Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النور - الآية 62

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62) (النور) mp3
" إِنَّمَا " فِي هَذِهِ الْآيَة لِلْحَصْرِ ; الْمَعْنَى : لَا يَتِمّ وَلَا يَكْمُل إِيمَان مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله إِلَّا بِأَنْ يَكُون مِنْ الرَّسُول سَامِعًا غَيْر مُعَنِّت فِي أَنْ يَكُون الرَّسُول يُرِيد إِكْمَال أَمْر فَيُرِيد هُوَ إِفْسَاده بِزَوَالِهِ فِي وَقْت الْجَمْع , وَنَحْو ذَلِكَ. وَبَيَّنَ تَعَالَى فِي أَوَّل السُّورَة أَنَّهُ أَنْزَلَ آيَات بَيِّنَات , وَإِنَّمَا النُّزُول عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَخَتَمَ السُّورَة بِتَأْكِيدِ الْأَمْر فِي مُتَابَعَته عَلَيْهِ السَّلَام ; لِيُعْلِم أَنَّ أَوَامِره كَأَوَامِرِ الْقُرْآن .

وَاخْتُلِفَ فِي الْأَمْر الْجَامِع مَا هُوَ ; فَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ مَا لِلْإِمَامِ مِنْ حَاجَة إِلَى تَجْمَع النَّاس فِيهِ لِإِذَاعَةِ مَصْلَحَة , مِنْ إِقَامَة سُنَّة فِي الدِّين , أَوْ لِتَرْهِيبِ عَدُوّ بِاجْتِمَاعِهِمْ وَلِلْحُرُوبِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر " [ آل عِمْرَان : 159 ] . فَإِذَا كَانَ أَمْر يَشْمَلهُمْ نَفْعه وَضُرّه جَمَعَهُمْ لِلتَّشَاوُرِ فِي ذَلِكَ. وَالْإِمَام الَّذِي يَتَرَقَّب إِذْنه هُوَ إِمَام الْإِمْرَة , فَلَا يَذْهَب أَحَد لِعُذْرٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ , فَإِذَا ذَهَبَ بِإِذْنِهِ اِرْتَفَعَ عَنْهُ الظَّنّ السَّيِّئ . وَقَالَ مَكْحُول وَالزُّهْرِيّ : الْجُمْعَة مِنْ الْأَمْر الْجَامِع . وَإِمَام الصَّلَاة يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَأْذَن إِذَا قَدَّمَهُ إِمَام الْإِمْرَة , إِذَا كَانَ يَرَى الْمُسْتَأْذِن. قَالَ اِبْن سِيرِينَ : كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَ الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر ; فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ قَالَ زِيَاد : مَنْ جَعَلَ يَده عَلَى فِيهِ فَلْيَخْرُجْ دُون إِذْن , وَقَدْ كَانَ هَذَا بِالْمَدِينَةِ حَتَّى أَنَّ سَهْل بْن أَبِي صَالِح رَعَفَ يَوْم الْجُمْعَة فَاسْتَأْذَنَ الْإِمَام . وَظَاهِر الْآيَة يَقْتَضِي أَنْ يَسْتَأْذِن أَمِير الْإِمْرَة الَّذِي هُوَ فِي مَقْعَد النُّبُوَّة , فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لَهُ رَأْي فِي حَبْس ذَلِكَ الرَّجُل لِأَمْرٍ مِنْ أُمُور الدِّين . فَأَمَّا إِمَام الصَّلَاة فَقَطْ فَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ وَكِيل عَلَى جُزْء مِنْ أَجْزَاء الدِّين لِلَّذِي هُوَ فِي مَقْعَد النُّبُوَّة . وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي حَفْر الْخَنْدَق حِين جَاءَتْ قُرَيْش وَقَائِدهَا أَبُو سُفْيَان , وَغَطَفَان وَقَائِدهَا عُيَيْنَة بْن حِصْن ; فَضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَق عَلَى الْمَدِينَة , وَذَلِكَ فِي شَوَّال سَنَة خَمْس مِنْ الْهِجْرَة , فَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا مِنْ الْعَمَل وَيَعْتَذِرُونَ بِأَعْذَارٍ كَاذِبَة . وَنَحْوه رَوَى أَشْهَب وَابْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك , وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق . وَقَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ فِي عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , اِسْتَأْذَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك فِي الرَّجْعَة فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ : ( اِنْطَلِقْ فَوَاَللَّهِ مَا أَنْتَ بِمُنَافِقٍ ) يُرِيد بِذَلِكَ أَنْ يُسْمِع الْمُنَافِقِينَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : إِنَّمَا اِسْتَأْذَنَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي الْعُمْرَة فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا أَذِنَ لَهُ : ( يَا أَبَا حَفْص لَا تَنْسَنَا فِي صَالِح دُعَائِك ) .

قُلْت : وَالصَّحِيح الْأَوَّل لِتَنَاوُلِهِ جَمِيع الْأَقْوَال . وَاخْتَارَ اِبْن الْعَرَبِيّ مَا ذَكَرَهُ فِي نُزُول الْآيَة عَنْ مَالِك وَابْن إِسْحَاق , وَأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص فِي الْحَرْب . قَالَ : وَاَلَّذِي يُبَيِّن ذَلِكَ أَمْرَانِ : أَحَدهمَا : قَوْله فِي الْآيَة الْأُخْرَى : " قَدْ يَعْلَم اللَّه الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا " [ النُّور : 63 ] . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَتَلَوَّذُونَ وَيَخْرُجُونَ عَنْ الْجَمَاعَة وَيَتْرُكُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَرَ اللَّه جَمِيعهمْ بِأَلَّا يَخْرُج أَحَد مِنْهُمْ حَتَّى يَأْذَن لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّن إِيمَانه. الثَّانِي : قَوْله : " لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ " وَأَيّ إِذْن فِي الْحَدَث وَالْإِمَام يَخْطُب , وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ خِيَار فِي مَنْعه وَلَا إِبْقَائِهِ , وَقَدْ قَالَ : " فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ " ; فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَخْصُوص فِي الْحَرْب .

قُلْت : الْقَوْل بِالْعُمُومِ أَوْلَى وَأَرْفَع وَأَحْسَن وَأَعْلَى .



فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْذَن وَإِنْ شَاءَ مَنَعَ . وَقَالَ قَتَادَة : قَوْله : " فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ " مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ : " عَفَا اللَّه عَنْك لِمَ أَذِنْت لَهُمْ " [ التَّوْبَة : 43 ] .


أَيْ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ الْجَمَاعَة إِنْ عَلِمْت لَهُمْ عُذْرًا . " إِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المملكة العربية السعودية وخدمتها للإسلام والمسلمين في الغرب

    المملكة العربية السعودية وخدمتها للإسلام والمسلمين في الغرب: محاضرة ألقاها فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي - حفظه الله - ضمن فعاليات مهرجان الجنادرية عام 1416 هـ.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107027

    التحميل:

  • شرح الآجرومية [ ابن عثيمين ]

    شرح الآجرومية: هذا شرح تعليمي لمتن ابن آجروم في النحو المعروف بالآجرومية، اعتنى فيه الشارح ببيان مفردات التعاريف، ومحترزاتها، وأمثلتها، مع إضافة بعض الشروط والأمثلة على ما ذكره الماتن، وقد وردت في آخر كل فصل أسئلة مع الإجابة عليها.

    الناشر: مكتبة الرشد بالمملكة العربية السعودية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334270

    التحميل:

  • الاستقامة

    الاستقامة : موضوع الكتاب - إجمالاً - هو الردّ على المتصوفة، ومناقشة جملة من الأقوال والآراء الواردة في الرسالة القشيرية، فقد بسط المؤلف - رحمه الله - الردّ على أهل التصوف في عدة فصول كالسماع، والجمال، والغيرة، والسكر. وأما ما يتعلق بفصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيه ردّ على المتصوفة أيضاً، إذا غلب عليهم الاحتجاج بالقدر، والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما بسطه المؤلف في غير موضع. ومع ذلك كله فلا يخلو كتاب الاستقامة من أجوبة وردود على المتكلمين في أكثر من مسألة، كالردّ على دعواهم أن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول الدين، ونقض قولهم: إن علم الفقه من باب الظنون، وإن علم الكلام من القطعيات. ويحوي كتاب الاستقامة مسائل مهمة وقواعد نافعة في الردّ على المتصوفة، نذكر منها ما يلي: - أن أكابر مشايخ الصوفية على طريقة أهل السنة والجماعة، فليسوا كلاّبية أو أشاعرة كما ظنه القشيري في رسالته، وهذا مبسوط بيّن في كتاب "التعرّف لمذاهب التصوّف" للكلاباذي، وابن خفيف في كتابه " اعتقاد التوحيد". - أن الأقوال والآثار التي يحتجون بها على بدعهم كالسماع المحدث ونحوه، فهي آثار لا تصح نسبتها إلى قائليها، ولو صحت فهي عن غير معصوم. - أن من شهد السماع المحدث متأوّلاً، فلا يلحقه الإثم بذلك التأوّل، لكن ذلك لا يمنع بيان فساد مذهبه، والتحذير من زلته، والنهي عن التأسي به في ذلك. - الاعراض عن السماع المشروع هو الذي يوقع في السماع الممنوع، فمن أعرض عن سماع ما ينفعه من القرآن والسنة، اشتغل بما يضره من السماعات المحدثة. - بيّن المؤلفُ أصل غلط هؤلاء الصوفية، إذ أنهم يجعلون الخاص عاماًّ، فيجيئون إلى ألفاظ في الكتاب والسنة حمدت أو أباحت نوعاً من السماع، فيدرجون فيه سماع المكاء والتصدية. - قرر المؤلف أن الحبّ والبغض هما أصل الأمر والنهي، خلافاً لأرباب التصوف المتبعين لأذواقهم في محبة الصور الجميلة. - كشف المؤلفُ المثالية الجامحة عند المتصوفة، بسبب إعراضهم عن الاتباع، وبين كثرة انفساخ عزائم الصوفية. - فصّل المؤلف معنى السكر والفناء، وبيّن أن عدم العقل والفقه لا يحمد بحال في الشرع خلافاً للصوفية.

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272830

    التحميل:

  • لا إله إلا الله

    لا إله إلا الله : في هذه الرسالة بيان معنى لا إله إلا الله، أركانها، فضائلها، هل يكفي مجرد النطق بها ؟ شروطها.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172693

    التحميل:

  • سلاح اليقظان لطرد الشيطان

    سلاح اليقظان لطرد الشيطان: قال المؤلف - رحمه الله -:- « فقد رأيت أن أحمع مختصرًا يحتوي على سور وآيات من كلام الله وأحاديث من كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن كلام أهل العلم مما يحث على طاعة الله وطاعة رسوله والتزود من التقوى لما أمامنا في يوم تشخص فيه الأبصار ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2558

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة