Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الفرقان - الآية 67

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (67) (الفرقان) mp3
اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة . فَقَالَ النَّحَّاس : وَمِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَنْفَقَ فِي غَيْر طَاعَة اللَّه فَهُوَ الْإِسْرَاف , وَمَنْ أَمْسَكَ عَنْ طَاعَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ الْإِقْتَار , وَمَنْ أَنْفَقَ , فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى فَهُوَ الْقَوَام . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَنْ أَنْفَقَ مِائَة أَلْف فِي حَقّ فَلَيْسَ بِسَرَفٍ , وَمَنْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا فِي غَيْر حَقّه فَهُوَ سَرَف , وَمَنْ مَنَعَ مِنْ حَقّ عَلَيْهِ فَقَدْ قَتَرَ . وَقَالَهُ مُجَاهِد وَابْن زَيْد وَغَيْرهمَا . وَقَالَ عَوْن بْن عَبْد اللَّه : الْإِسْرَاف أَنْ تُنْفِق مَال غَيْرك . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا وَنَحْوه غَيْر مُرْتَبِط بِالْآيَةِ , وَالْوَجْه أَنْ يُقَال . إِنَّ النَّفَقَة فِي مَعْصِيَة أَمْر قَدْ حَظَرَتْ الشَّرِيعَة قَلِيله وَكَثِيره وَكَذَلِكَ التَّعَدِّي عَلَى مَال الْغَيْر , وَهَؤُلَاءِ الْمَوْصُوفُونَ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا التَّأْدِيب فِي هَذِهِ الْآيَة هُوَ فِي نَفَقَة الطَّاعَات فِي الْمُبَاحَات , فَأَدَّبَ الشَّرْع فِيهَا أَلَّا يُفَرِّط الْإِنْسَان حَتَّى يُضَيِّع حَقًّا آخَر أَوْ عِيَالًا وَنَحْو هَذَا , وَأَلَّا يُضَيِّق أَيْضًا وَيَقْتُر حَتَّى يُجِيع الْعِيَال وَيُفْرِط فِي الشُّحّ , وَالْحَسَن فِي ذَلِكَ هُوَ الْقَوَام , أَيْ الْعَدْل , وَالْقَوَام فِي كُلّ وَاحِد بِحَسَبِ عِيَاله وَحَاله , وَخِفَّة ظَهْره وَصَبْره وَجَلَده عَلَى الْكَسْب , أَوْ ضِدّ هَذِهِ الْخِصَال , وَخَيْر الْأُمُور أَوْسَاطهَا ; وَلِهَذَا تَرَكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق أَنْ يَتَصَدَّق بِجَمِيعِ مَاله ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَسَط بِنِسْبَةِ جَلَده وَصَبْره فِي الدِّين , وَمَنَعَ غَيْره مِنْ ذَلِكَ . وَنِعْمَ مَا قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ : هُوَ الَّذِي لَا يُجِيع وَلَا يُعْرِي وَلَا يُنْفِق نَفَقَة يَقُول النَّاس قَدْ أَسْرَفَ . وَقَالَ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب : هُمْ الَّذِينَ لَا يَلْبَسُونَ الثِّيَاب لِجَمَالٍ , وَلَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا لِلَذَّةِ . وَقَالَ يَزِيد أَيْضًا فِي هَذِهِ الْآيَة : أُولَئِكَ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا لِلتَّنْعِيمِ وَاللَّذَّة , وَلَا يَلْبَسُونَ ثِيَابًا لِلْجَمَالِ , وَلَكِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ مِنْ الطَّعَام مَا يَسُدّ عَنْهُمْ الْجُوع وَيُقَوِّيهِمْ عَلَى عِبَادَة رَبّهمْ , وَمِنْ اللِّبَاس مَا يَسْتُر عَوْرَاتهمْ وَيُكَنِّهِمْ مِنْ الْحَرّ وَالْبَرْد . وَقَالَ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان لِعُمَرَ بْن عَبْد الْعَزِيز حِين زَوَّجَهُ اِبْنَته فَاطِمَة : مَا نَفَقَتك ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَر : الْحَسَنَة بَيْن سَيِّئَتَيْنِ , ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفًا أَلَّا يَشْتَهِي شَيْئًا إِلَّا اِشْتَرَاهُ فَأَكَلَهُ . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ السَّرَف أَنْ تَأْكُل كُلّ مَا اِشْتَهَيْت ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : لَمْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَعْرُوف وَلَمْ يَبْخَلُوا . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط " [ الْإِسْرَاء : 29 ] وَقَالَ الشَّاعِر : وَلَا تَغْلُ فِي شَيْء مِنْ الْأَمْر وَاقْتَصِدْ كِلَا طَرَفَيْ قَصْد الْأُمُور ذَمِيم وَقَالَ آخَر : إِذَا الْمَرْء أَعْطَى نَفْسه كُلّ مَا اِشْتَهَتْ وَلَمْ يَنْهَهَا تَاقَتْ إِلَى كُلّ بَاطِل وَسَاقَتْ إِلَيْهِ الْإِثْم وَالْعَار بِاَلَّذِي دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنْ حَلَاوَة عَاجِل وَقَالَ عُمَر لِابْنِهِ عَاصِم : يَا بُنَيَّ , كُلْ فِي نِصْف بَطْنك ; وَلَا تَطْرَح ثَوْبًا حَتَّى تَسْتَخْلِقهُ , وَلَا تَكُنْ مِنْ قَوْم يَجْعَلُونَ مَا رَزَقَهُمْ اللَّه فِي بُطُونهمْ وَعَلَى ظُهُورهمْ . وَلِحَاتِمِ طَيِّئ : إِذَا أَنْتَ قَدْ أَعْطَيْت بَطْنك سُؤْله وَفَرْجك نَالَا مُنْتَهَى الذَّمّ أَجْمَعَا " وَلَمْ يَقْتُرُوا "

قَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَالْأَعْمَش وَعَاصِم وَيَحْيَى بْن وَثَّاب عَلَى اِخْتِلَاف عَنْهُمَا " يَقْتُرُوا " بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ التَّاء , وَهِيَ قِرَاءَة حَسَنَة ; مِنْ قَتَرَ يَقْتُر . وَهَذَا الْقِيَاس فِي اللَّازِم , مِثْل قَعَدَ يَقْعُد . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء وَابْن كَثِير بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر التَّاء , وَهِيَ لُغَة مَعْرُوفَة حَسَنَة . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَابْن عَامِر وَأَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر - التَّاء . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : كُلّهَا لُغَات صَحِيحَة . النَّحَّاس : وَتَعَجَّبَ أَبُو حَاتِم مِنْ قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة هَذِهِ ; لِأَنَّ أَهْل الْمَدِينَة عِنْده لَا يَقَع فِي قِرَاءَتهمْ الشَّاذّ , وَإِنَّمَا يُقَال : أَقْتَرَ يُقْتِر إِذَا اِفْتَقَرَ , كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " وَعَلَى الْمُقْتِر قَدَره " [ الْبَقَرَة : 236 ] وَتَأَوَّلَ أَبُو حَاتِم لَهُمْ أَنَّ الْمُسْرِف يَفْتَقِر سَرِيعًا . وَهَذَا تَأْوِيل بَعِيد , وَلَكِنَّ التَّأْوِيل لَهُمْ أَنَّ أَبَا عُمَر الْجَرْمِيّ حَكَى عَنْ الْأَصْمَعِيّ أَنَّهُ يُقَال لِلْإِنْسَانِ إِذَا ضَيَّقَ : قَتَرَ يَقْتُر وَيَقْتَر , وَأَقْتَرَ يُقْتِر . فَعَلَى هَذَا تَصِحّ الْقِرَاءَة , وَإِنْ كَانَ فَتْح الْيَاء أَصَحّ وَأَقْرَب مُتَنَاوَلًا , وَأَشْهَر وَأَعْرَف . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَالنَّاس " قَوَامًا " بِفَتْحِ الْقَاف ; يَعْنِي عَدْلًا . وَقَرَأَ حَسَّان بْن عَبْد الرَّحْمَن : " قِوَامًا " بِكَسْرِ الْقَاف ; أَيْ مَبْلَغًا وَسَدَادًا وَمِلَاك حَال . وَالْقِوَام بِكَسْرِ الْقَاف , مَا يَدُوم عَلَيْهِ الْأَمْر وَيَسْتَقِرّ . وَقِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى . وَ " قَوَامًا " خَبَر كَانَ , وَاسْمهَا مُقَدَّر فِيهَا , أَيْ كَانَ الْإِنْفَاق بَيْن الْإِسْرَاف وَالْقَتْر قَوَامًا ; قَالَ الْفَرَّاء . وَلَهُ قَوْل آخَر يَجْعَل " بَيْن " اِسْم كَانَ وَيَنْصِبهَا ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظ كَثِير اِسْتِعْمَالهَا فَتُرِكَتْ عَلَى حَالهَا فِي مَوْضِع الرَّفْع . قَالَ النَّحَّاس : مَا أَدْرِي مَا وَجْه هَذَا ; لِأَنَّ " بَيْن " إِذَا كَانَتْ فِي مَوْضِع رَفْع رُفِعَتْ ; كَمَا يُقَال : بَيْن عَيْنَيْهِ أَحْمَر .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الفتوى الحموية الكبرى [ حمد التويجري ]

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    الناشر: مركز شيخ الإسلام ابن تيمية العلمي http://www.taimiah.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322213

    التحميل:

  • تعامله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين

    تعامله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين: تُعدُّ سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل سيرةٍ لأفضل رجلٍ في هذه الدنيا؛ فإنه - عليه الصلاة والسلام - ضربَ أروع الأمثلة وأفضل النماذج في خُلُقه وسيرته وتعامله مع الناس بكل مستوياتها: متعلمين وجهالاً، رجالاً ونساءً، شيوخًا وأطفالاً، مسلمين وغير مسلمين. وهذا الكتاب يتناول بعضًا من هذه النماذج العطِرة من معاملته - صلى الله عليه وسلم - لغير المسلمين، ويُظهِر للعالم أجمع كيف دخل الناس في دين الله أفواجًا بسبب هذه المعاملة الطيبة.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337588

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ خالد المصلح ]

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان مقاصدها، وفي هذه الصفحة تفريغ للدروس التي ألقاها الشيخ خالد المصلح.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305088

    التحميل:

  • ليدبروا آياته [ المجموعة الأولى من رسائل جوال تدبر ]

    ليدبروا آياته [ المجموعة الأولى من رسائل جوال تدبر ]: كتاب رائع أصدره مركز تدبر للاستشارات التربوية والتعليمية، وقد جمع فيه الرسائل النصية التي أرسلت بواسطة (جوال تدبر) خلال عام من 1/9/1428هـ وحتى 30/8/1429هـ، موثقةً لمصادرها ومستنبطيها من العلماء وطلبة العلم. وقد اشتمل الكتاب على نفائس من الاستنباطات العلمية والتربوية، وشوارد من الفرائد التي يُسافَرُ من أجلها، يمكن الاستفادة منه في رسائل الجوال، كما يمكن للإمام وخطيب الجمعة والدعاة، ومعلمو مادة القرآن في المدارس وحلق ودور تحفيظ القرآن الكريم، الاستفادة منه في كلماتهم.

    الناشر: مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية http://tadabbor.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332091

    التحميل:

  • الدين الصحيح يحل جميع المشاكل

    الدين الصحيح يحل جميع المشاكل: كتيب بين فيه المصنف - رحمه الله - بعض محاسن الدين الإسلامي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2132

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة