Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الفرقان - الآية 20

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) (الفرقان) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق } . وَهَذَا احْتِجَاج مِنَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمه الَّذِينَ قَالُوا : { مَا لِهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق } 25 7 وَجَوَاب لَهُمْ عَنْهُ , يَقُول لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا أَنْكَرَ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ مَا لِهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق , مِنْ أَكْلك الطَّعَام وَمَشْيك فِي الْأَسْوَاق , وَأَنْتَ لِلَّهِ رَسُول ; فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّا مَا أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق كَالَّذِي تَأْكُل أَنْتَ وَتَمْشِي , فَلَيْسَ لَهُمْ عَلَيْك بِمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ حُجَّة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ " مَنْ " لَيْسَتْ فِي التِّلَاوَة , فَكَيْفَ قُلْت مَعْنَى الْكَلَام : إِلَّا مَنْ - إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام ؟ قِيلَ : قُلْنَا فِي ذَلِكَ مَعْنَاهُ : أَنَّ الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : " إِنَّهُمْ " , كِنَايَة أَسْمَاء لَمْ تُذْكَر , وَلَا بُدّ لَهَا مِنْ أَنْ تَعُود عَلَى مَنْ كُنِّيَ عَنْهُ بِهَا , وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْر " مَنْ " وَإِظْهَاره فِي الْكَلَام اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : { مِنَ الْمُرْسَلِينَ } عَلَيْهِ , كَمَا اكْتُفِيَ فِي قَوْله : { وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَام مَعْلُوم } 37 164 مِنْ إِظْهَار " مَنْ " , وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا مِنَّا إِلَّا مَنْ لَهُ مَقَام مَعْلُوم , كَمَا قِيلَ : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا } 19 71 وَمَعْنَاهُ : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ هُوَ وَارِدهَا ; فَقَوْله : { إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام } صِلَة لِ " مَنْ " الْمَتْرُوك , كَمَا يُقَال فِي الْكَلَام : مَا أَرْسَلْت إِلَيْك مِنَ النَّاس إِلَّا مَنْ إِنَّهُ لَيُبَلِّغك الرِّسَالَة , فَإِنَّهُ " لَيُبَلِّغك الرِّسَالَة " صِلَة لِ " مَنْ " .

وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَامْتَحَنَّا أَيّهَا النَّاس بَعْضكُمْ بِبَعْضٍ , جَعَلْنَا هَذَا نَبِيًّا وَخَصَّصْنَاهُ بِالرِّسَالَةِ , وَهَذَا مَلِكًا وَخَصَّصْنَاهُ بِالدُّنْيَا , وَهَذَا فَقِيرًا وَحَرَمْنَاهُ الدُّنْيَا ; لِنَخْتَبِر الْفَقِير بِصَبْرِهِ عَلَى مَا حُرِمَ مِمَّا أُعْطِيه الْغَنِيّ , وَالْمَلِك بِصَبْرِهِ عَلَى مَا أُعْطِيه الرَّسُول مِنَ الْكَرَاهَة , وَكَيْف رَضِيَ كُلّ إِنْسَان مِنْهُمْ بِمَا أُعْطِيَ وَقُسِمَ لَهُ , وَطَاعَته رَبّه مَعَ مَا حُرِمَ مِمَّا أُعْطِيَ غَيْره . يَقُول : فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ لَمْ أُعْطِ مُحَمَّدًا الدُّنْيَا , وَجَعَلْته يَطْلُب الْمَعَاش فِي الْأَسْوَاق , وَلِأَبْتَلِيَكُمْ أَيّهَا النَّاس , وَأَخْتَبِر طَاعَتكُمْ رَبّكُمْ وَإِجَابَتكُمْ رَسُوله إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ , بِغَيْرِ عَرَض مِنْ الدُّنْيَا تَرْجُونَهُ مِنْ مُحَمَّد أَنْ يُعْطِيكُمْ عَلَى اتِّبَاعكُمْ إِيَّاهُ ; لِأَنِّي لَوْ أَعْطَيْته الدُّنْيَا , لَسَارَعَ كَثِير مِنْكُمْ إِلَى اتِّبَاعه طَمَعًا فِي دُنْيَاهُ أَنْ يَنَال مِنْهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19957 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , قَالَ : ثني عَبْد الْقُدُّوس , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَة } ... الْآيَة , يَقُول هَذَا الْأَعْمَى : لَوْ شَاءَ اللَّه لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْل فُلَان , وَيَقُول هَذَا الْفَقِير : لَوْ شَاءَ اللَّه لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْل فُلَان , وَيَقُول هَذَا السَّقِيم : لَوْ شَاءَ اللَّه لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْل فُلَان . 19958 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَة أَتَصْبِرُونَ } قَالَ : يُمْسِك عَنْ هَذَا وَيُوَسِّع عَلَى هَذَا , فَيَقُول : لَمْ يُعْطِنِي مِثْل مَا أَعْطَى فُلَانًا , وَيُبْتَلَى بِالْوَجَعِ كَذَلِكَ , فَيَقُول : لَمْ يَجْعَلنِي رَبِّي صَحِيحًا مِثْل فُلَان ; فِي أَشْبَاه ذَلِكَ مِنَ الْبَلَاء , لِيَعْلَم مَنْ يَصْبِر مِمَّنْ يَجْزَع . 19959 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني ابْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , فِيمَا يَرْوِي الطَّبَرِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { مَا لِهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق } ... 25 7 الْآيَة : { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق وَجَعَلْنَا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَة أَتَصْبِرُونَ } أَيْ جَعَلْت بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ بَلَاء , لِتَصْبِرُوا عَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِنْهُمْ , وَتَرَوْنَ مِنْ خِلَافهمْ , وَتَتَّبِعُوا الْهُدَى بِغَيْرِ أَنْ أُعْطِيهِمْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا ; وَلَوْ شِئْت أَنْ أَجْعَل الدُّنْيَا مَعَ رُسُلِي فَلَا يُخَالِفُونَ لَفَعَلْت , وَلَكِنِّي قَدْ أَرَدْت أَنْ أَبْتَلِي الْعِبَاد بِكُمْ وَأَبْتَلِيكُمْ بِهِمْ.


وَقَوْله : { وَكَانَ رَبّك بَصِيرًا } يَقُول : وَرَبّك يَا مُحَمَّد بَصِير بِمَنْ يَجْزَع وَمَنْ يَصْبِر عَلَى مَا امْتُحِنَ بِهِ مِنَ الْمِحَن . كَمَا : 19960 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { وَكَانَ رَبّك بَصِيرًا } إِنَّ رَبّك لَبَصِير بِمَنْ يَجْزَع وَمَنْ يَصْبِر .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أفرءيتم النار التي تورون

    أفرءيتم النار التي تورون : بحث للدكتور أحمد عروة، يبين فيه حقيقة النار.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193681

    التحميل:

  • حقوق المسلم

    حقوق المسلم: قال المُصنِّف: «فكرة هذا البحث المختصر تقوم على جمع الأحاديث التي اتفق على إخراجها كلٌّ من أهل السنة والإمامية، والمُتعلِّقة بموضوع: «خلق المسلم»، والهدفُ من هذا الجمع هو الوقوف على مدى الاتفاق بين الفريقين في ثوابت الدين الإسلامي، فكان أن تحصَّل للباحث مجموعة من هذه الأحاديث والآثار المتفقة في مضامينها بل وفي ألفاظها، مما يُؤيِّد ويُؤكِّد للباحث والقارئ فكرة وجود هذا الاتفاق خاصةً في هذا الموضوع، ويفتح الآفاق أيضًا أمام من أراد العمل على جمع الأحاديث المشتركة في الموضوعات الشرعية الأخرى».

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380435

    التحميل:

  • ديوان خُطب الجمعة وفقًا لتعاليم الإسلام

    ديوان خُطب الجمعة وفقًا لتعاليم الإسلام: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه موضوعات علميَّة من التعاليم الإسلامية .. اعتمدتُ فيها على مصدرين أساسيين: المصدر الأول: كتاب الله الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ومن خلفه. المصدر الثاني: سنة نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384411

    التحميل:

  • أمطر الخير مطرا

    أمطر الخير مطرًا: قال المصنف - حفظه الله -: «لا شك أن المسلم الذي رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً يسعى إلى التقرب إلى الله عز وجل بالأعمال المشروعة في كل وقت وحين، فيمطر الخير مطرًا، والله - عز وجل - هو المنبت. يحتسب الأجر والمثوبة في كل حركة وسكنة، فالعمر قصير، والأيام محدودة، والأنفاس معدودة، والآجال مكتوبة. أدعو الله - عز وجل -، أن تكون حبات الخير متتالية؛ لتجري منها أودية الأجر والمثوبة، لتصب في روضات الجنات برحمة الله وعفوه، ومنٍّه وكرمه».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229611

    التحميل:

  • كيف يجب أن نفسر القرآن الكريم؟

    كيف يجب أن نفسر القرآن الكريم؟: رسالة قيمة ونافعة تبين خطر منهج منحرف سلكه أصحابه ألا وهو استقلالهم في فهم القرآن بناء على معرفتهم بشيء من اللغة العربية، بعد تحكيمهم عقولهم، ويسمون أنفسهم بالقرآنيين حيث أنهم اكتفوا بادعاء أن الإسلام إنما هو القرآن فقط.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2073

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة