Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النمل - الآية 17

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) (النمل) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ " " حُشِرَ " جُمِعَ وَالْحَشْر الْجَمْع وَمِنْهُ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِر مِنْهُمْ أَحَدًا " [ الْكَهْف : 47 ] وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي مِقْدَار جُنْد سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام ; فَيُقَال : كَانَ مُعَسْكَره مِائَة فَرْسَخ فِي مِائَة : خَمْسَة وَعِشْرُونَ لِلْجِنِّ , وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ لِلْإِنْسِ , وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ لِلطَّيْرِ , وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ لِلْوَحْشِ , وَكَانَ لَهُ أَلْف بَيْت مِنْ قَوَارِير عَلَى الْخَشَب فِيهَا ثَلَاثمِائَةِ مَنْكُوحَة وَسَبْعمِائَةِ سَرِيَّة . اِبْن عَطِيَّة : وَاخْتُلِفَ فِي مُعَسْكَره وَمِقْدَار جُنْده اِخْتِلَافًا شَدِيدًا غَيْر أَنَّ الصَّحِيح أَنَّ مُلْكه كَانَ عَظِيمًا مَلَأَ الْأَرْض , وَانْقَادَتْ لَهُ الْمَعْمُورَة كُلّهَا . " فَهُمْ يُوزَعُونَ " مَعْنَاهُ يُرَدّ أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهمْ وَيُكَفُّونَ . قَالَ قَتَادَة : كَانَ لِكُلِّ صِنْف وَزَعَة فِي رُتْبَتهمْ وَمَوَاضِعهمْ مِنْ الْكُرْسِيّ وَمِنْ الْأَرْض إِذَا مَشَوْا فِيهَا . يُقَال : وَزِعْته أَوْزَعَهُ وَزَعًا أَيْ كَفَفْته . وَالْوَازِع فِي الْحَرْب الْمُوَكَّل بِالصُّفُوفِ يَزَع مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ . رَوَى مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر قَالَتْ : لَمَّا وَقَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي طُوَى - تَعْنِي يَوْم الْفَتْح - قَالَ أَبُو قُحَافَة وَقَدْ كُفَّ بَصَره يَوْمئِذٍ لِابْنَتِهِ : اِظْهَرِي بِي عَلَى أَبِي قُبَيْس . قَالَتْ : فَأَشْرَفَتْ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَا تَرَيْنَ ؟ قَالَتْ : أَرَى سَوَادًا مُجْتَمِعًا . قَالَ : تِلْكَ الْخَيْل . قَالَتْ : وَأَرَى رَجُلًا مِنْ السَّوَاد مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا . قَالَ : ذَلِكَ الْوَازِع يَمْنَعهَا أَنْ تَنْتَشِر . وَذَكَرَ تَمَام الْخَبَر . وَمِنْ هَذَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَا رُئِيَ الشَّيْطَان يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَر وَلَا أَدْحَر وَلَا أَحْقَر وَلَا أَغْيَظ مِنْهُ فِي يَوْم عَرَفَة وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّل الرَّحْمَة وَتَجَاوُز اللَّه عَنْهُ الذُّنُوب الْعِظَام إِلَّا مَا رَأَى يَوْم بَدْر ) قِيلَ : وَمَا رَأَى يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( أَمَا أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيل يَزَع الْمَلَائِكَة ) خَرَّجَهُ الْمُوَطَّأ . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل النَّابِغَة : عَلَى حِين عَاتَبْت الْمَشِيب عَلَى الصِّبَا وَقُلْت أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْب وَازِع آخَر : وَلَمَّا تَلَاقَيْنَا جَرَتْ مِنْ جُفُوننَا دُمُوع وَزَعْنَا غَرْبهَا بِالْأَصَابِعِ آخَر : ش وَلَا يَزَع النَّفْس اللَّجُوج عَنْ الْهَوَى /و مِنْ النَّاس إِلَّا وَافِر الْعَقْل كَامِله ش وَقِيلَ : هُوَ مِنْ التَّوْزِيع بِمَعْنَى التَّفْرِيق . وَالْقَوْم أَوْزَاع أَيْ طَوَائِف . وَفِي الْقِصَّة : إِنَّ الشَّيَاطِين نَسَجَتْ لَهُ بِسَاطًا فَرْسَخًا فِي فَرْسَخ ذَهَبًا فِي إِبْرَيْسِم , وَكَانَ يُوضَع لَهُ كُرْسِيّ مِنْ ذَهَب وَحَوْله ثَلَاثَة آلَاف كُرْسِيّ مِنْ ذَهَب وَفِضَّة فَيَقْعُد الْأَنْبِيَاء عَلَى كَرَاسِيّ الذَّهَب , وَالْعُلَمَاء عَلَى كَرَاسِيّ الْفِضَّة .

الثَّانِيَة : فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى اِتِّخَاذ الْإِمَام وَالْحُكَّام وَزَعَة يَكُفُّونَ النَّاس وَيَمْنَعُونَهُمْ مِنْ تَطَاوُل بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ; إِذْ لَا يُمْكِن الْحُكَّام ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ . وَقَالَ اِبْن عَوْن : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول وَهُوَ فِي مَجْلِس قَضَائِهِ لَمَّا رَأَى مَا يَصْنَع النَّاس قَالَ : وَاَللَّه مَا يَصْلُح هَؤُلَاءِ النَّاس إِلَّا وَزَعَة . وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : لَا بُدّ لِلنَّاسِ مِنْ وَازِع ; أَيْ مِنْ سُلْطَان يَكُفّهُمْ . وَذَكَرَ اِبْن الْقَاسِم قَالَ حَدَّثَنَا مَالِك أَنَّ عُثْمَان بْن عَفَّان كَانَ يَقُول : مَا يَزَع الْإِمَام أَكْثَر مِمَّا يَزَع الْقُرْآن ; أَيْ مِنْ النَّاس . قَالَ اِبْن الْقَاسِم : قُلْت لِمَالِكٍ مَا يَزَع ؟ قَالَ : يَكُفّ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ جَهِلَ قَوْم الْمُرَاد بِهَذَا الْكَلَام , فَظَنُّوا أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قُدْرَة السُّلْطَان تَرْدَع النَّاس أَكْثَر مِمَّا تَرْدَعهُمْ حُدُود الْقُرْآن وَهَذَا جَهْل بِاَللَّهِ وَحِكْمَته . قَالَ : فَإِنَّ اللَّه مَا وَضَعَ الْحُدُود إِلَّا مَصْلَحَة عَامَّة كَافَّة قَائِمَة لِقِوَامِ الْخَلْق , لَا زِيَادَة عَلَيْهَا , وَلَا نُقْصَان مَعَهَا , وَلَا يَصْلُح سِوَاهَا , وَلَكِنَّ الظَّلَمَة خَاسُوا بِهَا , وَقَصَّرُوا عَنْهَا , وَأَتَوْا مَا أَتَوْا بِغَيْرِ نِيَّة , وَلَمْ يَقْصِدُوا وَجْه اللَّه فِي الْقَضَاء بِهَا , فَلَمْ يَرْتَدِع الْخَلْق بِهَا , وَلَوْ حَكَمُوا بِالْعَدْلِ , وَأَخْلَصُوا النِّيَّة , لَاسْتَقَامَتْ الْأُمُور , وَصَلَحَ الْجُمْهُور .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الأدلة العقلية على صدق نبوة خير البرية صلى الله عليه وسلم

    الأدلة العقلية على صدق نبوة خير البرية : فقد جمعت في هذا الكتاب بعض أدلة صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - التي بها تتضح نبوته ويتبين صدقه الواضح في كل ما يقول وهذه الأدلة مأخوذة من سيرته وأفعاله ،وأقواله وشهادات الناس – أعداء كانوا أو موافقين- وغيرها من الأدلة العقلية. وكثير من هذه المعاني مأخوذة من كلام الذين أسلموا أو أنصفوا كما سيأتي. ثم أتبعت ذلك بمبحث التدليل على أن القرآن ليس من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وفيه أدلة عقلية أخرى على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صادق وأن القرآن من الله - تعالى - وليس منه؛ دل هذا على صدق دين الإسلام وصحته. وأتبعت هذين البحثين بملحق فيه على من أنكر معجزات انشقاق القمر.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/168868

    التحميل:

  • شبهات حول السنة

    شبهات حول السنة: هذا الكتاب إسهام كريم من العلامة الكبير الشيخ عبد الرزّاق عفيفي في نصرة السنَّة النبويَّة، كتبه قديما في تفنيد شبهات أعدائها وخصومها، فرحمه اللّه رحمة واسعة ورفع درجاته وأعلى منزلته.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2697

    التحميل:

  • الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

    الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة: يتكون هذا الكتاب من جزئين: الجزء الأول: يحتوي على 150 درسًا يوميًّا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين. الجزء الثاني: يحتوي على 100 درسًا. - قدَّم للكتاب مجموعة من المشايخ، وهم: الشيخ عبد العزيز الراجحي، والشيخ ناصر بن سليمان العمر، والشيخ سعد بن عبد الله الحُميد، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد - حفظهم الله تعالى -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/197324

    التحميل:

  • اعترافات عاشق

    اعترافات عاشق: قال المؤلف - حفظه الله -: «فهذه جلسة مع العاشقين والعاشقات .. من الشباب والفتيات .. لا لأزجرهم وأخوفهم .. وإنما لأعِدهم وأبشِّرهم .. حديثٌ إلى أولئك الشباب .. الذين أشغلوا نهارهم بملاحقة الفتيات .. في الأسواق وعند أبواب المدارس والكليات .. وأشغلوا ليلهم بالمحادثات الهاتفية .. والأسرار العاطفية .. وحديث إلى أولئك الفتيات.. اللاتي فتنت عيونهن بالنظرات.. وغرّتهن الهمسات.. فامتلأت حقائبهن بالرسائل الرقيقة.. وصور العشيق والعشيقة.. فلماذا أتحدث مع هؤلاء؟!».

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333816

    التحميل:

  • التعايش مع غير المسلمين في المجتمع المسلم

    التعايش مع غير المسلمين في المجتمع المسلم: تنتظم هذه الدراسة في تمهيد ومبحثين وخاتمة: التمهيد: وفيه أعرّف بأنواع الكافرين في بلاد المسلمين والأحكام العامة لكل منهم. المبحث الأول: وأذكر فيه حقوق غير المسلمين وضماناتهم في المجتمع المسلم، وأعرض لتطبيقات ذلك في التاريخ الإسلامي. المبحث الثاني: وأتناول فيه مسألة الجزية في الإسلام، وأبين الحق في هذه الشرعة والمقصود منها. الخاتمة: وألخص فيها أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228828

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة