Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الفرقان - الآية 68

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) (الفرقان) mp3
إِخْرَاج لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ صِفَات الْكَفَرَة فِي عِبَادَتهمْ الْأَوْثَان , وَقَتْلهمْ النَّفْس بِوَأْدِ الْبَنَات ; وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الظُّلْم وَالِاغْتِيَال , وَالْغَارَات , وَمِنْ الزِّنَى الَّذِي كَانَ عِنْدهمْ مُبَاحًا . وَقَالَ مَنْ صَرَفَ هَذِهِ الْآيَة عَنْ ظَاهِرهَا مِنْ أَهْل الْمَعَانِي : لَا يَلِيق بِمَنْ أَضَافَهُمْ الرَّحْمَن إِلَيْهِ إِضَافَة الِاخْتِصَاص , وَذِكْرُهُمْ وَوَصْفُهُمْ مِنْ صِفَات الْمَعْرِفَة وَالتَّشْرِيف وُقُوع هَذِهِ الْأُمُور الْقَبِيحَة مِنْهُمْ حَتَّى يُمْدَحُوا بِنَفْيِهَا عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ أَعْلَى وَأَشْرَف , فَقَالَ : مَعْنَاهَا لَا يَدْعُونَ الْهَوَى إِلَهًا , وَلَا يُذِلُّونَ أَنْفُسهمْ بِالْمَعَاصِي فَيَكُون قَتْلًا لَهَا . وَمَعْنَى " إِلَّا بِالْحَقِّ " أَيْ إِلَّا بِسِكِّينِ الصَّبْر وَسَيْف الْمُجَاهَدَة فَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى نِسَاء لَيْسَتْ لَهُمْ بِمَحْرَمٍ بِشَهْوَةٍ فَيَكُون سِفَاحًا ; بَلْ بِالضَّرُورَةِ فَيَكُون كَالنِّكَاحِ . قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاس : وَهَذَا كَلَام رَائِق غَيْر أَنَّهُ عِنْد السَّبْر مَائِق . وَهِيَ نَبْعَة بَاطِنِيَّة وَنَزْعَة بَاطِلِيَّة وَإِنَّمَا صَحَّ تَشْرِيف عِبَاد اللَّه بِاخْتِصَاصِ الْإِضَافَة بَعْد أَنْ تَحَلَّوْا بِتِلْكَ الصِّفَات الْحَمِيدَة وَتَخَلَّوْا عَنْ نَقَائِض ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَاف الذَّمِيمَة , فَبَدَأَ فِي صَدْر هَذِهِ الْآيَات بِصِفَاتِ التَّحَلِّي تَشْرِيفًا لَهُمْ , ثُمَّ أَعْقَبَهَا بِصِفَاتِ التَّخَلِّي تَبْعِيدًا لَهَا ; وَاَللَّه أَعْلَم . قُلْت : وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى بُطْلَان مَا اِدَّعَاهُ هَذَا الْقَائِل مِنْ أَنَّ تِلْكَ الْأُمُور لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرهَا مَا رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , أَيّ الذَّنْب أَكْبَر عِنْد اللَّه ؟ قَالَ : ( أَنْ تَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك ) قَالَ : ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ : ( أَنْ تَقْتُل وَلَدك مَخَافَة أَنْ يَطْعَم ) قَالَ : ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ : ( أَنْ تُزَانِي حَلِيلَة جَارك ) فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى تَصْدِيقهَا : " وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا " . وَالْأَثَام فِي كَلَام الْعَرَب الْعِقَاب , وَبِهِ قَرَأَ اِبْن زَيْد وَقَتَادَة هَذِهِ الْآيَة . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : جَزَى اللَّه اِبْن عُرْوَة حَيْثُ أَمْسَى عَقُوقًا وَالْعُقُوق لَهُ أَثَام أَيْ جَزَاء وَعُقُوبَة . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَعِكْرِمَة وَمُجَاهِد : إِنَّ " أَثَامًا " وَادٍ فِي جَهَنَّم جَعَلَهُ اللَّه عِقَابًا لِلْكَفَرَةِ . قَالَ الشَّاعِر : لَقِيت الْمَهَالِك فِي حَرْبنَا وَبَعْد الْمَهَالِك تَلْقَى أَثَامًا وَقَالَ السُّدِّيّ : جَبَل فِيهَا . قَالَ : وَكَانَ مَقَامنَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ بِأَبْطَحَ ذِي الْمَجَاز لَهُ أَثَام وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل الشِّرْك قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا ; فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : إِنَّ الَّذِي تَقُول وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَن , وَهُوَ يُخْبِرنَا بِأَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَة , فَنَزَلَتْ : " وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا " . وَنَزَلَ : " يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ " [ الزُّمَر : 53 ] الْآيَة . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة , " يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا " نَزَلَتْ فِي وَحْشِيّ قَاتِل حَمْزَة ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَابْن عَبَّاس . وَسَيَأْتِي فِي " الزُّمَر " بَيَانه . قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا بِالْحَقِّ " أَيْ بِمَا يَحِقّ أَنْ تُقْتَل بِهِ النُّفُوس مِنْ كُفْر بَعْد إِيمَان أَوْ زِنًى بَعْد إِحْصَان ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْأَنْعَام " . " وَلَا يَزْنُونَ " فَيَسْتَحِلُّونَ الْفُرُوج بِغَيْرِ نِكَاح وَلَا مِلْك يَمِين . وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بَعْد الْكُفْر أَعْظَم مِنْ قَتْل النَّفْس بِغَيْرِ الْحَقّ ثُمَّ الزِّنَى ; وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي حَدّ الزِّنَا الْقَتْل لِمَنْ كَانَ مُحْصَنًا أَوْ أَقْصَى الْجَلْد لِمَنْ كَانَ غَيْر مُحْصَن .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الضلالة بعد الهدى أسبابها وعلاجها

    هذا الكتاب الذي بين يديك عبارة عن مجموعة كلمات جامعة ومواعظ نافعة تتعلق بأسباب الضلالة وموجباتها، ويتخلل ذلك أحيانا نوع من التوسع قليلا في بعض مستلزمات الموضوع كأضرار المعاصي ثم يعقب ذلك فصل مستقل عن أسباب المغفرة وقد أطال المؤلف رحمه الله تعالى النفس فيه، لأهميته وقبل الخاتمة أورد رحمه الله تعالى كلاما لأحد أهل العلم عن حلاوة الإيمان نظرا لأهمية هذا الجانب في الكلام عن مسألة الضلالة والهدى.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335006

    التحميل:

  • المقالات السنية في تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية

    المقالات السنية في تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية ورد مفتريات الفرقة الحبشية: في هذه الرسالة تفنيد لشبهات الأحباش ضد أهل السنة والجماعة، وبيان أخطائهم الفادحة في الأصول والفروع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346918

    التحميل:

  • أدب الموعظة

    أدب الموعظة: رسالة تضمَّنت تعريف الموعظة وآدابلها ومقاصدها وأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال وأفعال السلف الصالح عن ذلك.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355721

    التحميل:

  • من صور تكريم الإسلام للمرأة

    من صور تكريم الإسلام للمرأة : فهذه صفحات قليلة تتضمن صوراً من تكريم الإسلام للمرأة.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172583

    التحميل:

  • نحو منهج شرعي لتلقي الأخبار وروايتها

    نحو منهج شرعي لتلقي الأخبار وروايتها : يحتوي هذا الكتاب على الأبواب التالية: الباب الأول: آفاتٌ تفسد الأخبار. الباب الثاني: ملامح المنهج الشرعي للتعامل مع الأخبار.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205810

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة