Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الفرقان - الآية 62

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) (الفرقان) mp3
فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " خِلْفَة " قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْخِلْفَة كُلّ شَيْء بَعْد شَيْء . وَكُلّ وَاحِد مِنْ اللَّيْل وَالنَّهَار يُخْلِف صَاحِبه . وَيُقَال لِلْمَبْطُونِ : أَصَابَتْهُ خِلْفَة ; أَيْ قِيَام وَقُعُود يَخْلُف هَذَا ذَاكَ . وَمِنْهُ خِلْفَة النَّبَات , وَهُوَ وَرَق يَخْرُج بَعْد الْوَرَق الْأَوَّل فِي الصَّيْف . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل زُهَيْر بْن أَبِي سُلْمَى : بِهَا الْعَيْن وَالْآرَام يَمْشِينَ خِلْفَة وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مَجْثَم الرِّئْم وَلَد الظَّبْي وَجَمْعه آرَام ; يَقُول : إِذَا ذَهَبَ فَوْج جَاءَ فَوْج . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر يَصِف اِمْرَأَة تَنْتَقِل مِنْ مَنْزِل فِي الشِّتَاء إِلَى مَنْزِل فِي الصَّيْف دَأْبًا . وَلَهَا بِالْمَاطِرُونَ إِذَا أَكَلَ النَّمْل الَّذِي جَمَعَا خِلْفَة حَتَّى إِذَا اِرْتَبَعَتْ سَكَنَتْ مِنْ جِلَّق بِيَعَا فِي بُيُوت وَسْط دَسْكَرَة حَوْلهَا الزَّيْتُون قَدْ يَنَعَا قَالَ مُجَاهِد : " خِلْفَة " مِنْ الْخِلَاف ; هَذَا أَبْيَض وَهَذَا أَسْوَد ; وَالْأَوَّل أَقْوَى . وَقِيلَ : يَتَعَاقَبَانِ فِي الضِّيَاء وَالظَّلَّام وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ بَاب حَذْف الْمُضَاف ; أَيْ جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار ذَوِي خِلْفَة , أَيْ اِخْتِلَاف . " لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر " أَيْ يَتَذَكَّر , فَيَعْلَم أَنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَلهُ كَذَلِكَ عَبَثًا فَيَعْتَبِر فِي مَصْنُوعَات اللَّه , وَيَشْكُر اللَّه تَعَالَى عَلَى نِعَمه عَلَيْهِ فِي الْعَقْل وَالْفِكْر وَالْفَهْم . وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْن عَبَّاس وَالْحَسَن : مَعْنَاهُ مَنْ فَاتَهُ شَيْء مِنْ الْخَيْر بِاللَّيْلِ أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ , وَمَنْ فَاتَهُ بِالنَّهَارِ أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ . وَفِي الصَّحِيح : ( مَا مِنْ اِمْرِئٍ تَكُون لَهُ صَلَاة بِاللَّيْلِ فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا نَوْم فَيُصَلِّي مَا بَيْن طُلُوع الشَّمْس إِلَى صَلَاة الظُّهْر إِلَّا كَتَبَ اللَّه لَهُ أَجْر صَلَاته وَكَانَ نَوْمه عَلَيْهِ صَدَقَة ) . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبه أَوْ عَنْ شَيْء مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْن صَلَاة الْفَجْر وَصَلَاة الظُّهْر كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْل ) .

الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : سَمِعْت ذَا الشَّهِيد الْأَكْبَر يَقُول : إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ الْعَبْد حَيًّا عَالِمًا , وَبِذَلِكَ كَمَاله , وَسَلَّطَ عَلَيْهِ آفَة النَّوْم وَضَرُورَة الْحَدَث وَنُقْصَان الْخِلْقَة ; إِذْ الْكَمَال لِلْأَوَّلِ الْخَالِق , فَمَا أَمْكَنَ الرَّجُل مِنْ دَفْع النَّوْم بِقِلَّةِ الْأَكْل وَالسَّهَر فِي طَاعَة اللَّه فَلْيَفْعَلْ . وَمِنْ الْغَبْن الْعَظِيم أَنْ يَعِيش الرَّجُل سِتِّينَ سَنَة يَنَام لَيْلهَا فَيَذْهَب النِّصْف مِنْ عُمْره لَغْوًا , وَيَنَام سُدُس النَّهَار رَاحَة فَيَذْهَب ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى لَهُ مِنْ الْعُمْر عِشْرُونَ سَنَة , وَمِنْ الْجَهَالَة وَالسَّفَاهَة أَنْ يُتْلِف الرَّجُل ثُلُثَيْ عُمُره فِي لَذَّة فَانِيَة , وَلَا يُتْلِف عُمُره بِسَهَرٍ فِي لَذَّة بَاقِيَة عِنْد الْغَنِيّ الْوَفِيّ الَّذِي لَيْسَ بِعَدِيمٍ وَلَا ظَلُوم .

الثَّالِثَة : الْأَشْيَاء لَا تَتَفَاضَل بِأَنْفُسِهَا ; فَإِنَّ الْجَوَاهِر وَالْأَعْرَاض مِنْ حَيْثُ الْوُجُود مُتَمَاثِلَة , وَإِنَّمَا يَقَع التَّفَاضُل بِالصِّفَاتِ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيّ الْوَقْتَيْنِ أَفْضَل , اللَّيْل أَوْ النَّهَار . وَفِي الصَّوْم غُنْيَة فِي الدَّلَالَة , وَاَللَّه أَعْلَم ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . قُلْت : وَاللَّيْل عَظِيم قَدْره ; أَمَرَ نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِقِيَامِهِ فَقَالَ : " وَمِنْ اللَّيْل فَتَهَجَّدَ بِهِ نَافِلَة لَك " [ الْإِسْرَاء : 79 ] , وَقَالَ : " قُمْ اللَّيْل " [ الْمُزَّمِّل : 2 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَمَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قِيَامه فَقَالَ : " تَتَجَافَى جَنُوبهمْ عَنْ الْمَضَاجِع " [ السَّجْدَة : 16 ] وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( وَالصَّدَقَة تُطْفِئ الْخَطِيئَة كَمَا يُطْفِئ الْمَاء النَّار وَصَلَاة الرَّجُل فِي جَوْف اللَّيْل وَفِيهِ سَاعَة يُسْتَجَاب فِيهَا الدُّعَاء وَفِيهِ يَنْزِل الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ) حَسْبَمَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

الرَّابِعَة : قَرَأَ حَمْزَة وَحْده : " يَذْكُر " بِسُكُونِ الذَّال وَضَمّ الْكَافّ . وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن وَثَّاب وَطَلْحَة وَالنَّخَعِيّ . وَفِي مُصْحَف أُبَيّ " يَتَذَكَّر " بِزِيَادَةِ تَاء . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ : " يَذَّكَّر " بِتَشْدِيدِ الْكَاف . وَيَذْكُر وَيَذَّكَّر بِمَعْنًى وَاحِد . وَقِيلَ : مَعْنَى " يَذْكُر " بِالتَّخْفِيفِ أَيْ مَا يَذْكُر مَا نَسِيَهُ فِي أَحَد الْوَقْتَيْنِ فِي الْوَقْت الثَّانِي , أَوْ لِيَذْكُر تَنْزِيه اللَّه وَتَسْبِيحه فِيهَا . " أَوْ أَرَادَ شُكُورًا " يُقَال : شَكَرَ يَشْكُر شُكْرًا وَشُكُورًا , مِثْل كُفْر يُكْفُر كُفْرًا وَكُفُورًا . وَهَذَا الشُّكُور عَلَى أَنَّهُمَا جَعَلَهُمَا قِوَامًا لِمَعَاشِهِمْ . وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا : " وَمَا الرَّحْمَن " قَالُوا : هُوَ الَّذِي يَقْدِر عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاء .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مختصر إظهار الحق

    إظهار الحق : يعتبر هذا الكتاب أدق دراسة نقدية في إثبات وقوع التحريف والنسخ في التوراة والإنجيل، وإبطال عقيدة التثليث وألوهية المسيح، وإثبات إعجاز القرآن ونبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، والرد على شُبه المستشرقين والمنصرين، وفي هذه الصفحة اختصار لهذا الكتاب القيم في مجلد لطيف؛ حتى يسهل فهمه والاستفادة منه..

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/73722

    التحميل:

  • أريد أن أتوب .. ولكن!

    أريد أن أتوب ولكن!: تحتوي هذه الرسالة على مقدمة عن خطورة الاستهانة بالذنوب فشرحاً لشروط التوبة، ثم علاجات نفسية، وفتاوى للتائبين مدعمة بالأدلة من القرآن الكريم والسنة، وكلام أهل العلم وخاتمة.

    الناشر: موقع الإسلام سؤال وجواب http://www.islamqa.info

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/63354

    التحميل:

  • استواء الله على العرش

    قال المؤلف: الحقيقة الأولى: أن العقيدة مرجعها إلى كتاب الله وسنة رسوله المصطفى لا إلى أهواء الناس وأقيستهم، وأنه ليس هناك أعلم بالله من الله، ولا من الخلق أعلم به من رسول الله، كما أنه ليس هناك أنصح للأمة ولا أحسن بيانا ولا أعظم بلاغا منه، فإذا ثبت وصف الله عز وجل بشيء من الصفات في كتابه الكريم أو ثبت ذلك في سنة نبيه المصطفى الأمين وجب على المسلم اعتقاد ذلك وأنه هو التنزيه اللائق بذاته جل جلاله.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370715

    التحميل:

  • قاعدة الإنطلاق وقارب النجاة

    قاعدة الإنطلاق وقارب النجاة : بيان حقيقة الإخلاص، ومنزلته، وثمراته، وعلامات المخلصين، وذكر بعض المسائل المهمة في الإخلاص.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205807

    التحميل:

  • التحفة القدسية في اختصار الرحبية

    متن الرحبية : متن منظوم في علم الفرائض - المواريث - عدد أبياته (175) بيتاً من بحر الرجز وزنه « مستفعلن » ست مرات، وهي من أنفع ما صنف في هذا العلم للمبتدئ، وقد صنفها العلامة أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الحسن الرحبي الشافعي المعروف بابن المتقنة، المتوفي سنة (557هـ) - رحمه الله تعالى -، وقام الشيخ ابن الهائم - رحمه الله تعالى - باختصارها ليسهل حفظها على من عجز حفظ الأصل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2476

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة