Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النمل - الآية 11

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11) (النمل) mp3
فَإِنَّهُ لَا يَخَاف ; قَالَهُ الْفَرَّاء . قَالَ النَّحَّاس : اِسْتِثْنَاء مِنْ مَحْذُوف مُحَال ; لِأَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مِنْ شَيْء لَمْ يُذْكَر وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ إِنِّي لَأَضْرِب الْقَوْم إِلَّا زَيْدًا بِمَعْنَى إِنِّي لَا أَضْرِب الْقَوْم وَإِنَّمَا أَضْرِب غَيْرهمْ إِلَّا زَيْدًا ; وَهَذَا ضِدّ الْبَيَان , وَالْمَجِيء بِمَا لَا يُعْرَف مَعْنَاهُ . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَيْضًا أَنَّ بَعْض النَّحْوِيِّينَ يَجْعَل إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاو أَيْ وَلَا مَنْ ظَلَمَ ; قَالَ : وَكُلّ أَخٍ مُفَارِقه أَخُوهُ لَعَمْر أَبِيك إِلَّا الْفَرْقَدَانِ قَالَ النَّحَّاس : وَكَوْن " إِلَّا " بِمَعْنَى الْوَاو لَا وَجْه لَهُ وَلَا يَجُوز فِي شَيْء مِنْ الْكَلَام , وَمَعْنَى " إِلَّا " خِلَاف الْوَاو ; لِأَنَّك إِذَا قُلْت : جَاءَنِي إِخْوَتك إِلَّا زَيْدًا أَخْرَجْت زَيْدًا مِمَّا دَخَلَ فِيهِ الْإِخْوَة فَلَا نِسْبَة بَيْنهمَا وَلَا تَقَارُب . وَفِي الْآيَة قَوْل آخَر : وَهُوَ أَنْ يَكُون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا ; وَالْمَعْنَى إِلَّا مَنْ ظَلَمَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ بِإِتْيَانِ الصَّغَائِر الَّتِي لَا يَسْلَم مِنْهَا أَحَد , سِوَى مَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام , وَمَا ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي نَبِيّنَا عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله : " لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ " [ الْفَتْح : 2 ] ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس ; وَقَالَ : عَلِمَ اللَّه مَنْ عَصَى مِنْهُمْ يُسْر الْخِيفَة فَاسْتَثْنَاهُ فَقَالَ : " إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْد سُوء " فَإِنَّهُ يَخَاف وَإِنْ كُنْت قَدْ غُفِرَتْ لَهُ . الضَّحَّاك : يَعْنِي آدَم وَدَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَام الزَّمَخْشَرِيّ . كَاَلَّذِي فَرَطَ مِنْ آدَم وَيُونُس وَدَاوُد وَسُلَيْمَان وَإِخْوَة يُوسُف , وَمِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِوَكْزِهِ الْقِبْطِيّ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا مَعْنَى الْخَوْف بَعْد التَّوْبَة وَالْمَغْفِرَة ؟ قِيلَ لَهُ : هَذِهِ سَبِيل الْعُلَمَاء بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونُوا خَائِفِينَ مِنْ مَعَاصِيهمْ وَجِلِينَ , وَهُمْ أَيْضًا لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يَكُون قَدْ بَقِيَ مِنْ أَشْرَاط التَّوْبَة شَيْء لَمْ يَأْتُوا بِهِ , فَهُمْ يَخَافُونَ مِنْ الْمُطَالَبَة بِهِ . وَقَالَ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج : قَالَ اللَّه لِمُوسَى إِنِّي أَخَفْتُك لِقَتْلِك النَّفْس . قَالَ الْحَسَن : وَكَانَتْ الْأَنْبِيَاء تُذْنِب فَتُعَاقَب . قَالَ الثَّعْلَبِيّ وَالْقُشَيْرِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيْرهمْ : فَالِاسْتِثْنَاء عَلَى هَذَا صَحِيح ; أَيْ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ نَفْسه مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ فِيمَا فَعَلَ مِنْ صَغِيرَة قَبْل النُّبُوَّة . وَكَانَ مُوسَى خَافَ مِنْ قَتْل الْقِبْطِيّ وَتَابَ مِنْهُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُمْ بَعْد النُّبُوَّة مَعْصُومُونَ مِنْ الصَّغَائِر وَالْكَبَائِر . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " الْبَقَرَة " .

قُلْت : وَالْأَوَّل أَصَحّ لِتَنَصُّلِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقِيَامَة كَمَا فِي حَدِيث الشَّفَاعَة , وَإِذَا أَحْدَثَ الْمُقَرَّب حَدَثًا فَهُوَ وَإِنْ غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ الْحَدَث فَأَثَر ذَلِكَ الْحَدَث بَاقٍ , وَمَا دَامَ الْأَثَر وَالتُّهْمَة قَائِمَة فَالْخَوْف كَائِن لَا خَوْف الْعُقُوبَة وَلَكِنْ خَوْف الْعَظَمَة , وَالْمُتَّهَم عِنْد السُّلْطَان يَجِد لِلتُّهْمَةِ حَزَازَة تُؤَدِّيه إِلَى أَنْ يُكَدِّر عَلَيْهِ صَفَاء الثِّقَة . وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَدْ كَانَ مِنْهُ الْحَدَث فِي ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِيّ , ثُمَّ اِسْتَغْفَرَ وَأَقَرَّ بِالظُّلْمِ عَلَى نَفْسه , ثُمَّ غُفِرَ لَهُ , ثُمَّ قَالَ بَعْد الْمَغْفِرَة : " رَبّ بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " [ الْقَصَص : 17 ] ثُمَّ اُبْتُلِيَ مِنْ الْغَد بِالْفِرْعَوْنِيِّ الْآخَر وَأَرَادَ أَنْ يَبْطِش بِهِ , فَصَارَ حَدَثًا آخَر بِهَذِهِ الْإِرَادَة . وَإِنَّمَا اُبْتُلِيَ مِنْ الْغَد لِقَوْلِهِ : " فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وَتِلْكَ كَلِمَة اِقْتِدَار مِنْ قَوْله لَنْ أَفْعَل , فَعُوقِبَ بِالْإِرَادَةِ حِين أَرَادَ أَنْ يَبْطِش وَلَمْ يَفْعَل , فَسُلِّطَ عَلَيْهِ الْإِسْرَائِيلِيّ حَتَّى أَفْشَى سِرّه ; لِأَنَّ الْإِسْرَائِيلِيّ لَمَّا رَآهُ تَشَمَّرَ لِلْبَطْشِ ظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدهُ , فَأَفْشَى عَلَيْهِ فَ " قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ " [ الْقَصَص : 19 ] فَهَرَبَ الْفِرْعَوْنِيّ وَأَخْبَرَ فِرْعَوْن بِمَا أَفْشَى الْإِسْرَائِيلِيّ عَلَى مُوسَى , وَكَانَ الْقَتِيل بِالْأَمْسِ مَكْتُومًا أَمْره لَا يَدْرِي مَنْ قَتْله , فَلَمَّا عَلِمَ فِرْعَوْن بِذَلِكَ , وَجَّهَ فِي طَلَب مُوسَى لِيَقْتُلهُ , وَاشْتَدَّ الطَّلَب وَأَخَذُوا مَجَامِع الطُّرُق ; جَاءَ رَجُل يَسْعَى فَ " قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك " [ الْقَصَص : 20 ] الْآيَة . فَخَرَجَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّه . فَخَوْف مُوسَى إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْل هَذَا الْحَدَث ; فَهُوَ وَإِنْ قَرَّبَهُ وَبِهِ وَأَكْرَمَهُ وَاصْطَفَاهُ بِالْكَلَامِ فَالتُّهْمَة الْبَاقِيَة وَلَّتْ بِهِ وَلَمْ يُعَقِّب .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الرد العلمي على كتاب تذكير الأصحاب بتحريم النقاب

    رد علمي على كتاب تذكير الأصحاب بتحريم النقاب. قدم للكتاب: معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/244335

    التحميل:

  • الإصابة في فضائل وحقوق الصحابة رضي الله عنهم

    الإصابة في فضائل وحقوق الصحابة رضي الله عنهم: نبذة عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيامًا بحقهم ونصحًا للأمة بشأنهم وإشادة بفضائلهم وهداية لمن لبس عليه في أمرهم متضمنة التعريف بهم، وبيان منزلتهم وفضلهم وفضائلهم ومناقبهم، وحقهم على الأمة، وعقيدة أهل السنة والجماعة فيهم.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330349

    التحميل:

  • المغني في توجيه القراءات العشر المُتواترة

    المغني في توجيه القراءات العشر المُتواترة: هذا كتابٌ قيِّمٌ وضعَه المُصنِّف - رحمه الله - لتوجيه القراءات العشر من خلال الاعتماد على كُتب القراءات المشهورة؛ من مثل: طيبة النشر، والنشر في القراءات العشر كلاهما لابن الجزري - رحمه الله -. ويتلخَّص منهجُه في الكتاب في النقاط التالية: أولاً: جعل بين يدي كتابه عدة مباحث هامَّة لها صِلة وثيقة بموضوع الكتاب. ثانيًا: القراءات التي قام بتوجيهها هي العشر المُضمَّنة في كتاب «النشر». ثالثًا: كتب الكلمة القرآنية التي فيها أكثر من قراءة، والمطلوب توجيهها ثم يُتبِعها بجزءٍ من الآية القرآنية التي وردت الكلمة فيها، وبعد ذلك السورة ورقم الآية. رابعًا: أسندَ كل قراءةٍ إلى قارئِها. خامسًا: الرجوع في كل قراءةٍ إلى أهم المصادر، وفي مقدمة ذلك: طيبة النشر، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري، وغيرهما. سادسًا: راعى في تصنيفِ الكتاب ترتيبَ الكلمات القرآنية حسب وُرودها في سُورها. - ملاحظة: هذا هو الجزء الأول، وهو المُتوفِّر على الموقع الخاص بالشيخ - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384405

    التحميل:

  • الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    لمعة الاعتقاد : رسالة مختصرة للعلامة ابن قدامة المقدسي - رحمه الله - بين فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، والقدر، واليوم الآخر، وما يجب تجاه الصحابة، والموقف من أهل البدع، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان معانيها، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - رحمه الله - في كتابه الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد.

    الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313420

    التحميل:

  • شرح عقيدة أهل السنة والجماعة

    شرح عقيدة أهل السنة والجماعة: بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة على منهج السلف الصالح.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1952

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة