • الرد علي الشاذلي في حزبيه وما صنفه من آداب الطريق

    هذه الرسالة رد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه من آداب الطريق.

    المدقق/المراجع: علي بن محمد العمران

    الناشر: مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273063

    التحميل:

  • منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية

    منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية : هذا الكتاب من أعظم كتب الإمام المجاهد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - رحمه الله -، قد رد فيه على شبه الرافضة، وبين فيه بطلان مذهبهم، وشباب الاسلام اليوم بأمس الحاجة إلى قراءة هذا الكتاب، ومعرفة محتواه؛ حيث أطل الرفض على كل بلد من بلاد الإسلام، وغيرها بوجهه الكريه، وكشر عن أنيابه الكالحة، وألقى حبائله أمام من لا يعرف حقيقته، مظهرا غير مبطن ديدن كل منافق مفسد ختال؛ فاغتر به من يجهل حقيقته، ممن لم يقرأ مثل هذا الكتاب.

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272828

    التحميل:

  • الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى

    الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى: بين المؤلف - حفظه الله - في هذا الكتاب مفهوم الحكمة الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى وأنواعها، ودرجاتها، وأركـانها التي تقوم عليها، ومعاول هدمها، وطرق ومسالك اكتسابها، ومواقف الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، التي أعز الله بها الإسلام وأهله، وأذل بها الكفر والعصيان والنفاق وأعوانها، وحكمة القول مع أصناف المدعوين على اختلاف عقائدهم وعقولهم وإدراكاتهم ومنازلهم، وحكمة القوة الفعلية مع المدعوين: الكفار، ثم عصاة المسلمين.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/276139

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة