Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النور - الآية 43

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) (النور) mp3
ذَكَرَ مِنْ حُجَجه شَيْئًا آخَر ; أَيْ أَلَمْ تَرَ بِعَيْنَيْ قَلْبك .


أَيْ يَسُوق إِلَى حَيْثُ يَشَاء . وَالرِّيح تُزْجِي السَّحَاب , وَالْبَقَرَة تُزْجِي وَلَدهَا أَيْ تَسُوقهُ. وَمِنْهُ زَجَا الْخَرَاج يَزْجُو زَجَاء - مَمْدُودًا - إِذَا تَيَسَّرَتْ جِبَايَته. وَقَالَ النَّابِغَة : إِنِّي أَتَيْتُك مِنْ أَهْلِي وَمِنْ وَطَنِي أُزْجِي حُشَاشَة نَفْس مَا بِهَا رَمَق وَقَالَ أَيْضًا : أَسْرَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوْزَاء سَارِيَة تُزْجِي الشَّمَال عَلَيْهِ جَامِد الْبَرَد



أَيْ يَجْمَعهُ عِنْد اِنْتِشَائِهِ ; لِيَقْوَى وَيَتَّصِل وَيَكْثُف . وَالْأَصْل فِي التَّأْلِيف الْهَمْز , تَقُول : تَأَلَّفَ . وَقُرِئَ " يُوَلِّف " بِالْوَاوِ تَخْفِيفًا . وَالسَّحَاب وَاحِد فِي اللَّفْظ , وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ جَمْع ; وَلِهَذَا قَالَ : " وَيُنْشِئ السَّحَاب " [ الرَّعْد : 12 ] . وَ " بَيْن " لَا يَقَع إِلَّا لِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا , فَكَيْفَ جَازَ بَيْنه ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ " بَيْنه " هُنَا لِجَمَاعَةِ السَّحَاب ; كَمَا تَقُول : الشَّجَر قَدْ جَلَسْت بَيْنه لِأَنَّهُ جَمْع , وَذَكَرَ الْكِنَايَة عَلَى اللَّفْظ ; قَالَ مَعْنَاهُ الْفَرَّاء . وَجَوَاب آخَر : وَهُوَ أَنْ يَكُون السَّحَاب وَاحِدًا فَجَازَ أَنْ يُقَال بَيْنه لِأَنَّهُ مُشْتَمِل عَلَى قِطَع كَثِيرَة , كَمَا قَالَ : . .. بَيْن الدَّخُول فَحَوْمَل فَأُوقِعَ " بَيْن " عَلَى الدَّخُول , وَهُوَ وَاحِد لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَوَاضِع . وَكَمَا تَقُول : مَا زِلْت أَدُور بَيْن الْكُوفَة لِأَنَّ الْكُوفَة أَمَاكِن كَثِيرَة ; قَالَهُ الزَّجَّاج وَغَيْره . وَزَعَمَ الْأَصْمَعِيّ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوز , وَكَانَ يُرْوَى : . .. بَيْن الدَّخُول وَحَوْمَل


أَيْ مُجْتَمِعًا , يَرْكَب بَعْضه بَعْضًا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنْ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَاب مَرْكُوم " [ الطُّور : 44 ] . وَالرَّكْم جَمْع الشَّيْء ; يُقَال مِنْهُ : رَكَمَ الشَّيْء يَرْكُمهُ رَكْمًا إِذَا جَمَعَهُ وَأَلْقَى بَعْضه عَلَى بَعْض . وَارْتَكَمَ الشَّيْء وَتَرَاكَمَ إِذَا اِجْتَمَعَ . وَالرُّكْمَة الطِّين الْمَجْمُوع . وَالرُّكَام : الرَّمَل الْمُتَرَاكِم . وَكَذَلِكَ السَّحَاب وَمَا أَشْبَهَهُ . وَمُرْتَكَم الطَّرِيق - ( بِفَتْحِ الْكَاف ) - جَادَّته .



فِي " الْوَدْق " قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ الْبَرْق ; قَالَهُ أَبُو الْأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : أَثَرْنَا عَجَاجَة وَخَرَجْنَ مِنْهَا خُرُوج الْوَدْق مِنْ خَلَل السَّحَاب الثَّانِي : أَنَّهُ الْمَطَر ; قَالَهُ الْجُمْهُور . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : فَلَا مُزْنَة وَدَقَتْ وَدْقهَا وَلَا أَرْض أَبْقَلَ إِبْقَالهَا وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَدَمْعهمَا وَدْق وَسَحّ وَدِيمَة وَسَكْب وَتَوْكَاف وَتَنْهَمِلَانِ يُقَال : وَدَقَتْ السَّحَابَة فَهِيَ وَادِقَة . وَوَدَقَ الْمَطَر يَدِق وَدْقًا ; أَيْ قَطَرَ . وَوَدَقْت إِلَيْهِ دَنَوْت مِنْهُ . وَفِي الْمَثَل : وَدَقَ الْعَيْر إِلَى الْمَاء ; أَيْ دَنَا مِنْهُ . يُضْرَب لِمَنْ خَضَعَ لِلشَّيْءِ لِحِرْصِهِ عَلَيْهِ . وَالْمَوْضِع مَوْدِق . وَوَدَقْت [ بِهِ ] وَدْقًا اِسْتَأْنَسْت بِهِ . وَيُقَال لِذَاتِ الْحَافِر إِذَا أَرَادَتْ الْفَحْل : وَدَقَتْ تَدِق وَدْقًا , وَأَوْدَقَتْ وَاسْتَوْدَقَتْ . وَأَتَان وَدُوق وَفَرَس وَدُوق , وَوَدِيق أَيْضًا , وَبِهَا وِدَاق . وَالْوَدِيقَة : شِدَّة الْحَرّ . وَخِلَال جَمْع خَلَل ; مِثْل الْجَبَل وَالْجِبَال , وَهِيَ فُرَجه وَمَخَارِج الْقَطْر مِنْهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي [ الْبَقَرَة ] أَنَّ كَعْبًا قَالَ : إِنَّ السَّحَاب غِرْبَال الْمَطَر ; لَوْلَا السَّحَاب حِين يَنْزِل الْمَاء مِنْ السَّمَاء لَأَفْسَدَ مَا يَقَع عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْض . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَأَبُو الْعَالِيَة " مِنْ خَلَله " عَلَى التَّوْحِيد . وَتَقُول : كُنْت فِي خِلَال الْقَوْم ; أَيْ وَسَطهمْ .


قِيلَ : خَلَقَ اللَّه فِي السَّمَاء جِبَالًا مِنْ بَرَد , فَهُوَ يُنْزِل مِنْهَا بَرَدًا ; وَفِيهِ إِضْمَار , أَيْ يُنْزِل مِنْ جِبَال الْبَرَد بَرَدًا , فَالْمَفْعُول مَحْذُوف . وَنَحْو هَذَا قَوْل الْفَرَّاء ; لِأَنَّ التَّقْدِير عِنْده : مِنْ جِبَال بَرَد ; فَالْجِبَال عِنْده هِيَ الْبَرَد . وَ " بَرَد " فِي مَوْضِع خَفْض ; وَيَجِب أَنْ يَكُون عَلَى قَوْله الْمَعْنَى : مِنْ جِبَال بَرَد فِيهَا , بِتَنْوِينِ جِبَال . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ فِي السَّمَاء جِبَالًا فِيهَا بَرَد ; فَيَكُون التَّقْدِير : وَيُنَزِّل مِنْ السَّمَاء مِنْ جِبَال فِيهَا بَرَد . وَ " مِنْ " صِلَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَيُنَزِّل مِنْ السَّمَاء قَدْر جِبَال , أَوْ مِثْل جِبَال مِنْ بَرَد إِلَى الْأَرْض ; فَ " مِنْ " الْأُولَى لِلْغَايَةِ لِأَنَّ اِبْتِدَاء الْإِنْزَال مِنْ السَّمَاء , وَالثَّانِيَة لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ الْبَرَد بَعْض الْجِبَال , وَالثَّالِثَة لِتَبْيِينِ الْجِنْس لِأَنَّ جِنْس تِلْكَ الْجِبَال مِنْ الْبَرَد . وَقَالَ الْأَخْفَش : إِنَّ " مِنْ " فِي " الْجِبَال " وَ " بَرَد " زَائِدَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَالْجِبَال وَالْبَرَد فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ يُنَزِّل مِنْ السَّمَاء بَرَدًا يَكُون كَالْجِبَالِ . وَاَللَّه أَعْلَم.


فَيَكُون إِصَابَته نِقْمَة وَصَرْفه نِعْمَة . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " . وَ " الرَّعْد " أَنَّ مَنْ قَالَ حِين يَسْمَع الرَّعْد : سُبْحَان مَنْ يُسَبِّح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة مِنْ خِيفَته ثَلَاثًا عُوفِيَ مِمَّا يَكُون فِي ذَلِكَ الرَّعْد .


أَيْ ضَوْء ذَلِكَ الْبَرْق الَّذِي فِي السَّحَاب



مِنْ شِدَّة بِرِيقِهِ وَضَوْئِهِ. قَالَ الشَّمَّاخ : وَمَا كَادَتْ إِذَا رَفَعَتْ سَنَاهَا لِيُبْصِر ضَوْءَهَا إِلَّا الْبَصِير وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : يُضِيء سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيح رَاهِب أَهَانَ السَّلِيط فِي الذُّبَال الْمُفَتَّل فَالسَّنَا - مَقْصُور - ضَوْء الْبَرْق. وَالسَّنَا أَيْضًا نَبْت يُتَدَاوَى بِهِ . وَالسَّنَاء مِنْ الرِّفْعَة مَمْدُود. وَكَذَلِكَ قَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " سَنَاء " بِالْمَدِّ عَلَى الْمُبَالَغَة مِنْ شِدَّة الضَّوْء وَالصَّفَاء ; فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اِسْم الشَّرَف. قَالَ الْمُبَرِّد : السَّنَا - مَقْصُور - وَهُوَ اللَّمْع ; فَإِذَا كَانَ مِنْ الشَّرَف وَالْحَسَب فَهُوَ مَمْدُود وَأَصْلهمَا وَاحِد وَهُوَ الِالْتِمَاع . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " سَنَاء بُرَقه " قَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى : وَهُوَ جَمْع بُرْقَة . قَالَ النَّحَّاس : الْبُرْقَة الْمِقْدَار مِنْ الْبَرْق , وَالْبُرْقَة الْمَرَّة الْوَاحِدَة . وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيّ وَابْن الْقَعْقَاع " يُذْهِب بِالْأَبْصَارِ " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْهَاء ; مِنْ الْإِذْهَاب , وَتَكُون الْبَاء فِي " بِالْأَبْصَارِ " صِلَة زَائِدَة. الْبَاقُونَ " يَذْهَب بِالْأَبْصَارِ " بِفَتْحِ الْيَاء وَالْهَاء , وَالْبَاء لِلْإِلْصَاقِ. وَالْبَرْق دَلِيل عَلَى تَكَاثُف السَّحَاب , وَبَشِير بِقُوَّةِ الْمَطَر , وَمُحَذِّر مِنْ نُزُول الصَّوَاعِق .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تعرف على الإسلام

    تعرف على الإسلام : هذا الكتاب دعوة للتأمل في تعاليم الإسلام، مع كشف حقيقة ما يردده البعض عن اتهام الإسلام بالإرهاب والحض على الكراهية، وبأنه ظلم المرأة وعطل طاقتها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172991

    التحميل:

  • بينات الرسالة

    بينات الرسالة: من حكمة الله البالغة أن جعل بيِّنة كل رسول متناسبة مع قومه الذين أُرسِل إليهم لتكون الحُجَّة أظهر والبيِّنة أوضح وأبيَن، وقد أعطى الله تعالى كل نبيٍّ من أنبيائه العديدَ من الآيات والبينات التي يؤمن بها أقوامهم، وكل هذه الآيات لا يُعرف منها شيءٌ من بعد رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - إلا ما ذكره الله في القرآن عنها; وبيَّنها رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أما معجزات نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فهي باقية إلى قيام الساعة، وأعظمُها قدرًا وأعلاها منزلةً: القرآن الكريم. وفي هذه الصفحات بيان صدق هذه المعجزة وعظمتها وأهميتها عند المسلمين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339050

    التحميل:

  • روح وريحان

    قالت المؤلفة: من خلال اطلاعي على كتب التفسير المختلفة، وأساليب حفظ القرآن الكريم المتنوعة، أدركت أهمية المعنى وترابط الأفكار في السور في تسهيل وتيسير الحفظ ، حيث أن الإنسان يبقى في ذهنه التصور العام للآيات مهما تمادى به الزمن وإن لم يراجعها بإذن الله تعالى، فعكفت على جمع الموضوعات الأساسية لكل سورة على حدة مستعينة بكتب التفاسير القيّمة ، وقمت بصياغتها بشكل متسلسل مترابط على شكل نقاط متتابعة وأفكار متكاملة، تيسيرا على المسلم الباحث عن وسيلة مبسّطة تعينه على الإلمام بجوّ السورة العام في وقت مقتضب، وكذلك لمساعدة طلاب حلقات القرآن الكريم على تثبيت حفظهم للسور بمراجعتهم لأهم موضوعاتها ومعانيها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371330

    التحميل:

  • جوامع الدعاء

    جوامع الدعاء: تحتوي هذه الرسالة على خمسة فصول بعد المقدمة وهي: الأول: في حق الدعاء وفضله. الثاني: في شروط الدعاء وآدابه. الثالث: في أحوال مختصة بالإجابة. الرابع: في أدعية مختارة من القرآن الكريم. الخامس: في أدعية مختارة من السنة المطهرة. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166513

    التحميل:

  • حاشية ثلاثة الأصول وأدلتها

    ثلاثة الأصول وأدلتها : رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله، وقد قام بشرحها العديد من أهل العلم ومنهم فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/70852

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة