Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النور - الآية 55

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) (النور) mp3
نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ; قَالَهُ مَالِك. وَقِيلَ : إِنَّ سَبَب هَذِهِ الْآيَة أَنَّ بَعْض أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَا جَهْد مُكَافَحَة الْعَدُوّ , وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْخَوْف عَلَى أَنْفُسهمْ , وَأَنَّهُمْ لَا يَضَعُونَ أَسْلِحَتهمْ ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : مَكَثَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْر سِنِينَ بَعْدَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ خَائِفًا هُوَ وَأَصْحَابه , يَدْعُونَ إِلَى اللَّه سِرًّا وَجَهْرًا , ثُمَّ أَمَرَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة , وَكَانُوا فِيهَا خَائِفِينَ يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ فِي السِّلَاح . فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , أَمَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْم نَأْمَن فِيهِ وَنَضَع السِّلَاح ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا تَلْبَثُونَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِس الرَّجُل مِنْكُمْ فِي الْمَلَأ الْعَظِيم مُحْتَبِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ حَدِيدَة ) . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَأَظْهَرَ اللَّه نَبِيّه عَلَى جَزِيرَة الْعَرَب فَوَضَعُوا السِّلَاح وَأَمِنُوا . قَالَ النَّحَّاس : فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَة دَلَالَة عَلَى نُبُوَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ أَنْجَزَ ذَلِكَ الْوَعْد . قَالَ الضَّحَّاك فِي كِتَاب النَّقَّاش : هَذِهِ تَتَضَمَّن خِلَافَة أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ ; لِأَنَّهُمْ أَهْل الْإِيمَان وَعَمِلُوا الصَّالِحَات . وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ ). وَإِلَى هَذَا الْقَوْل ذَهَبَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي أَحْكَامه , وَاخْتَارَهُ وَقَالَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى خِلَافَة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , وَأَنَّ اللَّه اِسْتَخْلَفَهُمْ وَرَضِيَ أَمَانَتهمْ , وَكَانُوا عَلَى الدِّين الَّذِي اِرْتَضَى لَهُمْ , لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَقَدَّمهُمْ أَحَد فِي الْفَضِيلَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا , فَاسْتَقَرَّ الْأَمْر لَهُمْ , وَقَامُوا بِسِيَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ , وَذَبُّوا عَنْ حَوْزَة الدِّين ; فَنَفَذَ الْوَعْد فِيهِمْ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَعْد لَهُمْ نَجَزَ , وَفِيهِمْ نَفَذَ , وَعَلَيْهِمْ وَرَدَ , فَفِيمَنْ يَكُون إِذًا , وَلَيْسَ بَعْدهمْ مِثْلهمْ إِلَى يَوْمنَا هَذَا , وَلَا يَكُون فِيمَا بَعْده . رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَحَكَى هَذَا الْقَوْل الْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ سَفِينَة مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَة ثُمَّ تَكُون مُلْكًا ) . قَالَ سَفِينَة : أَمْسِكْ [ عَلَيْك ] خِلَافَة أَبِي بَكْر سَنَتَيْنِ , وَخِلَافَة عُمَر عَشْرًا , وَخِلَافَة عُثْمَان ثِنْتَيْ عَشْرَة سَنَة , وَخِلَافَة عَلِيّ سِتًّا . وَقَالَ قَوْم : هَذَا وَعْد لِجَمِيعِ الْأُمَّة فِي مُلْك الْأَرْض كُلّهَا تَحْت كَلِمَة الْإِسْلَام ; كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( زُوِيَتْ لِي الْأَرْض فَرَأَيْت مَشَارِقهَا وَمَغَارِبهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْك أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ) . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل اِبْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره حَيْثُ قَالَ : وَالصَّحِيح فِي الْآيَة أَنَّهَا فِي اِسْتِخْلَاف الْجُمْهُور , وَاسْتِخْلَافهمْ هُوَ أَنْ يُمَلِّكهُمْ الْبِلَاد وَيَجْعَلهُمْ أَهْلهَا ; كَاَلَّذِي جَرَى فِي الشَّام وَالْعِرَاق وَخُرَاسَان وَالْمَغْرِب . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قُلْنَا لَهُمْ هَذَا وَعْد عَامّ فِي النُّبُوَّة وَالْخِلَافَة وَإِقَامَة الدَّعْوَة وَعُمُوم الشَّرِيعَة , فَنَفَذَ الْوَعْد فِي كُلّ أَحَد بِقَدْرِهِ وَعَلَى حَاله ; حَتَّى فِي الْمُفْتِينَ وَالْقُضَاة وَالْأَئِمَّة , وَلَيْسَ لِلْخِلَافَةِ مَحَلّ تَنْفُذ فِيهِ الْمَوْعِدَة الْكَرِيمَة إِلَّا مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْخُلَفَاء. ثُمَّ ذَكَرَ اِعْتِرَاضًا وَانْفِصَالًا مَعْنَاهُ : فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْأَمْر لَا يَصِحّ إِلَّا فِي أَبِي بَكْر وَحْده , فَأَمَّا عُمَر وَعُثْمَان فَقُتِلَا غِيلَة , وَعَلِيّ قَدْ نُوزِعَ فِي الْخِلَافَة . قُلْنَا : لَيْسَ فِي ضِمْن الْأَمْن السَّلَامَة مِنْ الْمَوْت بِأَيِّ وَجْه كَانَ , وَأَمَّا عَلِيّ فَلَمْ يَكُنْ نِزَاله فِي الْحَرْب مَذْهَبًا لِلْأَمْنِ , وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْأَمْن رَفْع الْحَرْب إِنَّمَا شَرْطه مُلْك الْإِنْسَان لِنَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ , لَا كَمَا كَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ . ثُمَّ قَالَ فِي آخِر كَلَامه : وَحَقِيقَة الْحَال أَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ فَصَارُوا قَاهِرِينَ , وَكَانُوا مَطْلُوبِينَ فَصَارُوا طَالِبِينَ ; فَهَذَا نِهَايَة الْأَمْن وَالْعِزّ .

قُلْت : هَذِهِ الْحَال لَمْ تَخْتَصّ بِالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ حَتَّى يُخَصُّوا بِهَا مِنْ عُمُوم الْآيَة , بَلْ شَارَكَهُمْ فِي ذَلِكَ جَمِيع الْمُهَاجِرِينَ بَلْ وَغَيْرهمْ . أَلَا تَرَى إِلَى إِغْزَاء قُرَيْش الْمُسْلِمِينَ فِي أُحُد وَغَيْرهَا وَخَاصَّة الْخَنْدَق , حَتَّى أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ جَمِيعهمْ فَقَالَ : " إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَار وَبَلَغَتْ الْقُلُوب الْحَنَاجِر وَتَظُنُّونَ بِاَللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا " [ الْأَحْزَاب : 10 - 11 ] . ثُمَّ إِنَّ اللَّه رَدَّ الْكَافِرِينَ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا , وَأَمَّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضهمْ وَدِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " لَيَسْتَخْلِفَنّهم فِي الْأَرْض " . وَقَوْله : " كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ " يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيل , إِذْ أَهْلَكَ اللَّه الْجَبَابِرَة بِمِصْرَ , وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضهمْ وَدِيَارهمْ فَقَالَ : " وَأَوْرَثْنَا الْقَوْم الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا " [ الْأَعْرَاف : 137 ] . وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَة مُسْتَضْعَفِينَ خَائِفِينَ , ثُمَّ إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَّنَهُمْ وَمَكَّنَهُمْ وَمَلَّكَهُمْ , فَصَحَّ أَنَّ الْآيَة عَامَّة لِأُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر مَخْصُوصَة ; إِذْ التَّخْصِيص لَا يَكُون إِلَّا بِخَبَرٍ مِمَّنْ يَجِب [ لَهُ ] التَّسْلِيم , وَمِنْ الْأَصْل الْمَعْلُوم التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ . وَجَاءَ فِي مَعْنَى تَبْدِيل خَوْفهمْ بِالْأَمْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ أَصْحَابه : أَمَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْم نَأْمَن فِيهِ وَنَضَع السِّلَاح ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا تَلْبَثُونَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَجْلِس الرَّجُل مِنْكُمْ فِي الْمَلَأ الْعَظِيم مُحْتَبِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ حَدِيدَة ). وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَللَّه لَيُتِمَّنَّ اللَّه هَذَا الْأَمْر حَتَّى يَسِير الرَّاكِب مِنْ صَنْعَاء إِلَى حَضْرَمَوْت لَا يَخَاف إِلَّا اللَّه وَالذِّئْب عَلَى غَنَمه وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه ; فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَالْآيَة مُعْجِزَة النُّبُوَّة ; لِأَنَّهَا إِخْبَار عَمَّا سَيَكُونُ فَكَانَ .


فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : يَعْنِي أَرْض مَكَّة ; لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ سَأَلُوا اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ فَوُعِدُوا كَمَا وُعِدَتْ بَنُو إِسْرَائِيل ; قَالَ مَعْنَاهُ النَّقَّاش . الثَّانِي : بِلَاد الْعَرَب وَالْعَجَم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح ; لِأَنَّ أَرْض مَكَّة مُحَرَّمَة عَلَى الْمُهَاجِرِينَ , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَكِنَّ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة ) . يَرْثِي لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ . وَقَالَ فِي الصَّحِيح أَيْضًا : ( يَمْكُث الْمُهَاجِر بِمَكَّةَ بَعْد قَضَاء نُسُكه ثَلَاثًا ) . وَاللَّام فِي " لَيَسْتَخْلِفَنّهم " جَوَاب قَسَم مُضْمَر ; لِأَنَّ الْوَعْد قَوْل , مَجَازهَا : قَالَ اللَّه لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات وَاَللَّه لَيَسْتَخْلِفَنّهم فِي الْأَرْض فَيَجْعَلهُمْ مُلُوكهَا وَسُكَّانهَا.


يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيل , أَهْلَكَ الْجَبَابِرَة بِمِصْرَ وَالشَّام وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضهمْ وَدِيَارهمْ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " كَمَا اِسْتَخْلَفَ " بِفَتْحِ التَّاء وَاللَّام ; لِقَوْلِهِ : " وَعَدَ " . وَقَوْله : " لَيَسْتَخْلِفَنّهم " . وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر وَأَبُو بَكْر وَالْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم " اُسْتُخْلِفَ " بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر اللَّام عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول .


وَهُوَ الْإِسْلَام ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " [ الْمَائِدَة : 3 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَرَوَى سُلَيْم بْن عَامِر عَنْ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا عَلَى ظَهْر الْأَرْض بَيْت حَجَر وَلَا مَدَر إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه كَلِمَة الْإِسْلَام بِعِزِّ عَزِيز أَوْ ذُلّ ذَلِيل أَمَّا بِعِزِّهِمْ فَيَجْعَلهُمْ مِنْ أَهْلهَا وَأَمَّا بِذُلِّهِمْ فَيَدِينُونَ بِهَا ) . ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ حُجَّة لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالْأَرْضِ بِلَاد الْعَرَب وَالْعَجَم ; وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي : عَلَى مَا تَقَدَّمَ آنِفًا.


قَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَابْن كَثِير وَيَعْقُوب وَأَبُو بَكْر بِالتَّخْفِيفِ ; مِنْ أَبْدَلَ , وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن , وَاخْتِيَار أَبِي حَاتِم . الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ; مِنْ بَدَّلَ , وَهِيَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد ; لِأَنَّهَا أَكْثَر مَا فِي الْقُرْآن , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَا تَبْدِيل لِكَلِمَاتِ اللَّه " [ يُونُس : 64 ] . وَقَالَ : " وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَة " [ النَّحْل : 101 ] وَنَحْوه , وَهُمَا لُغَتَانِ . قَالَ النَّحَّاس : وَحَكَى مُحَمَّد بْن الْجَهْم عَنْ الْفَرَّاء قَالَ : قَرَأَ عَاصِم وَالْأَعْمَش " وَلَيُبَدِّلَنّهم " مُشَدَّدَة , وَهَذَا غَلَط عَلَى عَاصِم ; وَقَدْ ذَكَرَ بَعْده غَلَطًا أَشَدّ مِنْهُ , وَهُوَ أَنَّهُ حَكَى عَنْ سَائِر النَّاس التَّخْفِيف . قَالَ النَّحَّاس : وَزَعَمَ أَحْمَد بْن يَحْيَى أَنَّ بَيْن التَّثْقِيل وَالتَّخْفِيف فَرْقًا , وَأَنَّهُ يُقَال : بَدَّلْته أَيْ غَيَّرْته , وَأَبْدَلْته أَزَلْته وَجَعَلْت غَيْره . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا الْقَوْل صَحِيح ; كَمَا تَقُول : أَبْدِلْ لِي هَذَا الدِّرْهَم , أَيْ أَزِلْهُ وَأَعْطِنِي غَيْره . وَتَقُول : قَدْ بَدَّلْت بَعْدنَا , أَيْ غَيَّرْت ; غَيْر أَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَل أَحَدهمَا مَوْضِع الْآخَر ; وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَكْثَر . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " النِّسَاء " وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَذَكَرْنَا فِي سُورَة " إِبْرَاهِيم " الدَّلِيل مِنْ السُّنَّة عَلَى أَنَّ بَدَّلَ مَعْنَاهُ إِزَالَة الْعَيْن ; فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ . وَقُرِئَ " عَسَى رَبّنَا أَنْ يُبْدِلنَا " [ الْقَلَم : 32 ] مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا .



هُوَ فِي مَوْضِع الْحَال ; أَيْ فِي حَال عِبَادَتهمْ اللَّه بِالْإِخْلَاصِ. وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِسْتِئْنَافًا عَلَى طَرِيق الثَّنَاء عَلَيْهِمْ.


فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال : [ أَحَدهَا ] لَا يَعْبُدُونَ إِلَهًا غَيْرِي ; حَكَاهُ النَّقَّاش. [ الثَّانِي ] لَا يُرَاءُونَ بِعِبَادَتِي أَحَدًا. [ الثَّالِث ] لَا يَخَافُونَ غَيْرِي ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . [ الرَّابِع ] لَا يُحِبُّونَ غَيْرِي ; قَالَهُ مُجَاهِد .


أَيْ بِهَذِهِ النِّعَم . وَالْمُرَاد كُفْرَان النِّعْمَة لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى


وَالْكَافِر بِاَللَّهِ فَاسْقِ بَعْد هَذَا الْإِنْعَام وَقَبْله.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • توحيد الربوبية

    توحيد الربوبية : في هذه الرسالة تعريف توحيد الربوبية. معنى كلمة الرب. أسماء هذا النوع من التوحيد. أدلته. إنكار الربوبية. أنواع ربوبية الله على خلقه. توحيد الربوبية ليس هو الغايةَ في التوحيد. آثار توحيد الربوبية وفوائده. ما ضد توحيد الربوبية؟ الفِرَق التي أشركت بالربوبية.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172695

    التحميل:

  • تأملات في مماثلة المؤمن للنخلة

    تأملات في مماثلة المؤمن للنخلة: رسالةٌ تُبيِّن شرحًا مختصرًا على الحديث المُخرَّج في الصحيحن في غير ما موضع من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها; وإنها مثل المسلم ...» الحديث; وفي آخره قال: «هي النخلة»; فوضَّح المؤلف - حفظه الله - أوجه الشَّبَه بين المؤمن والنخلة.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316844

    التحميل:

  • المفيد على كتاب التوحيد

    المفيد على كتاب التوحيد : قال الشارح - أثابه الله - « ألَّف الشيخ - رحمه الله - هذا الكتاب - كتاب التوحيد -؛ لبيان حقيقة التوحيد وشُعَبه وفضائله، وحقوقه ومكملاته، وما يحصل به تحقيقه، ووجوب الدعوة إليه، والتنبيه على حقيقة الشرك وأنواعه كالأكبر والأصغر، والجلي والخفي، وبيان شُعَبـِه وخصاله وخطره، ووجوب الحذر منه كله، قليله وكثيره، دقيقه وجليله وذرائعه، والتنبيه على ذرائعه من البدع وأمور الجاهلية وكبائر الذنوب وغير ذلك من المحرمات التي تنافي التوحيد بالكلية، أو تنقص كماله الواجب، أو تقدح فيه وتضعفه. لذا فهذا الكتاب كتاب عظيم النفع، جليل القدر، غزير العلم، مبارك الأثر، لا يُعلم أنه سبق أن صُنِّف مثله في معناه رغم صغر حجمه؛ لكثرة فوائده وحسن تأثيره على متعلِّميه، فينبغي حفظه وفهمه، والعناية بدراسته، وتأمّل ما فيه من الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحات، والآثار المروية عن السلف الصالح؛ لما فيها من العلم النافع والترغيب في العمل الصالح والهدى المستقيم، والدلالة على توحيد الله تعالى والإخلاص لـه، والتنبيه على بطلان الشرك والبدع وسائر ما حرّم الله تعالى من أنواع ذلك وفروعه ووسائله وما يُوصل إليه ».

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/292933

    التحميل:

  • خير نساء العالمين

    خير نساء العالمين : في هذا الكتاب مقتطفات من سيرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدمها المصنف إلى كل مسلمة تبحث عن القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة من بنات جنسها.

    الناشر: دار الصحابة للتراث بطنطا

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76437

    التحميل:

  • الطب النبوي

    الطب النبوي: كتاب يتضمن فصول نافعة في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الطب الذي تطبب به، ووصفه لغيره حيث يبين الكاتب فيه الحكمة التي تعجز عقول أكبر الأطباء عن الوصول إليها.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370718

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة