Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النور - الآية 55

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) (النور) mp3
نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ; قَالَهُ مَالِك. وَقِيلَ : إِنَّ سَبَب هَذِهِ الْآيَة أَنَّ بَعْض أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَا جَهْد مُكَافَحَة الْعَدُوّ , وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْخَوْف عَلَى أَنْفُسهمْ , وَأَنَّهُمْ لَا يَضَعُونَ أَسْلِحَتهمْ ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : مَكَثَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْر سِنِينَ بَعْدَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ خَائِفًا هُوَ وَأَصْحَابه , يَدْعُونَ إِلَى اللَّه سِرًّا وَجَهْرًا , ثُمَّ أَمَرَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة , وَكَانُوا فِيهَا خَائِفِينَ يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ فِي السِّلَاح . فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , أَمَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْم نَأْمَن فِيهِ وَنَضَع السِّلَاح ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا تَلْبَثُونَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِس الرَّجُل مِنْكُمْ فِي الْمَلَأ الْعَظِيم مُحْتَبِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ حَدِيدَة ) . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَأَظْهَرَ اللَّه نَبِيّه عَلَى جَزِيرَة الْعَرَب فَوَضَعُوا السِّلَاح وَأَمِنُوا . قَالَ النَّحَّاس : فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَة دَلَالَة عَلَى نُبُوَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ أَنْجَزَ ذَلِكَ الْوَعْد . قَالَ الضَّحَّاك فِي كِتَاب النَّقَّاش : هَذِهِ تَتَضَمَّن خِلَافَة أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ ; لِأَنَّهُمْ أَهْل الْإِيمَان وَعَمِلُوا الصَّالِحَات . وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ ). وَإِلَى هَذَا الْقَوْل ذَهَبَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي أَحْكَامه , وَاخْتَارَهُ وَقَالَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى خِلَافَة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , وَأَنَّ اللَّه اِسْتَخْلَفَهُمْ وَرَضِيَ أَمَانَتهمْ , وَكَانُوا عَلَى الدِّين الَّذِي اِرْتَضَى لَهُمْ , لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَقَدَّمهُمْ أَحَد فِي الْفَضِيلَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا , فَاسْتَقَرَّ الْأَمْر لَهُمْ , وَقَامُوا بِسِيَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ , وَذَبُّوا عَنْ حَوْزَة الدِّين ; فَنَفَذَ الْوَعْد فِيهِمْ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَعْد لَهُمْ نَجَزَ , وَفِيهِمْ نَفَذَ , وَعَلَيْهِمْ وَرَدَ , فَفِيمَنْ يَكُون إِذًا , وَلَيْسَ بَعْدهمْ مِثْلهمْ إِلَى يَوْمنَا هَذَا , وَلَا يَكُون فِيمَا بَعْده . رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَحَكَى هَذَا الْقَوْل الْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ سَفِينَة مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَة ثُمَّ تَكُون مُلْكًا ) . قَالَ سَفِينَة : أَمْسِكْ [ عَلَيْك ] خِلَافَة أَبِي بَكْر سَنَتَيْنِ , وَخِلَافَة عُمَر عَشْرًا , وَخِلَافَة عُثْمَان ثِنْتَيْ عَشْرَة سَنَة , وَخِلَافَة عَلِيّ سِتًّا . وَقَالَ قَوْم : هَذَا وَعْد لِجَمِيعِ الْأُمَّة فِي مُلْك الْأَرْض كُلّهَا تَحْت كَلِمَة الْإِسْلَام ; كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( زُوِيَتْ لِي الْأَرْض فَرَأَيْت مَشَارِقهَا وَمَغَارِبهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْك أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ) . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل اِبْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره حَيْثُ قَالَ : وَالصَّحِيح فِي الْآيَة أَنَّهَا فِي اِسْتِخْلَاف الْجُمْهُور , وَاسْتِخْلَافهمْ هُوَ أَنْ يُمَلِّكهُمْ الْبِلَاد وَيَجْعَلهُمْ أَهْلهَا ; كَاَلَّذِي جَرَى فِي الشَّام وَالْعِرَاق وَخُرَاسَان وَالْمَغْرِب . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قُلْنَا لَهُمْ هَذَا وَعْد عَامّ فِي النُّبُوَّة وَالْخِلَافَة وَإِقَامَة الدَّعْوَة وَعُمُوم الشَّرِيعَة , فَنَفَذَ الْوَعْد فِي كُلّ أَحَد بِقَدْرِهِ وَعَلَى حَاله ; حَتَّى فِي الْمُفْتِينَ وَالْقُضَاة وَالْأَئِمَّة , وَلَيْسَ لِلْخِلَافَةِ مَحَلّ تَنْفُذ فِيهِ الْمَوْعِدَة الْكَرِيمَة إِلَّا مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْخُلَفَاء. ثُمَّ ذَكَرَ اِعْتِرَاضًا وَانْفِصَالًا مَعْنَاهُ : فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْأَمْر لَا يَصِحّ إِلَّا فِي أَبِي بَكْر وَحْده , فَأَمَّا عُمَر وَعُثْمَان فَقُتِلَا غِيلَة , وَعَلِيّ قَدْ نُوزِعَ فِي الْخِلَافَة . قُلْنَا : لَيْسَ فِي ضِمْن الْأَمْن السَّلَامَة مِنْ الْمَوْت بِأَيِّ وَجْه كَانَ , وَأَمَّا عَلِيّ فَلَمْ يَكُنْ نِزَاله فِي الْحَرْب مَذْهَبًا لِلْأَمْنِ , وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْأَمْن رَفْع الْحَرْب إِنَّمَا شَرْطه مُلْك الْإِنْسَان لِنَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ , لَا كَمَا كَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ . ثُمَّ قَالَ فِي آخِر كَلَامه : وَحَقِيقَة الْحَال أَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ فَصَارُوا قَاهِرِينَ , وَكَانُوا مَطْلُوبِينَ فَصَارُوا طَالِبِينَ ; فَهَذَا نِهَايَة الْأَمْن وَالْعِزّ .

قُلْت : هَذِهِ الْحَال لَمْ تَخْتَصّ بِالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ حَتَّى يُخَصُّوا بِهَا مِنْ عُمُوم الْآيَة , بَلْ شَارَكَهُمْ فِي ذَلِكَ جَمِيع الْمُهَاجِرِينَ بَلْ وَغَيْرهمْ . أَلَا تَرَى إِلَى إِغْزَاء قُرَيْش الْمُسْلِمِينَ فِي أُحُد وَغَيْرهَا وَخَاصَّة الْخَنْدَق , حَتَّى أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ جَمِيعهمْ فَقَالَ : " إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَار وَبَلَغَتْ الْقُلُوب الْحَنَاجِر وَتَظُنُّونَ بِاَللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا " [ الْأَحْزَاب : 10 - 11 ] . ثُمَّ إِنَّ اللَّه رَدَّ الْكَافِرِينَ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا , وَأَمَّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضهمْ وَدِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " لَيَسْتَخْلِفَنّهم فِي الْأَرْض " . وَقَوْله : " كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ " يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيل , إِذْ أَهْلَكَ اللَّه الْجَبَابِرَة بِمِصْرَ , وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضهمْ وَدِيَارهمْ فَقَالَ : " وَأَوْرَثْنَا الْقَوْم الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا " [ الْأَعْرَاف : 137 ] . وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَة مُسْتَضْعَفِينَ خَائِفِينَ , ثُمَّ إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَّنَهُمْ وَمَكَّنَهُمْ وَمَلَّكَهُمْ , فَصَحَّ أَنَّ الْآيَة عَامَّة لِأُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر مَخْصُوصَة ; إِذْ التَّخْصِيص لَا يَكُون إِلَّا بِخَبَرٍ مِمَّنْ يَجِب [ لَهُ ] التَّسْلِيم , وَمِنْ الْأَصْل الْمَعْلُوم التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ . وَجَاءَ فِي مَعْنَى تَبْدِيل خَوْفهمْ بِالْأَمْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ أَصْحَابه : أَمَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْم نَأْمَن فِيهِ وَنَضَع السِّلَاح ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا تَلْبَثُونَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَجْلِس الرَّجُل مِنْكُمْ فِي الْمَلَأ الْعَظِيم مُحْتَبِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ حَدِيدَة ). وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَللَّه لَيُتِمَّنَّ اللَّه هَذَا الْأَمْر حَتَّى يَسِير الرَّاكِب مِنْ صَنْعَاء إِلَى حَضْرَمَوْت لَا يَخَاف إِلَّا اللَّه وَالذِّئْب عَلَى غَنَمه وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه ; فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَالْآيَة مُعْجِزَة النُّبُوَّة ; لِأَنَّهَا إِخْبَار عَمَّا سَيَكُونُ فَكَانَ .


فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : يَعْنِي أَرْض مَكَّة ; لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ سَأَلُوا اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ فَوُعِدُوا كَمَا وُعِدَتْ بَنُو إِسْرَائِيل ; قَالَ مَعْنَاهُ النَّقَّاش . الثَّانِي : بِلَاد الْعَرَب وَالْعَجَم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح ; لِأَنَّ أَرْض مَكَّة مُحَرَّمَة عَلَى الْمُهَاجِرِينَ , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَكِنَّ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة ) . يَرْثِي لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ . وَقَالَ فِي الصَّحِيح أَيْضًا : ( يَمْكُث الْمُهَاجِر بِمَكَّةَ بَعْد قَضَاء نُسُكه ثَلَاثًا ) . وَاللَّام فِي " لَيَسْتَخْلِفَنّهم " جَوَاب قَسَم مُضْمَر ; لِأَنَّ الْوَعْد قَوْل , مَجَازهَا : قَالَ اللَّه لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات وَاَللَّه لَيَسْتَخْلِفَنّهم فِي الْأَرْض فَيَجْعَلهُمْ مُلُوكهَا وَسُكَّانهَا.


يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيل , أَهْلَكَ الْجَبَابِرَة بِمِصْرَ وَالشَّام وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضهمْ وَدِيَارهمْ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " كَمَا اِسْتَخْلَفَ " بِفَتْحِ التَّاء وَاللَّام ; لِقَوْلِهِ : " وَعَدَ " . وَقَوْله : " لَيَسْتَخْلِفَنّهم " . وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر وَأَبُو بَكْر وَالْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم " اُسْتُخْلِفَ " بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر اللَّام عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول .


وَهُوَ الْإِسْلَام ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " [ الْمَائِدَة : 3 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَرَوَى سُلَيْم بْن عَامِر عَنْ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا عَلَى ظَهْر الْأَرْض بَيْت حَجَر وَلَا مَدَر إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه كَلِمَة الْإِسْلَام بِعِزِّ عَزِيز أَوْ ذُلّ ذَلِيل أَمَّا بِعِزِّهِمْ فَيَجْعَلهُمْ مِنْ أَهْلهَا وَأَمَّا بِذُلِّهِمْ فَيَدِينُونَ بِهَا ) . ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ حُجَّة لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالْأَرْضِ بِلَاد الْعَرَب وَالْعَجَم ; وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي : عَلَى مَا تَقَدَّمَ آنِفًا.


قَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَابْن كَثِير وَيَعْقُوب وَأَبُو بَكْر بِالتَّخْفِيفِ ; مِنْ أَبْدَلَ , وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن , وَاخْتِيَار أَبِي حَاتِم . الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ; مِنْ بَدَّلَ , وَهِيَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد ; لِأَنَّهَا أَكْثَر مَا فِي الْقُرْآن , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَا تَبْدِيل لِكَلِمَاتِ اللَّه " [ يُونُس : 64 ] . وَقَالَ : " وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَة " [ النَّحْل : 101 ] وَنَحْوه , وَهُمَا لُغَتَانِ . قَالَ النَّحَّاس : وَحَكَى مُحَمَّد بْن الْجَهْم عَنْ الْفَرَّاء قَالَ : قَرَأَ عَاصِم وَالْأَعْمَش " وَلَيُبَدِّلَنّهم " مُشَدَّدَة , وَهَذَا غَلَط عَلَى عَاصِم ; وَقَدْ ذَكَرَ بَعْده غَلَطًا أَشَدّ مِنْهُ , وَهُوَ أَنَّهُ حَكَى عَنْ سَائِر النَّاس التَّخْفِيف . قَالَ النَّحَّاس : وَزَعَمَ أَحْمَد بْن يَحْيَى أَنَّ بَيْن التَّثْقِيل وَالتَّخْفِيف فَرْقًا , وَأَنَّهُ يُقَال : بَدَّلْته أَيْ غَيَّرْته , وَأَبْدَلْته أَزَلْته وَجَعَلْت غَيْره . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا الْقَوْل صَحِيح ; كَمَا تَقُول : أَبْدِلْ لِي هَذَا الدِّرْهَم , أَيْ أَزِلْهُ وَأَعْطِنِي غَيْره . وَتَقُول : قَدْ بَدَّلْت بَعْدنَا , أَيْ غَيَّرْت ; غَيْر أَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَل أَحَدهمَا مَوْضِع الْآخَر ; وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَكْثَر . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " النِّسَاء " وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَذَكَرْنَا فِي سُورَة " إِبْرَاهِيم " الدَّلِيل مِنْ السُّنَّة عَلَى أَنَّ بَدَّلَ مَعْنَاهُ إِزَالَة الْعَيْن ; فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ . وَقُرِئَ " عَسَى رَبّنَا أَنْ يُبْدِلنَا " [ الْقَلَم : 32 ] مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا .



هُوَ فِي مَوْضِع الْحَال ; أَيْ فِي حَال عِبَادَتهمْ اللَّه بِالْإِخْلَاصِ. وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِسْتِئْنَافًا عَلَى طَرِيق الثَّنَاء عَلَيْهِمْ.


فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال : [ أَحَدهَا ] لَا يَعْبُدُونَ إِلَهًا غَيْرِي ; حَكَاهُ النَّقَّاش. [ الثَّانِي ] لَا يُرَاءُونَ بِعِبَادَتِي أَحَدًا. [ الثَّالِث ] لَا يَخَافُونَ غَيْرِي ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . [ الرَّابِع ] لَا يُحِبُّونَ غَيْرِي ; قَالَهُ مُجَاهِد .


أَيْ بِهَذِهِ النِّعَم . وَالْمُرَاد كُفْرَان النِّعْمَة لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى


وَالْكَافِر بِاَللَّهِ فَاسْقِ بَعْد هَذَا الْإِنْعَام وَقَبْله.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة

    الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة: دراسة علمية لجهود الشيخ الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - في توضيح وتأصيل العقيدة الإسلامية الصحيحة، من خلال كتبه ومؤلَّفاته الكثيرة في ذلك؛ ومنها: «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان»، ومختصره: «تيسير اللطيف المنَّان»، وشرح كتاب التوحيد، وغير ذلك من كتبه ورسائله - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344682

    التحميل:

  • شرح الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية

    شرح الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية: قال المصنف - حفظه الله -: «فإنه لا يخفى على كل مسلمٍ ما لدراسة سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام - من فائدةٍ عظيمةٍ، وأثرٍ مُباركٍ، وثمارٍ كبيرةٍ تعودُ على المسلم في دُنياه وأُخراه .. وبين أيدينا منظومةٌ نافعةٌ، وأرجوزةٌ طيبةٌ في سيرة نبينا الكريم - عليه الصلاة والسلام -، سلَكَ فيها ناظمُها مسلكَ الاختصار وعدم البسط والإطناب، فهي في مائة بيتٍ فقط، بنَظمٍ سلِسٍ، وأبياتٍ عذبةٍ، مُستوعِبةٍ لكثيرٍ من أمهات وموضوعات سيرة النبي الكريم - صلوات الله وسلامُه عليه -، بعباراتٍ جميلةٍ، وكلماتٍ سهلةٍ، وألفاظٍ واضحةٍ».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344685

    التحميل:

  • أفرءيتم النار التي تورون

    أفرءيتم النار التي تورون : بحث للدكتور أحمد عروة، يبين فيه حقيقة النار.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193681

    التحميل:

  • مجموع رسائل الشاب الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله تعالى

    مجموع رسائل الشاب الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله تعالى: كتابٌ جمع فيه مؤلفه فضيلة الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني - حفظه الله - الرسائل التي ألَّفها ابنُه عبد الرحمن - رحمه الله -، ويشتمل هذا المجموع على: 1- سيرة الشاب الصالح عبد الرحمن، ونبذة من سيرة شقيقه عبد الرحيم - رحمهما الله -. 2- الجنة والنار من الكتاب والسنة المطهرة. 3- غزوة فتح مكة في ضوء الكتاب والسنة المطهرة. 4- أبراج الزجاج في سيرة الحجاج. 5- مواقف لا تُنسى من سيرة والدتي - رحمها الله تعالى -. وهذه الرسائل جميعها طُبِعَت مفردة، وحقَّقها المؤلف - حفظه الله -.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273033

    التحميل:

  • الإعجاز العلمي في آيات السمع والبصر في القرآن الكريم

    الإعجاز العلمي في آيات السمع والبصر في القرآن الكريم : إعداد د. صادق الهلالي، ود. حسين رضوان سليمان اللبيدي.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193683

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة